الملاذْ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الملاذْ

  نشر في 10 فبراير 2016  وآخر تعديل بتاريخ 11 فبراير 2016 .

خرجَ متاكئاً على عصاه، و اخذَ ينظرُ في عيون المارّة و يتعجب للبؤس المُتفجِّر منهم. ذهب ليشتري وردةً حمراء تُزيّنُ بِذلتهُ الرمادية اللونْ، و التي تُعبِّرُ عن نقصانِ يومهِ. بخطوةٍ مترددة اخذ يتمشّى لعلّ يفعلُ شيئاً جديداً. عنده الوقت ليقرأ ما بداخل الناس؛ عيونهم التي تفضحُ اسرارهم، ايديهم المرتعشة و فراغات الفم من قُبحِ الاحاديث. هو أيضاً هكذا، فهو واحدٌ منهم. رجلٌ بعينينِ من زجاجٌ مكسور. جلس علي قهوةٍ حزينةْ، ليُفرغَ ذكرياتهِ في كوبٍ من الشاي، و من دونِ سابقِ انذار، بكى. 

مرّ من أمامهِ ميكروباص صغير، مزدحم بقصصٍ خَفِيّة. 

جالسةٌ هي على آخرِ مقعد. في وجهِها غموض و عيناها ممرٌ مُغلَقْ. كانت العربة سريعةً كحياتها التي تَنفَذَ خلسةٍ و عقبات الطريق كانت كعقباتِ العُمر التي لا تُهديء من روعِها أبداً. كانت هي كما هي و كما استيقظت صباحاً، و كما تستيقظُ كل يوم، شاردة. فمنذ موت ابيها و هي قررتْ الّا تُبدي اهتماماً للدُنيا. الدنيا التي تتمثلُ في شارعٍ فقير و وحدةٌ مُميتة و رجال لا يملّون انتهاك الهواء الذي يحتويها. تعملُ بمحلِ ملابس متواضع فقط لإضاعةِ ما تبقّي من الوقتِ حتي و لو لم تعلمُ كَم تَبقَّي منهُ. فدائماً تبدو و كأنما تبحثُ عن شئٍ. 

علي الجانب الآخرِ منها، و في محلِ ملابس متكون من طابقينْ، تجلسُ سيدةٌ علي مكتبٍ فخمْ و تنظر اليها بحدّة. تكرهُها و تَغار من وِحدتِها و استقلاليتِها. فهي زوجةٌ ثانية لرجل متسلّط، يُهينُها دوماً و يُفرِغ غضبه الدائم علي خدّيها. تضِعُ الكثير من مساحيقِ الوجهِ لتُخفي حياتِها التي تتكلم بصمتِ من كُلِّ زُرقةٍ تحت العينِ. تجلس في حلقةٍ مستمرّة كل يوم لتُفتِت النساء المارّة امامِها و تبحث فيهنّ عن وجعٍ تضمدُ به وجعِها و تُخفيه. ملامحُها حادّة و الكلُ منها يخاف، فهم يخافونَ من خائفة. تريد الخلاص و لكن هي بدونِ جلّادِها لا مكان لها، تريد الهروب و تخافُ من المجهولِ دائماً و لا تدري ماذا تفعلُ غير التصيُّد لوجع النساء. يظهرُ عليها قوةٌ و شراسةٌ واضحة و لكنّها ضعيفةٌ من الداخل و هَشَّة كقطعة بسكوت في حليبٍ ساخنْ و كل ما تطلبهُ هو الاحتواء فقط، و فرصةٌ صغيرةٌ للبكاء. تأخذُ دائماً في العودةِ إلى بيتِها شارعٌ مزدحم لتتأخر و تضيع بعض من دقائقِ عذاب، لتمِر على لجنةٍ بها بعض من رجال الشرطةِ النبلاء فقط في التحرّش اللفظي للسيدات. 

في هذه اللجنةِ، يقفُ عسكري صغير القامة نحيف ينتظر أوامره. غير سعيد بالمرة بالسخرية السخيفة التي تنهال عليه من أسيادهِ. غير سعيد بحياتهِ التي تتشكلّ بيدِ شخصٍ آخر. ينظر في هاتفهِ كل لحظة ليتفقّدُ فراغ الارقامْ. فهو لا يعرف احداً. يعيشُ في بيتٍ كالكفنِ مع والدتهِ التي ينتظر موتِها. هي حِملٌ على كتفهِ لا يطيقهُ. يريد ان يدفنَ كل قطعة فيها عدا قطعتي الذهبِ في يديها، فهو يعول عليهما الكثير. لم تَكُن الأم المثالية، كانت دائمة الضرب و التوبيخ له حتى كرهَ كل شئ يتعلّق بها و لو شاء لقتلها بيدهِ. ظُلِمَ و انتظر الكثير و لم يفعل شيئاً يُذكر. هو فقط صبي لرجال الشرطة الكِرام، يكمم افواههم بسجائرٍ محشوة و يكمم اجسادهم بفتيات ليل و ينتظر في نهاية اليوم بعض من المديح لا يأتيه. فعل كل الخطأ لينال الصواب و لم يصيب الهدف مرة واحدة. 

في لجنة مسائية و طقس باردٍ، اقتربت منهم سيارةٌ و فجأة و كأنها تداركت الموقف، التفّت عكس الطريق مسرعة و انطلقت. بداخلِها شابّةٌ شقراء و زجاجةٌ و غيابُ اب. انطلقت مُسرِعة ترتجفْ و تنظُر في المُرآة الخلفية لتتأكد من اختفاء اللجنة. هاتفها المحمول يصرُخ بجانِبها و لكنّها في دنيا آخريَ بين غيابِ الوعي، و ارتفاع الادرينالين .. و الخوف. شابةٌ ثريّة تعشقُ السَرِقة؛ تسرقُ أي شئ رغم عدم احتياجِها للمال. تسرقُ اصدقائها و اقاربها و تسرق القلوب، و لكن تلك المرّة، سُرِقَ قلبها. ردت علي مكالمته. لم تلبَثْ ان تبدأ و نهيَ هو. كانت تستعد له بكلِ فرحٍ. قضت قرابةَ الساعةِ لتختار ثوب السهرة و اتي هو في لحظةٍ و اخرسها. انطلقت لا تعرِف بماذا تبدأ، لا تعرف من اين تبدأ. فكرت في رفّ زجاجات النبيذِ المتواجد في مكتب ابيها. اخذتْ زجاجةً و اسرعت في الشُرابِ و في السباقِ مع الكونِ لتنسيَ. تقودُ تبحثُ عن شئٍ مجهول تعرفهُ. تبحثُ عن قلبٍ مفقود. تبحثُ عن الحبِّ. 

جميعهم يبحثون عن الحُب. فلا عمرٍ له و لا طريقٍ ثابت. هو ملعونٌ اعوجٌ. هو ملاذهم. هو الملاذْ، و هو المُنقِذ في اوقاتِ الضياع. هو جميعُ الاتجاهاتْ و كل الطُرُقْ تؤدي اليه. 

هو مجري العيون و اكتمال الحواس و هو البصيرة. 


  • 2

   نشر في 10 فبراير 2016  وآخر تعديل بتاريخ 11 فبراير 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا