ذكريات طالب في بلاد الجرمان - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ذكريات طالب في بلاد الجرمان

  نشر في 22 يناير 2017 .

امرأة ثمانينية من عصور النازية !

لحسن قدره ، كان لا يتوفر على أثاث كثير ، فهو يكره تغيير مكان الإقامة ، و ما يليه من تبعات و تعب ، ربما كان ذلك عيبا ، غير أنه لا يحبذ ذلك ، كان من النوع الذي يفضل كل شيء مرتبا و مصفوفا في مكانه ، بدون تعب ، الشيء الذي اكتشف أن عليه تغييره في أقرب فرصة ، و إلا سيعاني من تبعاته ! لم يجد أدنى صعوبة في تغيير مسكنه ، و كان قبلا قد زار بعض المحلات من أجل اقتناء أشياء في المتناول ، تساعده على العيش ، كسرير ، و وسائد ، و أشياء من هذا القبيل ، و اتفق مع صاحب المحل على أن يوصلها له في العنوان الجديد للعمارة ، و هكذا لن يتعب و يكد ، دخل شقته ، و أحس لأول مرة بالحرية تملأ أركانه ، فلم يتعود أن يقلق راحة أحد ، لذلك كان عيشه بين اقاربه يؤرقه ، و بحث عن تغيير المسكن في أول فرصة ، كانت العمارة قديمة بعض الشيء ، الناظر إلى داخلها يخالها عمارة من عصور النازية القديمة ، و هي فعلا كذلك ، فهي مبنية في سنة 1912 ، و لم يكن ليصدق ذلك لولا إخبار صاحبتها له بذلك و تأكيدها على المعلومة ، ليتجلى له بامتياز إتقان الألمان لعملهم ، و تفانيهم في إكماله على أحسن وجه ، لأن العمارة بصراحة لا توحي بأنها من ذلك العصر ، شقته تقع في الطابق الرابع ، و قد كان معتادا على صعود الدرج ، ذلك أنه لم يعد و منذ بلوغه السابعة يستعمل المصعد المخصص لعمارتهم في بلاده ، و ذلك بسبب حادثة بسيطة ، جعلته يخاصمه إلى الأبد ، فقد سجن لمدة نصف ساعة على الأقل داخل المصعد بسبب عطل فيه ، و لم يسمع صرخات استنجاده أحد ، حتى ازرق وجهه من فرط الخوف و بدايات الإختناق ، فقرر أن لا يستعمله إلى الآن ، ليس كل المصاعد ، بل ذلك المصعد بالذات !

كانت أولى خطواته في هذه العمارة ، و هدفه ، هو التعرف على جيرانه ، ففي دينه ، أوصى النبي صلى الله عليه و سلم بحسن معاملة الجار و الجار بالجنب ، حتى و إن كانوا كفارا ، لذلك حرص أشد الحرص على التعرف إليهم ، و معرفة الأشياء التي يجب عليه اجتنابها و عدم فعلها ، خاصة جيرانه الذين يقطنون أسفل منه و بجانبه ...

و كان الطابق الواحد يحوي 3 منازل ، خرج بعد أن نظف منزله ، و رتب أشياءه ، خرج ، و دق باب جاره الذي بجنبه ، و بعد لحظات فتح الباب ، فترائى له من ورائه شخص لم يتبين من ملامحه هل هو امرأة او ذكر ! و قد كان ذلك مخجلا فعلا ، فلم يعرف بماذا يناديه ، غير أن الوقت لم يسعفه من أجل اتخاد القرار ، و انتقاء الكلمات المناسبة لمثل هذا الظرف ، فقد بدأت نظرات التساؤل تبدو في وجه جاره أو جارته ، و خاطبه بلغة التشريف ، ففي اللغة الالمانية ، تكون لغة التشريف جامعة ، و لا تخص الذكر و الأنثى بفرق

ــ أهلا بك ، أنا جارك الجديد ، و أريد التعرف إليك !

أجابه بلغة متغنجة

ــ أهلا بك ، أنا ستيفان ، ابن مالكة هذه العمارة ، سعدت بلقائك

ـ اسمي مهدي يعقوب

ــ لا بد أنك مسلم

ــ جميل أن تعرف ديانتي !

مرت لحظات ، و أتى شخص ذو عضلات مفتولة ، و وقف وراءه ، و حياه بابتسامة فاشلة ، فتدارك استيفان الأمر و أخبره مفصحا عن هوية الشخص الذي يقف وراءه

ــــ هذا رفيقي مارك ، و نحن نعيش سوية

ــ أهلا مارك ، أنا جاركم الجديد ، و أتمنى أن لا أزعجكم ، أود أن أعرف الأشياء التي يجب علي الإبتعاد عنها من أجل راحة أفضل لكم !

ــ أهلا ، لا تشغل بالك ، فأنا و حبيبي لا نهتم لذلك ! افعل ما تشاء !

ــ حسنا

ودعهما ، و فور إقفال الباب ، ارتمى على اقرب حائط مسلما ظهره له ، بدا في أول وهلة كمن تطلع إلى شيء مخيف ذهب بماء وجهه ! ماذا تعني كلمة حبيبي التي جاءت على لسان هذا الشخص ؟ هل يمكن أن... ؟ كلا كلا ، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم !

تبين له فيما بعد أن جاريه من قوم لوط ، و أنهما يفعلان الفاحشة ليل نهار ، و يزلزلان عرش الرحمن ! يا للهول ، أي الأشياء هذه ، و ما هذه البلايا ، لم يكن يعرف لهذه الأشياء طريقا في قاموسه ، و الآن يعايشها ليل نهار ، أمامه و في جنبات منزله ، صدم بما رآه و سمعه ، كيف يستطيع ذكر أن يعايش ذكرا آخرا معايشة الزوج لزوجه ! أي انتكاس للفطرة هو !

نعم إنه ليعرف أن فعل قوم لوط ينتشر في بلاده ، و هو موجود ، و منتشر أيضا في الكثير من البلدان الإسلامية ، غير أن رؤيته لذلك أمام عينيه ، بشكل شبه مقنن ، جعله يشعر بالغثيان و الصدمة ، فالقانون الألماني لا يجرم مثل هذه الأشياء ، و لا دخل له في السلوكات الجنسية لمواطنيه ، وكل حر في أفاعيله ، ما دام لا يؤذي الغير ، و لكنه يتأذى كمسلم من ذلك ! و كيف له أن يتعامل مع هؤلاء ، و أن يحسن عشرتهم كجار ، وهو أصلا لا يطيق ما يصنعون ، إنها معادلة صعبة بكل ما في الكلمة من معنى ! المهم ، ظل مصدوما لدقائق ، و هو يصارع أفكاره ، و حا≤Äu1604 إقناع نفسه بفسخ العقد ، الرحيل إلى مكان آخر ، غير أن صعوبة البحث من جديد على مسكن ملائم ، و ثمن مناسب ، وقفت حاجزا أمامه ، فعدل عن فكرته ، و قرر أن يستمر في العيش في هذه العمارة ، و أن يتجاهلهما ما لم يوجها له كلاما أو يطلبا منه شيئا ، فأخلاقه لا تسمح له أن يعامل أحدا لم يصبه بأذى بجفاء ، حتى لو كان شاذا !

دق على باب الشقة الثانية ، و هو يسأل الله أن يكون هذا البيت أحسن حالا من الآخر ، فتحت له امرأة في الخمسين من عمرها أو يزيد ، سبقها قطها ، إلى الباب ، و نظر إليه متفحصا ، فسمع له مواء عجيبا كأنما يرحب به ، و راح يراقبه من بعيد ، حتى قطعت المرأة حبل الوصل بين الإثنين

ـــ أهلا ، هل أنت الجار الجديد ؟

ــ نعم أنا هو ، اسمي مهدي يعقوب ، يمكنك مناداتي بيعقوب ، فهذا الإسم سهل في نطقه بالنسبة لكم ، يااكوب

ــ مرحبا ، الظاهر أنك من المسلمين ، هل تتبع تنظيما معينا ؟

ــ لا يا سيدتي ، أنا مسلم و كفى ، لماذا يجب علي الإنظمام لتنظيم معين ؟

ــ لا أعلم ، أصبحت أخاف من المسلمين ، بسبب الأبراج !

ــ و هل كل الالمان يمجدون هتلر ؟

ــ كلا ، و هل في هتلر شيء يمكن أن نمجده من أجله ؟

ــ لكل منا إيجابياته و سلبياته ، يمكن أن تغلب السلبيات على الإيجابيات ، غير أن هتلر ليس هو هو إبليس بعينه !

ــ هذا حديث يطول ، هيا تفضل إذا كان لديك شيء من الوقت

ــ لنترك هذا الأمر فيما بعد ، أنا اقوم بزيارة لكل الجيران الآن

ــ حسنا سعدت برؤيتك ، أنا اسمي ستيفاني

ــ سعدت بمعرفتك سيدتي

و الحق أنه تملص من الدخول ، نظرا للخلوة ، و هو الذي تكلم توا عن إبليس ، سيجده بانتظاره بالداخل ، في كمين مركز ، هو الذي لا يأمن على نفسه الفتنه !

نزل إلى الطابق الثالث دق الباب ، ففتح ، و كأنما ساكنه كان ينتظر طارقه !

ـــ أهلا سيدي ، أنا جاركم الجديد ، أسكن بالطابق الرابع ، فوقكم تماما ، و أردت أن نتعارف من أجل تعامل افضل

ــ أهلا أهلا ، تفضل ، ارجوك ، فقدماي لا يساعدانني على الوقوف طويلا !

ــ حسنا ، دخل البيت ، فإذا به بيت ألماني تقليدي ، و صورة من القي عليه شبه عيسى عليه السلام متصدرة مكانا مشرفا على حائط الحجرة !

ــ تفضل ، سأنادي على زوجتي ، و نأتيك بعد لحظات

ــ تفضل سيدي

بعد هنيهة أتيا ، يساعدان بعضهما البعض على المشي ، و جلسا قبالته

بادرته المرأة قائلة

إذا أنت جارنا الجديد !

ــ نعم سيدتي

ــ لم أعلم أن الحظ سيسعفنا و تشتعل هذه العمار شبابا من جديد !

ــ لم يا سيدتي ، فهناك شابان يسكنان فوقكما !

ــ لا تكلمني عنهما ، فهما يفعلان شيئا تشمئز منه نفوسنا ، و لو أننا كنا أنا و زوجي شابين ، ما بقينا في هذه العمارة !

ــ في الحقيقة ، ذاك شيء مقزز فعلا ، غير أننا في المانيا !

ــ لكل شيء حدود ، و حتى إن كنا في ألمانيا ، فهذا لا يعني أن كل الألمان موافقون لهذه القوانين التي تحكم هذا البلد

ــ جميل

ــ و ماذا تصنع في المانيا أيها الشاب ؟

ــ جئت من أجل الدراسة !

ــ و هل تنوي الرحيل بعد إتمام الدراسة ، أم أنك ستبحث عن وسيلة هنا من أجل البقاء ؟

احس من خلال السؤال أنه يجر جرا إلى حوار بطعم العنصرية المقيتة و الخوف من الآخر ، و إلا فماذا تعني هذه الكلمة ، وسيلة من أجل البقاء ! فبادرها قائلا

ــ لا أعلم هل سأبقى على قيد الحياة حتى الغد ، فكيف لي أن أدري !

ــ لا يقول ما قلت إلا متدين !

ــ الحياة بدون دين ضرب من الشقاء !

ــ و بماذا تدين ؟

فوجدها فرصة للإنقضاض و قال :

ــ بالله الواحد الفرد !

ــ حسنا ، سيطول بنا الحديث ، هل تريد شيئا من القهوة أم أنك تفضل الشاي ؟

ــ كلا يا سيدتي لا داعي لذلك ! فيجب علي أن أكمل زيارتي الجوارية

ــ حسنا مرة أخرى على أية حال ، فلتعدني أنها لن تكون آخر زيارة لك لنا ، و لا تسلك سبل أطفالنا الذين رحلوا عنا منذ زمن ، و لم نعد نسمع أخبارهم إلا في نادر النادر !

ــ أعدك بذلك !

حسنا مع السلامة ، أيها الشاب

و الحق أنه أحس في نظراتهما بالخوف المبطن ، مما يعتقدان أنه يحمل من متفجرات فكرية و مادية ، و لم يعتب عليهما فذلك خطأ الإعلام الموجه !

أحس بالضيق فقرر أن يخرج ليستريح ، فلم يكن من السهل أن يكلم هؤلاء الناس الجيران ، الذين يظنون أنه أتى إلى بلادهم غازيا و قبل أن يخرج من باب العمارة ، وصلت أذناه جملة جعلته يستدير بشكل مضحك ، من فرط التعجب و الخوف

ــ ألا يمكنك أن تخفف من وطأة مشيك أيها الشاب ، أنا امرأة مسنة و لا أتحمل مثل هذا !

ــ أرجو المعذرة سيدتي ، فلم أعر انتباها ، فعلا ، فقدماي ما شاء الله كبيرتان ، و الدرج في هذه العمارة مصنوع من الخشب القديم ، فينتج عن تفاعل الأخيرين شيء من الإزعاج ، سأعمل المرة القادمة على أن أمشي على أطراف أصابعي !

ــ بالرغم من أنك أجنبي ، إلا أنك تتقن الألمانية شيئا ما ، و فوقها تتقن فن السخرية !

ــ اشكرك على الإطراء ، و بالنسبة لسخرية ، فأنا لا أسخر منك ابدا ، إنما كنت أعني ما قلت !

ــ هل جئت لزيارة أحد في هذه العمارة ؟

ــ كلا أنا الجار الجديد الساكن في هذه العمارة !

ــ ماذا ؟ كيف سمحت سيدة العمارة بأن تسكن فيها معنا أسمر بشرة !

تقبل الإهانة بصدر رحب ، و أحس في قرارة نفسه ، أنه يجب عليه أن يخاطبها على قدر عقلها ، فسنها يوحي بشكل مخيف أنها من عصور النازية الأولى ! ، أجابها بهدوء :

ــ يجوز لأسمر البشرة في أحيان أن يكون أبيض القلب كالحليب !

همهمت بأشياء لم يفهمها ، لتقول :

ــ لا أدري لماذا لا أشعر بالإرتياح لك ، و قل لي بحق السماء ، لماذا لم تحلق ذقنك ، و ما هذه اللحية التي تجعلك تظهر بمظهر أكبر من سنك !

ــ شيء جائز أن لا تحبي اللون الأسمر ، و أن تميلي إلى الشقر ، فالألوان و الأطعمة لا تناقش ، لكل منا ذوقه الخاص ، فأنا مثلا لا أحب أكل السمك ، و بالرغم من ذلك ، لا أحب أن أحكم على طعام قبل تذوقه ! أما اللحية ، فلحيتي لا تزال صغيرة ، و عمري يظهر جليا علي ، ليست كبيرة ، كيست كثيفة !

ــ في أيام هتلر ، لم يكن للسمر الحق في التجول في ألمانيا ، أما الآن .... يا حسرة على ايام الشباب الضائعة ، حينما كانت ألمانيا تسود العالم

ــ و لماذا دمرت إذا كانت فعلا تسود العالم !؟ و لماذا انتحر سائدها ؟

لم تجبه ، و اكتفت بتقطيب حواجبها بنظرة باردة ، لم يشعر لها بإحساس ، غير أنه أحس بتغير طبعها شيئا ما ، فواصل حديثه :

ــ العالم كبير سيدتي ، كما أنه صغير جدا ، ألا تعتقدين أنه في أمكنة كثيرة في هذا العالم ، يوجد أناس طيبون يستحقون الإحترام ، و التحدث ، و الإطلاع على تفاصيل حياتهم ؟ أنا على سبيل المثال ، طالب هنا في المانيا ، و أنوي دراسة الصحافة ، فهل تسمجين لي بأن تكوني لي مرجعا ، بكونك امرأة عايشت عصورا تركت بصمتها على صفحات التاريخ ؟

ــ لا يهتم أحد بامرأة مسنة مثلي ، إلا إذا كان أحمقا !

ــ فاسمحي لي أن أكون ذاك الأحمق

ــمن يتكلم بهكذا كلام لا يكون أبدا أحمقا !

ـ كم سنك سيدتي ؟

ــ شارفت على الخامسة و الثمانين !

ــ تشرفت بمعرفتك سيدتي

ــ تعال ، هيا تفضل في منزلي أيها الشاب ، تعال

ــ حسنا ، فلنتكلم قليلا ، و لكن ليس قبل أن تعديني ، بعدم الحكم علي قبل أن تعرفيني جيدا !

ــ أعدك

دخل شقتها ، و طالبته هي بأن يخلع حذاءه ، و أحس و هو يخلعه ، أنه داخل إلى حقبة أخرى من الزمن ، كأن هذه الشقة مركبة كبيرة تسافر عبر الزمان ، كانت شقة بسيطة ، غير أنها حوت بين جنباتها الكثير من الذكريات ،و كان فعلا الداخل إليها يحس أنه في عصر هتلر ، كان كل شيء يوحي بعصور الثلاثينات و بداية الأربعينات ، صور لهتلر ، و صور أخرى لم يتعرفها ، حتى بادرته هي بالرد على سؤاله الذي لم يغادر شفتيه أصلا

ــ أولائك أبنائي الثلاثة ، و هذه صورتي مع زوجي

ــ و أين هم الآن ؟

ــ زوجي غادر الدنيا ، و أبنائي عني تخلوا ، تخلوا عن الرغبة في رؤيتي منذ زمن ، ربما لأن نصف عقلي ذهب !

ــ متأسف جدا يا سيدتي من أجل ذلك !

ــ لا عليك ، عرفني بنفسك !

ــ اسمي يعقوب ، سني 20 سنة ، و جئت إلى ألمانيا من أجل الدراسة ، جئت لأدرس الصحافة و الإعلام و قد قادتني الأقدار من أجل أن أعيش بينكم في هذه العمارة

ــ يعقوب ، اسم جميل ، اسم نبي

ــ هو كذلك

ــ ما هي ديانتك ؟

ــ ديني الإسلام !

ــ أولائك الذين فجروا الأبراج في أرض أمريكا !.

ــ و لماذا لا تقولين أولائك الذين يتبسمون ، و يضحكون ، و لأناس مهجورين يسمعون ؟

ــ لا أدري لماذا تشعرني كلماتك بالخجل

ــ جميل جدا ، ابتدأنا فعلا في اكتشاف طريق التفاهم بيننا

ــ يا للسماء ، من كان يظن أن إديلتراوت ، تكلم اسمر بشرة في منزلها !

ــ من هي إيدلتراوت ؟

ـ ذاك اسمي

ــ تشرفت بمعرفتك سيدتي ، هممم ، أين وعدك الذي أعطيتني ؟

ــ لم يكن ذلك تعجبا ، بل تغيرا في طبعي ، فلا أخفيك أني لم أكن أحب الأجانب ، غير أني غيرت رأيي حينما تحدثت معك ، و الدليل أنني أدخلتك منزلي

ــ أعتقد أن هذه الجلسة الصغيرة لن تفيدنا في شيء ، أعتقد أنني يجب أن أطلب منك السماح لي بزيارتك كلما سنحت لي فرصة الوقت و الفراغ !

ــ بكل سرور ، مرحبا بك في اي وقت ، سوف اسعد بذلك !

ــ حسنا ، أريد أن أتكلم لك عن أشياء أعلما ، و تكلميني عن أشياء أعلم بعضها ، و أجهل أكثرها ، مثلا أريد أن تكلميني عن هتلر ، و عهد النازية

ــ و أنا اريد أن تكلمني عن دينك

ــ بكل سرور

حسنا ، أعتقد أنك مستعجل شيئا ما !

ــ علي أن أذهب إلى التسوق ، ربما اراك غدا

ـ حسنا مع السلامة

ــ مع السلامة

خرج من عندها ، ارتدى حذاءه الذي يشبه حذاء عسكري خارج للتو من ساحة وغى ، و فتح الباب ، و خرج ، كان الجو باردا ، غير أنه بدأ في التعود شيئا ما ، و كان قرأ ، أن المسلمين عموما ، و سكان افريقيا خصوصا ، لهم خصوصية التعود و التأقلم مع كل الأجواء و المناخ ، بنسبة تفوت الشعوب الأخرى ، ذهب إلى اقرب محل تجاري ، و قد كانت المحلات التجارية مرتعا كبيرا لأناس ، أدمنوا التسوق ، و كان يجدهم كلما أتى إلى ذلك المتجر ، و كان الشارع الواحد في ذلك الربع ، يحوي متجران إلى 3 متاجر ، كلها مصفوفة ، و كلها تحصل رقم مبيعات يومي ، يريحها ماديا ، بسبب إدمان الشراء الذي استشرى في مملكة الألمان ، كعدوى مرض خطير آت من بلاد الأمريكان ، النظام الرأسمالي ظاهر بشكل جلي في كل الأشياء المحيطة !

في السوبر ماركت كان لديه وجهتان مفضلتان ، وجهة رفوف الشوكولاتة ، التي أحبها منذ صغره ن و لم يستطع يوما مقاومتها ، و رفوف الياغورت ، و الجبن ، و كانت ألمانيا وجهة مناسبة له ، فيما يخص هذه الأشياء التي يحبها ، فالأثمنة مناسبة ، و ذلك لأن ألمانيا تعتبر منتجة كبرى لمنتجات الألبان و الشوكولاتة ، و قريبة من سويسرا أكبر مصنع للشوكولاتة في العالم ، و هولاندا المشهورة بجبنها اللذيذ ، فكان حينما يأتي إلى المتجر ، يعرفه العاملون هناك ، و يشيرون إليه إذا كان هناك شيء جديد في السوق ، لذلك كان يخصص أوروهات مهمة من نقوده الشهرية من أجل أن يقتني ما يحبه ، ثم يذهب بعد ذلك إلى رفوف الخضر و الفواكه التي فقدت طعمها من فرط الكيماويات ، لأنه لم يستطع مقاومة حنينه إلى الطبخ ، فقرر أن يتعلم ، و أن يبدع في هذا المجال ، فليس من المعقول أن يذهب داذما للأكل في مطاعم المدينة ، لأن ذلك سيدمر جيوبه لا محالة ، و لأنه سئم ذلك ، فليس أحسن من الطبخ ، و أكل ما تصنعه يداك ، و ليس احسن من فار تجارب تجرب فيه طبيخك ، من بطنك و معدتك التي بين جنبيك !

و كان عليه أن يرجع بما اشتراه ، حاملا إياه لأمتار معدودة ، فكانت رحلة التسوق دائما حلوة في بدايتها ، حازمة في وسطها حينما يصل إلى المكان المخصص لأكل النقود ، مؤلمة في آخرها بسبب الثقل الذي يجب عليه حمله ، و من ثم استيعابه لأربع طوابق متواصلة ، و في طريقه ، كان يشتري الخبز التركي الذي أحبه ، فقد كان الأتراك يصنعون خبزا عجيبا ، خبزة كبيرة ، تسمى فلادن بروت ، ب 50 سنتا ، بطعم حبوب تركية نباتية ، يعرف طعمها ، و لا يعلم اسمها و كانت هذه التجارة تدر ربحا كبيرا ، لأن الكثير من الالمان يقعون في غرام خبز الأتراك ، الشيء الذي يجعل المنافسة تشتد بين الأتراك و بين المخابز الألمانية ، التي تبيع خبزا ذا جودة رائعة ، غير أنه ليس في متناول الجميع من ناحية السعر ...

رجع إلى منزله ، أحس بتعب ، فراح في نومة إلى غاية الفجر ، مستعدا ليوم جديد ، و مغامرات جديدة في دنيا الألمان !

في غد إن شاء الله تعالى

خيال بين دروب الجامعة !


  • 2

   نشر في 22 يناير 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا