لماذا يعاني الشباب العربي ماديا ؟ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

لماذا يعاني الشباب العربي ماديا ؟

نظرة تاريخية على التنمية والبشر والاستثمار الاجنبي

  نشر في 03 ماي 2019  وآخر تعديل بتاريخ 07 ماي 2019 .

لا يكاد يخلو قطر عربي (باستثناء دولتين او ثلاث) اليوم من شباب يعانون من اجل توفير أسباب العيش الحديث من سكن ومصاريف الزواج والمواصلات وتوفير تعليم جيد للأطفال وعلاج للوالدين. والحقيقة ان الوطن العربي يزخر بثروات طبيعية مهولة ففي تقرير لوكالة صحفية روسية قدرت حجم الناتج المحلي العربي المشترك بحوالي ستة ترليون دولار ( الثالث  عالميا بعد امريكا والصين) و حجم الصادرات اليومية من النفط ٢٤ مليون برميل ما ينتج عنه دخل سنوي باسعار النفط الحالية يلامس السبع مائة مليار دولار هذا دون حساب الغاز الطبيعي والمعادن واكثر من ١٠ مليون كم مربع من الزراعة حول الانهار. اذن فلماذا جل الدول العربية تعاني عجز الميزانيات وتعويم العملات وتوقف الإعانات الحكومية ؟ 

الحقيقة ان التحول الكبير حصل بين الحملة الفرنسية على مصر وظهور ما بات يعرف بالدول الوطنية المستقلة في أعقاب الحرب العالمية الثانية. انتقل وقتها الوطن العربي من اقتصاد يعتمد على الزراعة التقليدية وعمل الحرفيين ومدن لا يتجاوز عدد سكانها مئات الالاف الى زراعة اكثر تعقيدا واختفاء للحرفين و اعتماد على الواردات الصناعية الأجنبية وتصدير للمواد الخام من نفط وقمح وقطن وغيرها. والاهم تطور طبي وتعليمي نتج عنه انخفاض عدد الوفيات المبكرة وارتفاع كبير في عدد السكان خاصة في مصر والسودان بعد ما مكنت التقنية المستوردة من اوروبا حكام مصر من التحكم بفيضان النيل و استقطبت مصر والسودان الكثير من النازحين من الشرق والغرب يقال ان عدد سكان مصر قفز من ٧ مليون عند الحملة الفرنسية الى ما يقارب ١٠٠ مليون حاليا اي تضاعف ١٤ مرة وارتفع عدد سكان دول الشام من مليونين نسمة في بدايات القرن التاسع عشر الى حوالي ٤٠ مليون. مقارنة بباقي الدول النامية في امريكا اللاتينية والصين وغرب اسيا، لا يضاهي الانفجار السكاني في الوطن العربي باخر مئتي عام الا الانفجار المماثل بشبه القاره الهندية التي كان يقدر عدد سكانها عام ١٨٠٠ بمائة وعشرين مليون ليصبح اليوم مليار وثلاث مائة ميلون اي تضاعف بحدود ١١ مرة.

الحقيقة الثانية هي ان "الشرق الاوسط" جذب في تلك الفترة الحساسة استثمارات أجنبية اكثر من اي منطقة نامية بالعالم. يقدر المؤرخين حجم الاستثمارات الاجنبية بمصر حتى عام ١٩١٤ بحوالي ٢٠٠ مليون جنيه استرليني ( بالقوة الشرائية للجنيه آنذاك) بالإضافة الى ٦٧ مليون جنيه استرليني مستثمرة بتركيا مقارنة مثلا ب١٥٠ مليون جنيه مستثمرة في الصين و ٢٠٠ مليون جنيه مستثمرة في اليابان. لماذا اذن لم تستطع دولنا العربية النهضة والتنمية الاقتصادية كما فعلت اليابان والصين ؟ 

عند مراجعة الوثائق التاريخية يتبين أن معظم هذه الاستثمارات كانت عبارة عن ديون اقترضها حكام الدول الرئيسية (العثمانية ومصر الخديوية) باسعار فوائد مرتفعه لسداد ديون سابقة لهم، او امتيازات دفعتها الشركات الاجنبية للطبقات الحاكمة التي لم يتم صرفها ( عكس اليابان) في مشاريع بنى تحتية تسهل تنمية القطاع الصناعي وتنويع مصادر الدخل لهذه الدول. طبعا انتهت هذه الديون بسيطرة بريطانيا على مصر وفشل العثمانيين بحماية دولتهم خلال الحرب العالمية ( صرف الكثير من الأموال على قصر دولمه بهجه من أموال البنوك الاوروبية المقترضة). أدى تطور السفن البخارية في بدايات القرن التاسع عشر الى استخدام السفن الأوروبية لرأس الرجاء الصالح بدلا من المرور بأقطار الوطن العربي في رحلة التجارة بين اوروبا و المستعمرات الاسيوية مما ادى الى ضرب احدى اهم مصادر الدخل، وحتى عند افتتاح قناة السويس فلم تكن العوائد تذهب للدولة المصرية بل الى الشركات الانجليزية حتى وقت تأميم القناة، وادت الثورة الصناعية الأوروبية الى توفير معدات رخيصة نسبيا في الاسواق العربية ادت الى توقف الصناعات الحرفية وخسارة المجتمعات للحرفيين وعلمهم وبنفس الوقت لم يتطور النظام التعليمي كثيرا في منطقة الشام ومصر وشمال أفريقيا في القرن التاسع عشر وظلت جزيرة العرب اقتصاديا وسياسيا بفترة سبات خلال ذلك القرن. وعلى العموم لم تبدأ الصناعات بالظهور في وطننا العربي والتعليم بأخذ منحى جدي في التطور حتى ثلاثينيات القرن العشرين. عندما استقلت الدول العربية بعيد الحرب العالمية الثانية وجدنا انفسنا امام عدة حقائق: 

- عدد سكان تضاعف عدة مرات خلال جيل واحد

- صعوبة في التنقل من قطر الى قطر 

- دول تعاني من عجز الميزانيات

- دول لديها خامات ولكن ليس لديها صناعات او معرفة حرفية تمكنها من انشاء صناعات

- عدد من المتعلمين قليل جدا و عدم وجود نظام بحث علمي

- نظم سياسية غير مستقرة و عدم وجود وعي سياسي لدى الجماهير وفساد منتشر عند النخب الحاكمة من مئات السنين.


كل هذا ادى الى ان يرث الشباب العربي الوضع الاقتصادي المرير الذي نعاينه اليوم وان تخلصنا من بعض هذه المواريث المرة ولكن الاقتصاد العالمي أصبح اكثر تركيبا وارتباطا ببعضه. ولنا مقال آخر في كيف يمكن الخروج من قمقم التعثر الاقتصادي الحالي. 


المصادر: Middle East Economic Development 1815-1914: the General and the Specific, Charles Issawi


"القوة الجبارة" بالأرقام...ماذا سيحدث إذا اتحد العرب, سبيوتك عربي , 10-10-2017


 

 



   نشر في 03 ماي 2019  وآخر تعديل بتاريخ 07 ماي 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا