دين سَيّال - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

دين سَيّال

  نشر في 04 ماي 2022 .

لو راجعتَ حوار القرآن مع غير المسلمين، لتبين لك دعوته إلى خصومة عاقلة، وحوار يبحث عن معقولية التصرف، ومدى ملاءمة الخطاب والسلوك لمنطق الأشياء. فمن أروع خصائص هذا الدين أن قرار الانتساب لأهل التوحيد غير خاضع لأي شكل من أشكال الإلزام أو الجبر، بل هو نابع من حرية الفرد، وثمرة لإعمال الفكر والنظر فيما يعرضه الوحي من براهين، ومقدمات سلسة تقود إلى نتائج صحيحة.

انبنى الإسلام على حوار مدعم ببراهين؛ وهذه الآلية لا تصمد أمامها العادة، لأن العادة المتوارثة تعمي البصر عن التساؤل، بل تنظر للسؤال باعتباره خطرا يهدد وجودها، ويكشف أوهامها. أما الإسلام فيدعو للسؤال ويحض عليه، ويأمر الإنسان ألا يقبل خطابا أو سلوكا إلا بدليل يكشف ضرورته وفائدته للوجود بصفة عامة.

واجه الإسلام منظومة الرق والعبودية لغير الله من خلال تثمين الحرية، واعتبارها شرطا لبناء موقف إنساني إزاء الخالق سبحانه. ففي بيئة جاهلية تيبح استعباد الإنسان، كان من مخلفات الرق غرس وهم مفاده أن الحاضر والمستقبل مرسومان بشكل مسبق، وبتخطيط دقيق. فلا مجال للعقل أو الإرادة الإنسانية لتغيير أي شيء. هذا الوهم أصاب إرادة الإنسان بالشلل، وعطل قدرته على الفعل والإبداع. بل حتى الحرية نفسها لم يكن لها ذاك المدلول الوجودي العميق، فكان الإنسان الجاهلي، كما وردت بذلك الأخبار، يٌقامر بحريته على مائدة لهو، فيصير عبدا للرابح.

وفي الشرائع السابقة كان نظام العبودية قائما دون أي حرج، حيث جاء في سفر التكوين من التوراة (الإصحاح9) أن نوحا عليه السلام دعا على ابنه حام بأن يكون عبدا لإخوته، وتلك كانت قصة استعباد الرجل الأسود منذ القدم.

بينما حافظ الإنجيل على الوضع القائم، ولم ينسخ ما جاء في التوراة، حيث نجد في تقرير بولس لأهل أفسوس وصايا للعبيد بأن يطيعوا سادتهم، ويخدموهم كما يخدمون الرب.

أما الإسلام فيستعيد في آيات القرآن والأحاديث مبادئ التشريف والتكريم لابن آدم. ويؤكد على حريته وإرادته، وقابلية الوجود بأسره للجهد الإنساني، كي يتوجه بكل اختيار نحو الفعل والإبداع والعمران.

تلقى فقهاء الأمة وعلماؤها تلك المعاني، فكانت الحرية شرطا تعبديا دافعوا عن وجوبه، بل جعلوه مقدما على مقصد الدين نفسه، كما في حاشية ابن عابدين التي ينتصر فيها الفقيه الحنفي الكبير للحرية، ويقول ما مفاده: إذا اختلف اثنان على طفل، أحدهما مسلم يدعي أنه عبد له، والآخر من أهل الذمة يدعي أنه ابن له، فيتوجب على القاضي أن يحكم لغير المسلم. لأن تنشئة الطفل على الحرية وإن كانت في غير الإسلام، أرجح من تنشئته على العبودية في ظل الإسلام!

مدّ الإسلام جذوره عميقا في نفوس المسلمين منذ صدر الدعوة، فكان جهدهم الحضاري الممتد منذ خمسة عشر قرنا، شاهدا على تناغم أحكامه ومبادئ شريعته مع الفطرة السليمة. ولم تحدث الأزمات سوى في المحطات التاريخية التي شهدت تغييب معاني الحرية أو التضييق عليها. بل حتى في خضم الأزمات حافظ الإسلام على تمدده وحركيته، فكانت شعلته تتنقل في الأمكنة والأزمنة لتدحض مزاعم الانتشار بقوة السيف والدم، وتمد روابط الإخاء بالتي هي أحسن، وهو ما حذا بالمفكر الإسلامي وحيد الدين خان للقول: إن العامل الأساسي وراء انتشار الإسلام خارج حدود الجزيرة العربية هو قوة الإسلام الدعوية دون قوته السياسية. والحقيقة ان القوة السياسية غير قادرة على إحداث واقع من هذا النوع. ولو كان بإمكانها أن تحول الناس إلى دين غير دينهم، لكانت دول كالهند وبنغلاديش وباكستان تدين بالمسيحية!



   نشر في 04 ماي 2022 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا