Dunkirk..الحرب على طريقة كريستوفر نولان - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

Dunkirk..الحرب على طريقة كريستوفر نولان

هل نجح نولان فى نقل أجواء الاجلاء التاريخي الأشهر؟

  نشر في 12 ديسمبر 2017 .

لم تمض فترة طويلة على اصدار فيلم Interstellar للمخرج الانجليزى الشهير كريستوفر نولان حتى أعلن ان مشروعه السينمائي القادم سيكون عن الحرب العالمية الثانية وبالتحديد عملية الاجلاء التاريخية للجنود الانجليز بعد الهزيمة فى فرنسا,ليمارس الرجل عادته المفضلة فى اثارة الجدل الدائم عن كل مشروعاته السينمائية ولكن الأمر هذه المرة مختلف تماما.

يرجع اختلاف هذه المرة أن المخرج صاحب ال47 عاما يملك فى سجله الاخراجى 9 أفلام تمحورت كلها بين القصص المصورة لأبطال خارقين وأخرى تستند لنظريات تجبرك على تصنيفها كخيال علمى ولا يمكن استثناء فيلم من هذا القالب سوى "The Prestige" عوضا عن أن هذه المرة سيناقش فيلمه معركة حربية معروفة نتيجتها مسبقا واثارة حماس أو ترقب من شئ معلوم سلفا مهمة صعبة للغاية,اضافة على كونه ليس الملعب المعتاد للرجل والذى سيكون مجبرا فيه أن ينافس مخرجين عمالقة بحجم ستانلى كوبريك وأفلام مثل "Full Metal Jacket" و"Paths of Glory" وستيفن سبيلبيرج فى "Schindler's List" و"Saving private Ryan"-والأخير يتعامل معه كثيرون بأنه أفضل أفلام التاريخ الحربي- وفرانسيس فريدريك كوبولا فى رائعته "Apocalypse Now"" وتيرانس ماليك فى "The Thin Red Line" وربما حديثي العهد مثل ديفيد أير وفيلمه المميز "Fury" و حتى ميل جيبسون وفيلمه "Hacksaw Ridge" الذى لم يمر الكثير من الوقت على ترشحه ل6 جوائز أوسكار,ومواجهة كل ذلك كانت حتمية على الأقل فى عيون المشاهدين خصوصا أن القاسم المشترك فى كل هذه الأعمال-غير تميزها الشديد بالطبع-كانت قسوة مشاهدها وفرط الدموية وربما القرب الشديد فى عكس أجواء الحروب.

فى أبريل الماضي صرح نولان أن "Dunkirk" ليس فيلما حربيا تقليديا بل هو فيلم عن معاناة لحظات الحرب قبل أن يصدم الكل ويأخذ الفيلم تصنيفا رقابيا "PG-13" ما يعنى أنه مسموح لمن هم دون ال13 تحت اشراف عائلى فى حين يكفى أن تعلم أن بعضا من الأفلام التى تم ذكرها فى السطور السابقة بلغت دموية لدرجة أن بعضها حمل تحذير من أن يشاهدها محاربون سابقون حتى لا يصابوا بهيستريا.

مقدمة لا بد منها

فى1939,تغزو ألمانيا بولندا ولا يمر الكثير من الوقت قبل أن تعلن فرنسا وانجلترا عن مواجهة ألمانيا كخطوة استباقية ولا تمضى أشهر قليلة حتى تبدأ المانيا فى توسعة نطاق عملياتها العسكرية ضد بلجيكا وفرنسا ولوكسمبرج وهولندا,بلجيكا كانت دولة محايدة ولم تسمح بدخول أراضيها لقوات الحلفاء مما شكل عائقا كبيرا لهم فى محاولة التصدى للألمان قبلها وانتقلت المعركة لفرنسا.

لقد كانت هناك قناعة أن غابة الأردين خط دفاعي حصين فى مواجهة المد الألمانى ولكنه لم يكن كذلك وتم غزو لوكسمبرج وأعلنت هولندا استسلامها للألمان ويحاصر الحلفاء فى فرنسا وتحديدا فى دانكيرك والبحر يفصل بينهم وبين جزيرة انجلترا والألمان خلفهم,قبل أن يأخذ رئيس الوزراء البريطانى وينستون تشرشل قراره بالبدء فى "العملية دينامو" والتى تحاول انقاذ ما يمكن من 400,000 جندى محاصر ولم تكن التوقعات تميل لأن يتم انقاذ أكثر من 30 ألف وربما أشد التفاؤل كان فى انقاذ عدد يزيد عن ذلك ب15 ألف.

ما يجعل عملية الاجلاء معجزة حقيقية هو أنها كانت مستحيلة بكل السبل,فالمياة على ساحل دانكيرك ضحلة للغاية وهو ما يمنع تماما اقتراب أى سفينة عملاقة من الشاطئ الا بمسافة بعيدة,والأهم من ذلك أنه لا شئ يمنع العدو الذى يتواجد خلفك من سحقك تماما وأنت ف موقف ضعف,ولكن ما حدث أن هاتان الحقيقتان لم يحدثا أصلا.فلأسباب تاريخية غامضة الى الأن لا أحد يعلم لماذا توقف الألمان وأكتفوا بالحصار فقط ولم يقتلوا كل من على الشاطئ,يميل البعض أن هتلر أراد هدنة مع الانجليز ولكن لا شئ يؤكد هذه الفرضية ولك أن تعلم ان عملية الانقاذ انتهت بأكثر من 300 ألف جندى عائد لأرض الوطن كما أن العملية نفسها استفادت من الضباب الذى غلف الشاطئ فى أيام الاجلاء فضلا عن ان المدنيين من الانجليز شاركوا بقواربهم فى العملية التى شكلت نقطة تحول فى مسار الحرب.

لا يعطيك الفيلم تفاصيل كثيرة عن الحرب ولا أبعادها,كيف وصلنا لهنا؟,كيف حدث هذا؟,بل أنه حتى لا يهتم باعطاء تفاصيل دقيقة لعملية الاجلاء,الحصار هو الركيزة الأساسية للمناقشة.

جانب مختلف للقصة

"الخوف من الحرب أسوأ من الحرب نفسها" سنيكا الأصغر- فيلسوف رومانى
لم تذكر كلمة الألمان كعدو سوى مرة واحدة طول الأحداث,الخوف هنا هو العدو الوحيد.

اختار الفيلم نطاق سرد غير مستوى ب3 خطوط زمنية ل3 أحداث متفرقة عن بعض وربما كان ذلك اختيار ممتاز لتجنب مقارنة سينمائية محتملة مع أفلام أخرى,فالخط الأول للبر قبل أسبوع من اجلاء أخر الجنود والخط الثانى للبحر قبل يوم من نفس الحدث والخط الثالث للجو وسلاح الطيران قبل ساعة واحدة,الملفت أن الفيلم استغنى عن الحوار بشكل كبير جدا ولم يحتاج لذكر هذه الحقائق سوى فى ثلاث سطور,ولا يضع الفيلم أى تمهيد لأى شخصية,لا خلفية تاريخية,لا روابط بينهم,فقط رجال يهرعون للنجاة ولا يتحدثون فيما بينهم الا فيما ندر.

الغريب أن الأفلام المشابهة تمتلئ بلحظات الحديث عن افتقاد الأهل وعن ما يريد كل جندى أن يفعله حينما تنتهى المعركة ويعود من القتال وطبعا يجب أن يتحدث عن حبيبته التى فارقها ويتحرق شوقا للعودة اليها ربما لا مانع أن تتحدث عن أطفالك وربما يوما ما سنجد حوارا بين الجنود فى أحد الافلام الحربية عن العصير الذى يفضله عم زوجه,ورغم أن هذه الحوارات منطقية للغاية وتبدو مألوفة فى أجواء كهذه ولكنه تم تكرارها فى كل الأفلام فعليا لدرجة مزعجة وأصبح وجودها فى هذه الأفلام لا لشئ سوى لأن هذا ما وجدنا عليه أباءنا!

قلة الحوار يمكن اعتباره نقيصة ويمكن اعتباره ميزة أيضا حسب تفضيلك الشخصي.فقلة الحوار تضعف بشكل كبير من ايجاد روابط شخصية بينك وبين أبطال الفيلم,فالبشر فى الأغلب يتعاطفون مع الشخصية التى يشعرون بتقارب ولو بسيط فيما بينهم,بل ان حب أبطال الأفلام والمسلسلات الأشرار يحدث لأن الفيلم أو المسلسل يضع حياتهم تحت الميكروسكوب فتشاهدهم فى أوج قوتهم وأشد لحظات ضعفهم,ولحظات الضعف فيهم هى ما تشعرك بالشبه بينهم وبدونها تصبح مجرد شخصيات لا يوجد بينك وبينها أى درجة من التواصل.

أبطال الحكاية

"لا يوجد شجاعة فى ميدان القتال,مجرد رجال يحاولون انقاذ انفسهم والهرب من الموت" اريك ماريا,كل شئ هادئ فى الميدان الغربي
مشاهد مارك ريلانس وسيليان ميرفى كانت الأفضل طوال أحداث الفيلم.

على خطى هذا الاقتباس رسم نولان أغلب أبطال الحكاية والذين يمكن تقسيمهم الى نفس الخطوط الثلاثة.الخط الأول هو التطبيق المثالى لهذه المقولة,فيسعى كل منهم للنجاة دون أى التفات للعواقب,فستجد تومى وجيبسون فى بداية الفيلم يسعون للهرب مع أى سفينة قادمة وحينما تم وضعهم فى ظرف صعب قرب نهاية الفيلم حاول أليكس أن يقتل جيبسون ليخفف حمل السفينة وحينما أعترض تومي قال أليكس "ان اختيار من يبقى على قيد الحياة ليس عادلا أصلا" فيرد تومى ان قتل جيبسون سيكون خطأ ولكنه سيتقبله ليعيش هو,وهناك كينيث براجاه فى دور القائد بولتون وقد كان أداء الشخصية مجرد انعكاس لما يجب أن تكون عليه رد فعل المشاهدين.

أما عن الخط الثانى,فهناك سيليان ميرفى بشخصية لم يتم ذكر اسمها فى الفيلم وهو شخص يعانى من اضطراب وصدمة بسبب الحرب ونفهم ضمنيا أن قبل انقاذه بساعات قليلة غرق كل من كان معه فى الزوارق الصغيرة وهو خائف من العودة لدانكيرك ولا يتم ترك مساحات كبيرة لممثل ممتاز بحجمه لعرض هيستريا الحرب مجرد مشاهد محدودة للغاية, وهناك مارك رايلانس فى دور دوسون ,الأب لأحد الطيارين الذين قتلوا فى الأسبوع الثالث للحرب ويظهر مدى تأثير وفاة ابنه على قراراته فالرجل لا يقبل بتسليم سفينته للقوات البحرية ليستخدموها فى العملية دينامو بل يختار أن يشارك فى العملية بنفسه ويختار أيضا أن يذهب للطائرة التى سقطت للتو فى البحر حتى وان لم تحمل أى دلالات على وجود شخص حي فيها ولكنه يتمسك بالأمل,غالبا هو يرى فيه ولده الذى توفى,وربما تكون قد استنتجت أن مشاهد مارك ريلانس وسيليان ميرفى هى الأفضل فى الفيلم بلا شك وربما كانت لتكون أفضل بمساحات زمنية أكبر على الشاشة,الخط الثالث لم يحمل الكثير ولم يمكن عمليا تحميله وزنا دراميا من الأساس سوى فى لقطة واحدة وهى بعد تحطيم فيرير "توم هاردى" لأخر مقاتلات العدو ويرفض أن يهبط بالطائرة فى الماء ويختار الهبوط بالطائرة فى مناطق سيطرة الألمان والوقوع بالأسر على أن يشعر الجنود بالاحباط من مشهد سقوط الطائرة فى الماء.

يلوم الكثير من النقاد سينما نولان لأن أفلامه تفتقر لل"character arc" وهو مصطلح يمكن تلخيصه فى أن بطل الفيلم يبدأ بشخصية لها طابع معين وبعد سلسلة من الأحداث وهى فترة الفيلم ينتهى بشخصية لها طابع مختلف وهذه الشخصيات تبدو محدودة للغاية فى أغلب أعمال المخرج واذا كنت ترى هذا عيبا فى نسج الشخصيات -وأنا لا أراه كذلك- فستراه بالفيلم.

العامل X

الموسيقار هانز زيمر دائم التعاون مع نولان.

الفيلم ثورى للغاية على المستوى التقنى فاستخدام الكادرات والألوان وتناسقها وجودة الصورة ومزج الأصوات وحتى عملية المونتاج التى تنقلت بين الخطوط الثلاثة بانسيابية كبيرة كانت أكثر من ممتازة,نولان ذكر أن الفيلم صمم خصيصا ليشاهد بتقنية ال IMAX. 

غلف الفيلم كل ذلك بتصدير التوتر الشديد للمشاهد فى كل لحظات الفيلم ويعطيك التجربة لاختبار كل المشاعر الانسانية ,فالخطوط الثلاثة تتقابل فى نقطة واحدة لتصل بك الى ذروة القلق على مصائر الشخصيات,وستشعر بالفرحة حينما ترى سفن الصيد المدنية للانجليز وهى تذهب لتنقذ ما يمكن فى لحظة تستحق التمجيد وتشعر بالفخر حينما يرسل الجنود تحيتهم لهم وترتعب لصوت الطائرات الألمانية وهى تشق السماء ذاهبة لحصد الأرواح,تختبر ذلك كله بموسيقى العملاق هانز زيمر فى الخلفية والتى قد لا تشعر بمدى عظمتها اذا سمعتها منفردة ولكنها كانت بمثابة عمود فقرى ارتكز عليه الفيلم جعلتك تختبر كل شئ وصدرت التوتر فى كل اللقطات بامتياز شديد وربما تلحظ الفارق بين كل مقطوعة والأخرى تبعا للخط الزمنى,البر,البحر,الجو.

ولا يجد نولان فى النهاية خاتمة أفضل من خطاب تشرشل الشهير:

سوف نذهب إلى النهاية.. سوف نقاتل في فرنسا، سوف نقاتل في البحر، سنكافح في الجو، سندافع عن جزيرتنا مهما كان الثمن. سنقاتل على الشواطئ، سنقاتل فى الحقول وفي الشوارع، سنقاتل في التلال. لن نستسلم أبدا.

هل نجح نولان؟

Dunkirk واحد من تلك الأفلام التى تلائمها تماما وصف فيلم "غريب" بغض النظر عن تقييمك لمدى جودته أو اعجابك به من عدمه,وهو واحد من تلك الأعمال القليلة التى تعطيك سببا لماذا ستحبها أنت وسيكون غالبا هو نفس السبب الذى سيؤدى بغيرك لكراهية الفيلم,المشكلة تكمن أن الحكم على أى فيلم مرتبط باسم المخرج الانجليزى الشهير لا يقابل بالعدل نهائيا وانما مجرد أحكام متطرفة بين واحدة من الاثنتين فأما مديح استثنائي وفيلمه هو الأفضل فى التاريخ الانساني وأما باللعنات والاحتقار وأنه العمل الأسوأ فى نفس التاريخ الانسانى وربما أن الحكم لن يقتصر على مجرد تقييم لفيلمه بل سيمتد لمناقشة كل الارث السابق له ويصبح تقييما عاما لكل ما قدمه اجمالا لصناعة السينما وربما يتوسط النقيضين قلة يتعاملون مع فيلمه تعاملا منطقيا بوضعه فى اطاره الصحيح وهو كونه فى النهاية مجرد فيلم سيتميز فى عناصر وسيخفق فى غيرها.والملفت هنا أن الرجل لا يمنحك هذه المرة مساحة للتفكير أو تفكيك تتابعاته، هي فقط مشاركة شعورية يلعب فيها هو كل الأدوار,فنولان هو البطل الأوحد لDunkirk وأمامه تتضائل كل الأشياء لا مساحات كبيرة للممثلين لا حوارات طويلة بجمل رنانة كعادته الدائمة لا أفكار معقدة,الرجل مارس أنانية صارخة فى العمل وقطعا أراد ذلك طمعا فى اقتناص ترشيحه الأوسكارى الأول كأفضل مخرج ولعل تسخير كل الأشياء لذلك قد تؤتى بها هذه المرة,فى رأيي أن غياب الدموية وقسوة المشاهد والتى غابت بالطبع لأغراض تجارية بالتأكيد كان لها انعكاس سلبي للغاية على تجربة المشاهدة وأثر ذلك على الفكرة بشكل كبير,فعرض أهوال الحروب والصراع الغريزي لمحاولة البقاء على قيد الحياة لا يمكن أن يتم دون احساس متزايد بمدى الرعب ومشاهد حصد الأرواح والجثث التى تملأ الشواطئ,ولكن ذلك لم يحدث فأنت ستشاهد فيلما حربيا بلا قطرة دم واحدة تقريبا.


  • 4

   نشر في 12 ديسمبر 2017 .

التعليقات

Salsabil Djaou منذ 11 شهر
اعتقد انك ناقد سينمائي من الدرجة الاولى ،فحتى لو شهادنا الفلم فسننتبه الى معايير مختلفة اثناء مشاهدته مرة اخرى،الصور اضفت جمالا على مقالك ،وتحليلك ممتاز،سررت بقراءتي ،اهنئك ايضا على لغتك الجيدة،بالتوفيق في كتاباتك القادمة.
2
أحمد طلعت
شكرا جزيلا

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا