الكائن اللامرئي - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الكائن اللامرئي

فكرة تسهيل

  نشر في 20 أبريل 2016 .

        ناداني المدير بصوته القوي دوما .

- خالد تعال بسرعة

في مكتبه الفخم الذي فرش بأرقى أنواع الأثاث الايطالي وزين بأجمل تحف الكريستال كان يجلس رجل عرفت من الوهلة الأولى انه من أصحاب النفوذ ، رجل وجب على احترامه وانجاز طلبه بأقصى ما تيسر لدى من سرعة ودقة كما عودني أبو راشد في مثل هذه الحالات .

جهزت الأوراق و وضعتها على الطاولة أمامه فوقعها بدون تدقيق وسلمها للرجل . استلم الرجل صاحب الشأن طلبه مجهزا على طبق من ذهب و رشف فنجانا آخرا من القهوة المعتقة بالقرنفل والزعفران من يد الفراش كوتي، ثم شكر أبا راشد وودعه وانصرف دون أن يلتفت ناحيتي. مر جوار طابور الزبائن الذين لم يجدوا مقاعد ليجلسوا عليها لان المقاعد المتوفرة لانتظار المتعاملين كانت قد امتلأت عن آخرها، وشكر حظه الذي وفر عليه عناء الانتظار و الوقوف مع هؤلاء المساكين . لم أكن أنا انتظر أن يصافحني ذلك الرجل صاحب الشأن ويشكرني قائلا لي حسنا صنعت يا زول ، لأني ومنذ أن تصالحت مع نفسي منذ أول يوم عملت فيه بهذه المؤسسة اعتبرت نفسي كائنا غير مرئي .

هذه الفكرة هي ميزة جديدة اكتسبتها من خلال عملي السابق بهذا البلد، وتطورت الميزة أثناء عملي هنا مع أبي راشد.

فكرة الكائن غير المرئي هذه ألهمتني كثيرا من الحكمة والصبر، اذ كنت انا في السابق اعد من الحمقى عديمي الصبر سريعي الغضب، كنت ما إن أتعرض لموقف يمتحن فيه صبري أو تمتهن عنده كرامتي أثور غضبا وافقد السيطرة على اتزاني ، لكن في هذه المؤسسة المرموقة حولت نفسي إلى رجل خفي أو آلة تنجز مهام المدير ، مهما كانت تلك المهام سواء تعلقت بالعمل أو كانت شخصية و خارجة عن نطاق العمل ، فبمجرد أن يكبس أبو راشد على الزر ويقول للشئ كن، يكون . أنا الرقم السري للمدير، لدي كل الصلاحيات ، التوقيعات ، الأرقام السرية وغير السرية ، التعليمات للموظفين ، اللوائح ، القوانين الجديدة، امنح الإجازات لمن أشاء وامنع من أشاء والغريب أني لا استطيع منح نفسي إجازة ولو ليوم واحد . دائما أكون برفقته في اجتماعاته مع رؤساء الدوائر الأخرى . أجهز الكلمة التي سوف يقوم بإلقائها ، الفكرة أو المقترح الجديد الذي يحمله مباهيا به بقية المدراء . ما إن يرن هاتفه في هاتفي يجدني أمامه ولو كنت في ركن قصي من المدينة . خالد تعال عندي في منزلي بالشعبية ، وافيني بالفيلا الجديدة في حي الصفا ، أنا بالشقة في المدينة ، أنا بالعزبة ، أنا لدى ( أبو حمد) ، أنا في مقهى المثقفين ، أنا مع أبي نزار ، أنا في مقهى الكورنيش .

أنا سكرتيره في النهار وخادمه في الليل ، هكذا كان عملي معه ، حالة طارئة مستمرة .

بالأمس القريب كنت قد قرأت في منصة الفيس تعليقات غاضبة وساخطة بسبب منشور كتب عن خليجي قام بضرب رجل سوداني، لان السوداني ناداه بعبارة يا (زول ) معتقدا بأنه سوداني ، هل كان علينا أن نغضب كل ذلك الغضب لان شخصا نكرة يرى انه ارفع مرتبة منا ، وهل كان أصحاب تلك التعليقات الغاضبة سيكتبون بنفس الحدة لو صدر فعل مشابه من شخص إفريقي مثلا ، فهاهو الصحفي السعودي المخضرم مطلق العنزي يحتفي بالأمة السودانية على طريقته ، كتب مقالا مطولا اسماه (( المتلازمة السودانية )) ، حكي فيه عن طيبتنا وحسن نوايانا وسرعة استجابتنا لإغاثة الملهوف .

أنا لست مع الرأي الآخذ بنظرية السلوك التعويضي للشخصية السودانية ولكني أؤمن بالنظرية التي ابتدعتها ، فكرتي العجيبة التي لن أحيد عنها ، فكرة الكائن اللا مرئي . هي الوصفة الدوائية التي أراحتني من رهق المقارنات ووهم التفضيلات . أنا هنا من اجل المال أليس كذلك وقد جنيت الكثير منه ، لم يكن أبو راشد بخيلا معي في يوم من الأيام ، لم يرفض لي طلبا قط ولم تقف لي عنده حاجة ، فماذا بعد اذن ، ثم ماذا بعد المال ؟؟؟ ...

لم تكن تلك فكرتي عندما اتفقنا ، كانت فكرته هو بكل تفاصيلها الدقيقة الجميلة ، عملنا بها أولا في المؤسسة لدينا وكانت نتائجها خلال أشهر قليلة من التجريب رائعة ومبهرة ، نالت رضا الجميع ، الموظفين قبل الجمهور رغم إنها كلفتهم طاقة اكبر في العمل لكنهم تقبلوها وتفهموا جوانبها الإنسانية . حملنا فكرتنا الجديدة الرائعة المبهرة لعرضها أمام اجتماع المدراء . جاء أبو راشد متأنقا في ذلك اليوم وكنت اجلس بجواره احمل الملفات ، كانت تتضمن مقدمة للمدير ( أبو راشد ) وكيف أن مخيلته عصفت بهذه الفكرة في لحظة تجلي نادرة الحدوث . قمت بتوزيع النسخ على المجتمعين مع عرض تقديمي بواسطة شاشة قاعة الاجتماعات. بدأ أبو راشد يستعرض الفكرة.

بسم الله الرحمن الرحيم... سعادة المدير العام ... الإخوة المدراء المحترمون ، يطيب لنا في مؤسسة روعة التخيل وبصفتي مديرا لهذه المؤسسة أن أهديكم أطيب التحايا واصدق الأمنيات لكم بالتوفيق ويسرني ان أقدم لكم فكرة ( تسهيل ) . فكرتنا التي حققت نجاحا أذهل الجميع ، هذه الفكرة الوليدة التي ابتكرها موظفنا العبقري الوفي دوما خالد آدم ؟؟؟....

....هنا توقف أبو راشد عن القراءة، ثم واصل متلعثما، لم يكن يدري بالتغيير الجوهري الذي أدخلته على الديباجة ولكنه ابتلع ذلك بمرارة واستمر في الشرح بصعوبة شديدة. بعد الانتهاء من العرض أعلن المدير العام عن مكافئة قيمة وتكريم مرتقب للموظف خالد آدم، كما أعلن ترشيح مؤسستنا للمنافسة في جائزة التميز للمؤسسات الحكومية.... بعد انتهاء الاجتماع كان أبو راشد أول المغادرين للمكان.

لملمت أنا أوراقي وخرجت قاصدا منزلي. لم يكن يشغلني وقتها التفكير في غضبته ولا العقاب الذي ينتظرني منه، لأنني كنت قد حزمت أغراضي مسبقا وكنت فقط انتظر تحديد وجهتي المقبلة.  


  • 4

  • ابراهيم ادم
    انا من السودان مقيم في الامارات - كاتب - مجال القصة والرواية
   نشر في 20 أبريل 2016 .

التعليقات

قصة رائعة أخي الفاضل وأشكرك انك اعطيتني الفرصة لقراءتها
بالفعل هناك الكثيرين من خالد في حياتنا ومن المؤكد ان هناك من يعمل تحت يد خالد وهو خالد اصغر منه لصالحه
في كل مكان ومجال ومؤسسة هناك كائنات كثيرة غير مرئية ولكن من المؤكد أنه سيأتي اليوم الذي تظهر فيه تلك الكائنات للنور
ولكن القرار الذي يجب أن يتخذه أي كان لا مرئي هو أن يختار ان يكون مرئيا مثلما فعل خالد حتى وان تطلب تحدي اكبر، فانا على قناعة تامة أن أحارب من أجل أن اكن مرئيا ومن أجل النجاح والا يحكمني المال، فالرزق سيدركني أينما كنت
1
ابراهيم ادم
شكرا اخي ايهاب اسعدني جدا مرورك وتعليقك الذي حتما اضاف الى القصة الكثير لعلنا نسطيع سويا ومن خلال الكتابة الوصول الى مقاصدنا واهدافنا عبر هذه المنصة الحرة وفقك الله في حياتك وكللل مساعيك بالنجاح ..
بشكل عام استاذ ابراهيم لا يمكن ان ينسب اي مجهود للموظف خاصهً اذا كنت في قطاع خاص كحالي
افضل ان اتعامل بمنطق اللامرئي فتلك فرضيه وصلت لها منذ نعومه اظفاري وبداياتي كموظفه في هذا القطاع
مهما بلغت من مستوي او كميه المجهود المبذول ..فانه لا احد واكرر لااحد من ذو الاقطاعيات والسلطات النافذه ان يعترف بك وبمجهودك او يثني علي ذالك ^_^
افكر كما فعل اخينا الزول "خالد" لكن خالد كان قد ضمن له عمل اخر ووجهة اخري
حتي اجد وجهة اخري ساظل الكائن المريخي اللامرئي ^_______^


تحياتي وعميق الامتنان
1
ابراهيم ادم
شكرا على مرورك الجميل استاذة زهرة... وجهتك المقبلة هي وجهة العقل الحر الوجهة التي لا يتصور فيها ان يكون من في قامتك كائنا غير مرئيا.

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا