إيدا .. بداية النهاية - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

إيدا .. بداية النهاية

قصة قصيرة ..

  نشر في 04 يناير 2017 .

      فى وهج القمر الأحدب ، يتحرك كائن ضئيل عبر أشجار النخيل المحيطة ببحيرة تبدو مذهلة فى نقائها بحق . ويغطى تلك المخلوقة الصغيرة التى تعيش فى هذه الغابة الاستوائية الخصبة فراء خفيف ، أما طولها فلا يتجاوز قدمين . ويبدو رأسها الممتد ، بعينيها المحدقتين إلى الأمام ، غير متسق قليلا مع جسدها إلا أنها توحى بشىء من ذكاء ، ولها ساقان أطول قليلا من ذراعيها , مما يساعدها على تسلق الأشجار ، والتحرك بينها ، لتجنب المخاطر فوق الأرض .

     هذه هى " إيدا " وقد فُطمت من أمها قبل أن تبلغ من العمر عامها الأول ، ولديها الآن حرية التجول والتسلق ، ويتعين عليها إعالة ذاتها . تتحرك " إيدا " وكأنها تطارد الريح ، فتدفع غصنا بقدمها ، بينما تستخدم ذيلها كالدفة لتوجيهها ، ثم تقبض على الغصن التالى بأصابعها الطويلة ، وتثبّت وضعها بأصابع قدميها التى تتساوى جميعها فى الطول تقريبا ، ولا وظيفة لها سوى الحركة . أما إبهاماها المتقابلان ، فيمكِّنانها من القبض والتنقل على هذا النحو الأنيق .

     غير أنها فى الوقت الذى تبحث فيه عن وليمتها التالية ، تتجاهل " إيدا " مختلف الحشرات وكل الأهداف السهلة الأخرى ، حتى تستقر فوق ثمرة الفاكهة ، فتلف يديها حولها وتقطفها من على غصنها ، ثم تقذف بها فى فمها مستطيل الشكل . وفيما تحرك فكها بانتظام ، تمضغ " إيدا " الثمرة بأسنانها المستديرة .

     ربما تكون الغابة المطيرة التى عاشت فيها " إيدا " مألوفة لنا ، إلا أنها ليست مطابقة لأى من تلك الغابات التى رأيناها . فهى منظر يستحق المشاهدة . وعلى الرغم من أن سماتها شائعة نسبيا بالنسبة إلى زمنها ، فإنها مكان لم يكن لينشأ إلا بحدوث تناغم خاص بين الأحداث ، إنها غابة دافئة ، ذات مناخ معتدل من شأنه تحفيز نمو النباتات والأشجار ، وتهيئة حياة مريحة لقاطنيها ، وأشجار النخيل بها ضاربة بجذورها الرهيبة فى الأرض ، وتشق بشواشيها عنان السماء ، فى تلك الغابة ، تسير الخيول القزمية متبخترة فوق الأرض الخضراء ، فيما تمتلئ سماء الغابة بالطيور قصيرة الأجنحة ، وأنوفها التى تشبه منقار نقار الخشب ، ولكن هناك أيضا الطيور الأرضية القوية التى يبلغ طولها ست أقدام ، وتتعذى على الثدييات . وفى هذه البيئة ، تعمد الحشرات الضخمة إلى حماية أنفسها عن طريق محاكاة أوراق الشجر ، فبحجمها الذى يماثل حجم الفأر ، وأصابعها الطويلة ، وذيولها التى يبلغ طولها ضعف طول أجسامها ، تشق فى عنف لحاء الأشجار بأصابعها المخلبية ، أملا فى العثور على يرقات الحشرات الصغيرة .

     وفى وسط هذه الغابة ، تقع البحيرة التى تعد مصدرا سرمديا ساحرا للمخلوقات التى تعيش من حولها . تشكلت الحفرة التى تملؤها تلك البحيرة فى الأصل عندما ثار أحد البراكين قبل ولادة " إيدا " بآلاف السنوات .

     وبمرور الوقت ، امتلأت الحفرة بتجمع المياه الجوفية المتسربة من أسفل ، ومياه الأمطار المتساقطة من السماء ، ومن ثم تكونت البحيرة . وعلى الرغم من ان هناك بعض الجداول ، فإنه لم يكن ثمة نهر ينبع منها أو يصب فيها ، مما يجعل مياه البحيرة هادئة نسبيا . وبسبب عدم وجود تيارات ، أصبحت المياه فى قاع البحيرة منفصلة عن مياه الطبقات العليا ، وغير قادرة على سحب الأكسجين من الأعلى ، ولذلك كانت الأسماك تعيش بالقرب من السطح .

     وبينما تتحرك " إيدا " وسط هذه الحياة البرية الشاسعة ، تتفادى الخفافيش ، وتظل بعيدة عن متناول فكى التمساح بأسنانه المنشارية ، ومن الواضح أنها تختلف عن قريناتها التى تشبهها. فهى أكثر انخفاضا فى الأشجار مقارنة بها وربما فى البداية أنها تلعب مع الحيوانات البرية الأخرى ، لكنها حين تتحرك ، يبدو جليا أنها مترددة بمعصمها الأيمن وذراعها اليسرى .

     وسط هدوء ذلك المكان الذى يشبه جنة عدن ، وتناثر المئات من الحيوانات ، وأصوات صرخات قطيع الخفافيش ، يعلو صوت عميق من قاع البحيرة ، سرعان ما يتحول إلى هدير .بيد أن الحيوانات فى تلك الغابة المحيطة غافلة عن تلك الفقاعات الغازية الكبيرة التى تنطلق من العمق من القشرة الأرضية .

     وفى تلك اللحظة ، تنحنى " إيدا " لتشرب من البحيرة ، وهى تقبض على جزع نخلة بإحدى يديها ، بينما تصل إلى الماء بيدها الأخرى ، وهى تبدو غير مبالية بتلك الفوضى .

     كانت الفقاعات البيضاوية ، على نحو مثالى ، تنطلق بأقصى سرعة عبر مئات الأقدام من المياه وتقتل فى طريقها ، ومن فورها تقريبا ، وكل ما يسبح فى تلك المياه ، ثم تطلق أخيرا طبقة رقيقة من الغاز الكثيف وهى تخترق السطح . ولأن الغاز أثقل من الهواء العادى ، فإنه يتعلق بالأرض ويغطى سطح البحيرة ، ويزحف عبر الأرض المنخفضة .

     تستشعر " إيدا " الأبخرة كريهة الرائحة ، تماما كما تفعل كل المخلوقات . ومثلها ، تأتى " إيدا" برد فعل فورى ، إلا أن ذراعها ليس بالقوة التى تساعدها على رفع جسدها بعيدا عن حافة البحيرة ، فيكتنف الغاز أجوائها . فتلتوى " إيدا " متخذة وضع الجنين ، وتغيب عن الوعى ، فتسقط فى البحيرة مع الكائنات الاخرى الموجودة فى الجوار .

     تغوص " إيدا " إلى العمق وقد فارقتها الحياة ، حتى تصل إلى الطين فى قاع البحيرة ، فتكتمل دورة الحياة الطبيعية لهذه الصغيرة بسرعة لم تكن تتخيلها . ولكن بفضل الظروف الشاذة التى تشكل زمان نفوق " إيدا " ومكانه وظروفه ، قد تترك أثرا لا يُمحى فى التاريخ ، ربما أكثر من أى كائن قد عاش أثناء ملايين السنوات منذ موت " إيدا "

 

 بداية النهاية( تحياتى وتقديرى )



  • د.محمود محمد ربيع
    - باحث أكاديمى ومفكر إسلامى - متخصص فى المنطق والعقيدة ( علم الكلام ) -حاصل علي درجة الماجستير في العلوم الإسلامية تخصص فلسفة إسلامية -متخرج من كلية دار العلوم جامعة المنيا ، وحاصل علي درجة الليسانس في اللغة العربية وآدابه ...
   نشر في 04 يناير 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا