باريس و التضامُن العربي ! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

باريس و التضامُن العربي !

هل غيّرت صورة بروفايلك تضامُناً مع أحداث باريس الدامية أم لا ؟

  نشر في 21 نونبر 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

* ساعةٌ فقط أو لعلّها ساعتان بُعَيْدَ الأحداثِ الداميةِ التي شهدتها العاصمةُ الفرنسيةُ " باريس " , كانتْ كفيلةً بأن تكسو الكونَ من حولنا بألوانٍ ثلاثةْ , هي ألوانُ علمِ الجمهوريةِ الفرنسية التي ضربتها يدُ الإرهاب فأرّقتْ أُمسِياتِها الهادئة و سهراتِها الشاعِريّة و حوّلتها إلى ساحاتِ عُنفٍ تسيلُ فيها الدماءُ و يعلو خلالها الرصاصُ لتكونَ تِلكَ الليلةُ إحدى أسوأ لياليها منذُ الحرب العالمية الأولى .

* أوشَكَ الفجرُ على البُزوخ و بدأَتْ أصواتُ الرصاصِ تخفُتُ شيئاً فشيئاً , أُغلِقَتِ الحدود , رُفِعَتْ حالةُ الطوارئ , خيَّمَ شيءٌ من الهدوءِ في الأجواء و بعضٌ منَ الحُزنِ في النُفُوس .

* استَنفَرتْ أجهِزَةُ الإستِخباراتِ الفرنسيةُ و العالميةُ للبحثِ عن الجُناةِ و المتورِّطينَ و وقفَ العالمُ الغربيُّ دقيقةَ صمتٍ حُزناً على أرواحِ من سقطوا من الفرنسيين , فيما كانَتْ بعضُ الشعوبِ على الطرفِ الآخَرِ من الأرض تحزَنُ و تتفاعلُ مع الحدث بطريقتها الخاصة و بأسلوبِها المُميّز , الذي قلّ أن تجِدَ شعوباً أُخرى تُمارِسُهُ أو تتقِنُهْ .

* ما إنْ تجلِسَ خلف حاسوبِكَ و تبدأَ في الإبحارِ و التنقُّلِ بين مواقعِ التواصُلِ الاجتماعي التي هيمَنَتْ على مُجتمعاتِنا و مجالِسِنا و أصبحتْ جُزءاً لا يتجزّأُ من روتينِ حياتِنا اليوميّ , ما إنْ تبدأَ بتصفُّحِ أيِّ موقعٍ كان حتى يرتَسِمَ أمامكَ اللونُ الأحمرُ فالأبيضُ فالأزرق مُعلِناً تضامُنَ الموقعِ و العامِلينَ فيهِ مع الدماءِ التي سُفِكَتْ و الضحايا التي سَقَطتْ . و لكن ما يدعُو إلى التعجّب و ما يزيدُ المأساةَ أسىً و الجُرحَ عُمقاً هو أن ترى شريحةً ضخمةً لا يُستهانُ بها من كافةِ المُستوياتِ و الطبقات , مُهندِسونَ و أطباءُ و فنانونُ بل و حتى سياسِيّون , يُسارِعونَ لإعلان تضامُنِهم مع ما حدثَ بتغيير صورِهُمُ الشخصيةِ على الفيس بوك أو التويتر أو ما سواها , و يخطّونَ بأياديهم عباراتِ الحُزنِ و الشفقة و الألمِ حتّى !

* نعم يا سادة , إنّهُ الشعبُ العربيُّ الذي رزحَ عقوداً من الزمن ذليلاً مُهاناً تحتَ سُلطةِ الانتدابِ الفرنسي , و هو ذاتُهُ الذي لا يعلَمُ شيئاً عن قَتْلِ خمسٍ و أربعينَ ألفاً منهُ في الجزائرِ بأمرِ فرنسيّ ردّاً على مُظاهراتٍ سلميّة , هو نفسُهُ الذي مُحِيَتْ من ذاكِرَتِهِ عائلاتٌ دمشقيّةٌ كانتْ تُكبّلُ لتُشاهِدَ قتلَ أبناءِها أمامَ أعيُنِها , و هو الذي نَسِيَ المجازِرَ الفرنسيةَ في طرابلُس اللُبنانيّة بحقِّ طلبةِ المدارسِ الإسلاميّة و مجزرة صيدا بحقِّ النساء الحرائِر . جميعُنا نعلَمْ أنّ ذاكِرَةَ العربِ قصيرةٌ لا تطُولُ و لا تذكُرُ أحداثاً جَرَتْ قبل عقُود , أفلا تستطيعُ أن ترى وقوفَ فرنسا مُتفرّجَةً لا حولَ لها و لا قُوة و هي ترى أنهارَ الدِماءِ تسيلُ في مُدُنِ الشام و أريافِها , لعلّها من السذاجة بل و مِنَ الجهل السياسي و عدمِ الخبرةِ في ميزانِ القوى العالمي أن نظنّ أنّ فرنسا قد تُنهي حمام الدم الذي شارف على الخمسِ سنين لكنّ المنطقَ و موازنةَ الشيءِ بالشيء يضعُنا في موقِفٍ نتساءَلُ بهِ .. أين تضامُنُ الشعب الفرنسي مع مجازرنا ؟

* لماذا لا تتأثَّرُ قلوبُهُم و نفوسُهم حينَ يكونُ المظلومُ عربيّاً مُسلِماً , لماذا لم يتزيّن برجُ إيفل بعلمِ الثورةِ السوريّة أو بأخواتِها في مِصرَ و ليبيا و تونُسَ و اليمن , أو حتى لنَتساءَلَ لماذا لم تُرفعْ أعلامُ النظامِ السوري الذي يدّعي مُحاربة الإرهاب و الجماعاتِ التكفيريّةِ المُتطرّفة حسْبَ زعْمِهِ ؟! .

* في الطبيعةِ البشريّةِ السويّة ليسَ للقتلِ أنواعٌ و ليسَ للدماءِ مراتبٌ تُصنّفُ تِبعاً لها , الموتُ مكروهٌ و الحياةُ مُقدّسة , إنّما على أرضِ الواقع و حينَ التطبيقِ العملي نجِدُ أنّ القويّ و هو الفريقُ الأوّلُ المُتَمَثِّلُ في الشعبِ الغربيّ المُتَحضِّر يحمِلُ دِماءً ذاتَ قيمةٍ بالغةِ الأهميّة فينظُرُ إلى الشُعوبِ الأُخرى نظرةً دونيّةً مُتعالية و لو أنّ أذىً أصابَ فرداً وضيعاً كانَ أم رفيعَ المقامِ فيهِمْ فقد يُحرِّكُ جيشاً و يُقيمُ حرباً نُصرةً لكونهِ غربيّاً يختلِفُ عــــن أقرانِهِ من الشعوبِ الأُخرى , بينما الـفريقُ الثاني الــمُـتَمَثِّـلُ في الشعبِ العربيّ الـذي يـدّعِي الـتَحَضُّرَ نراهُ يُسابِـقُ الـزمنَ في التذلُّـلِ و الانبِطاحِ تحتَ أقدامِ الغربِ و يقتَنِصُ الفُرصَةَ بعد الفُرصة لكي يقولَ للغربِ : لبيكْ .. عبدُكَ بين يديك .

* ليس العلمُ الفرنسيُّ على طولِ بُرجِ العرب في دُبي , و لا صُوَرُ العلمِ الفرنسيِّ المُنتشرةُ على الحساباتِ الشخصيةِ في الانترنت , و لا الأهراماتُ المُضاءَةُ بذاتِ العلم و لا الكثيرُ مِنَ الأمثِلَةِ المُشابهةِ إلّا نماذِجَ من الاستعمارِ و الاحتلالِ الذي كانَ عسكرياً بجُيوشٍ و عتادٍ في ما مضى و أضحى فكرياً إعلاميّاً في زمانِنا الحالي .

* آن زمانُ الصحوةِ يا أيُّها العربيُّ , و خِياراتُكَ اثنانِ لا ثالِثَ لهُما فإمّا أنْ تضعُ نفسَكَ في موقِعِها الصحيح و مَقامِها الكريم و إمّا أن تبقى في طابورِ الذُلِّ إلى ما شاءَ الله ..فاختر لنفسِكَ موقِعَها .



  • 3

   نشر في 21 نونبر 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا