زهرة الياسمين وعم حسين - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

زهرة الياسمين وعم حسين

  نشر في 07 ديسمبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 07 ديسمبر 2018 .

المطر لا يتوقف أبدا .. يبدو كأنه سيهطل إلى الأبد ، أعلى ارتفاع لمنسوب المياه منذ سنين .. ومن يذهب قريباً من الشاطئ هالكٌ لا محالة ، قريب تلك تعني من يسير على بعد عشر أمتار منه ، الموج جُنّ بالمعنى الحرفي للكلمة ..

في تلك الأثناء يدخل عم حسين .. أبتسم رغماً عني .. طاقيته المضحكة التي أنتظرها كل يوم ، وجهه الطيب الشبيه بالأرانب البيضاء ، ابتسامته التي لا يبذل أي جهد في رسمها ، روحه تطغى عليه حقاً ..

ازيك وكيف الحال و الوشاح لونه جميل و سماركِ أجمل .. متى ينتهي الحزن من عينيكِ يا بنت ؟! متى تنزل تلك الدمعة العالقة ؟! أريني قلبك ! بطاريته ضعيفة تعمل بالقصور الذاتي لا أكثر .. انظري إلى قلبي الشاب .. لا تكترثي لعمري ، صحيح أنا في السبعين ولكن قلبي بطاريته جامحة لا تنتهي ..

تنطلق ضحكته الرنانة في الصيدلية فيزهر كل ركن فيها حتى تكاد ورود الياسمين تحتضنني ، أنظر الى وردة الياسمين التي يزين بها جيب معطفه الأصفر المبهج فيقطع منها فرعاً و يعطيني إياه مع جملة كل يوم :-

" أنا أزرع الياسمين باستمرار ، الياسمين عندي لا يذبل أبدا "

يغمز لي بعينه اليسرى فأبتسم ابتسامة مُنهكة .. ينقلب صوته كله إلى مخزون هائل من الحنان وهو يقول .. ضعيها مكان قلبك يا ابنتي ، علّ قلبك المسكين يُزهر لو لمرة !

كيف عرفت يا عم حسين ؟! كيف عرفت عن جدب قلبي ؟! عم حسين يرى القلوب ، عم حسين لا يعرف أن وردة الياسمين لن تؤثر في قلبٍ كقلبي تربته أضحت قاحلةً بحق ..

أجهز له العلاج الذي يتكون كله من موادٍ عشبية و فيتامينات و ينطلق هو في حديثه المعتاد ، يبدأه بنظرة سريعة إلى الصيدلية :

أنتِ اليومَ وحيدة ..

أقول في نفسي أني كل يومٍ وحيدة و لكن الفرق أن اليوم لا يوجد معي ناس ، الوحدة في داخلي يا جدي ..

ثم أسمع منه باهتمام باقي الحديث الذي أسمعه كل يوم ..

هل جربتِ الشاي الأخضر من عند خليفة ، إنه ممتاز ، حبة البركة مغشوشة ، الملاعين يظنون أني لن أعرف و لكني أعرف كل شيء .. لقد ذهبت إلى الطبيب أمس .. لا تنظري إلى هكذا .. ليس لأني مريض لا قدر الله ولكن لأعرض عليه معلوماتي ، المأفون لا يفهم شيئاً على الإطلاق .. سأقول لكِ السر -يخفض صوته رغم أنه لا أحد سوانا في الصيدلية - الأوديما تحت العين مصدرها الكلى أما أوديما القدمين مصدرها القلب ..

أسأله باهتمام :- لماذا يا عم حسين ؟!

لأن العين أقرب للكلى بالتأكيد ..

أبتسم بضعف ولا أرد .. أستمع إلى باقي الحديث ..

الشمر للقولون و الشعير للكلى و زيت قرع العسل للبروستاتا و الشاي الأخضر للكبد و الأطباء مهرجون و العطارون ملاعين يظنون أنه سهل المراس و لكن " على مين دة انا عم حسين "

يتبع هذه الجملة الختامية بقهقهة عالية ثم يكرر عرضه المعتاد ..

تعالي زوريني ، سأعرض عليكِ كتبي كلها واختاري منها ما شئتِ ، إنها كتب نادرة عن الأعشاب الطبية من الهند و الصين .. أولادي يتضايقون لأني أصرف نقودي على هذه الأشياء و لكني قلتُ لهم ان لم تحلوا عني والله أبيع فدان كامل و أذهب الصين بنفسي فسكتوا .. خايفين على الميراث ولاد ال .......

يقهقه مرة أخرى فأبتسم ابتسامة واسعة رُغماً عني ..

يقول لي جملة أخيرة : أنا في انتظار زيارتك ..

أهرع إليه بسرعة قبل أن يخرج .. انتظر يا عم حسين إنها تمطر !

ينظر إلى المطر الذي هرب منه الناس بالخارج ثم إلي .. يقرص خدي بلطف وهو يقول قبل أن يتركني و يخرج ..

" هذه الأشياء تهم العواجيز فقط لا تخيف شاباً كقلبي "

و يخرج عم حسين و أنظر إلى زهور الياسمين في أركان المكان فلا أجدها .. بخروجه عاد المكان كئيبا كسابق عهده ..

أجلس مكاني وأنتظر الزبائن .. لا أحد يأتي .. و المطر لا يتوقف .. نشرة الأخبار الجوية تؤكد أنه لن يفعل .. عدد الضحايا الذين اقتربوا من البحر يتزايدون و حتى الذين لم يقتربوا .. هذه النوة قد تتحول إلى كارثة حقيقية ان لم يتوقف المطر خلال يومين ..

بعد ساعتين أقرر أن اغلق الصيدلية .. لا يبدو أن مجنوناً قد يأتي في مثل هذا الجو .. عم حسين وحده لا يخاف .. ألبس معطفي و أمسك المظلة .. و أسير ببطء.. اليوم قررت أني لن أخاف ، لن أتجه إلى البيت ، بل أتجه بخطوات واثقة إلى الطرف الآخر من البلدة .. إلى الشاطئ .. أليس هناك بيت عم حسين ؟ بلى إنه هناك ، كل المدينة تعرف بيت عم حسين ،حتى أنا ذهبت إليه كثيرا في صغري مع الأطفال لنأخذ منه حلواه الملونة المبهجة مثله ..

أطرق الباب ثلاث دقات ، أنتظر دقيقتين ثم يفتح لي عم حسين .. لا يبدو مندهشاً أبدا لمجيئي رغم إنها المرة الأولى التي أزوره فيها دون أن أكون طفلة تريد الحلوى .. و لكن عم حسين الذي خلع معطفي عني برفق و أجلسني على كرسي ملون مضحك و عرض علي الحلوى الملونة مازال يراني طفلة .. لذلك لم يندهش لمرآي .. لسان حاله يقول .. هاهي طفلة أخرى جاءت تطلب الحلوى و ليس حلوى كحلوى عم حسين ..

أنتبه فجأة أن ملابسه تكاد تكون صيفية ، و يده تحمل مقشة عجيبة ، يناولني إياها في مرح لا تخلو منه اللهجة الآمرة ..

-خذي أكملي كنس البيت ريثما أحضر لكِ العدس ..

بحركةٍ آلية أكنس البيت .. و التراب يتجمع كله في نقطة واحدة ، ودموع روحي تتجمع كلها في عيني ، تكاد تنزل دموعي عندما يدركني عم حسين ، فجأة أجد نفسي أبكي على صدره ، كل البكاء الذي اختزنته كل تلك الليالي يخرج الآن على صدر عم حسين .. المطر يهطل و أنا اهطل ، وعم حسين يعرف تماماً كيف يتعامل معي ومع المطر !

" أنت تشبه جدي كثيراً ، كم كنتُ أحب جدي ، وفاته كسرتني ! "

يربت على رأسي دون أن يتكلم ..

يزداد بكائي وأنا أكمل بصوتٍ متقطع ..

"و أمي ، أمي هجرتني ، كم كنتُ أحبها ، و لكنها لم تفعل "

يقول بحنانٍ حازم : "بل فعلت يا ابنتي "

أنظر له باستغراب : هل تعرف أمي ؟

-كانت لطيفة مثلك ..

يأخذ عم حسين بيدي و يُجلسني :

ينحني بحركة لا تُناسب سنه مطلقاً حتى يكون رأسه في مستوى نظري ويظل ممسكاً بيدي.. و يقول :-

- أحياناً يتركنا الآخرون ليس لأنهم يريدون ذلك بل بالعكس لأنهم لا يريدون ، هل تفهمين ؟!

أهز رأسي بالنفي ، فيوضح :

-لا يوجد بيننا إنسان سوي يا ابنتي ، كلنا نحتوي على تناقضاتٍ كثيرة .. الإنسان قد يقتل شيئا وهو يظن أنه يحييه و قد يحيي شيئا وهو يظن أنه يقتله ، أمك مثلا كانت تظن أنها برحيلها تحييكِ ..

-ولكنها قتلتني ..

-وما أدراكِ ؟!

-لأن هذا ما شعرتُ به .

يظهر الحزنَ في عينيه لأول مرة منذ عرفته وهو يقول :-

-أمكِ كانت مريضة يا ياسمين ، ماتت بعد سنتين من هجرها لكِ ..

أنظر له غير مصدقة ..

.. كانت تخشى من تعلقكِ بها ، أرادت أن يكون الفراق سهلاً عليكِ فتركتكِ لجدك و ذهبت ..

تزداد دموعي و أنا أهتف :- ولكن الفراق لم يكن سهلا كما أرادت .

يبتسم بحنو :- هذا ما أقصده .. لا أحد يستطيع الجزم -ولا حتى أنت ِ - إن كانت أمك قتلتك أو أحيتكِ !

يلتمع الفهم في عيني و تتوقف دموعي .. حقا ولا أنا أعرف !

أسأله بحرقة : -لماذا لا يحبني الناس ؟!-

-لماذا لا تُحبينهم أنتِ ؟!

-بل أفعل كثيراً ولكن لا أحد منهم يريدني ..

- لا تنتظري منهم الحب إذا ، لا يهم إن أصبح من حولك عاجزين عن بذل الحب لكِ ، المهم ألا تعجزي أنت عن ذلك ، المهم ألا تعطب ياسمين أبدا .

أبتسم له فيأخذ بيدي إلى المائدة الصغيرة و نجلس معا نحتسي شوربة العدس يتخللها نظري إليه في صمتٍ و إجلال ..بعد ذلك يريني كتبه ، كلُ كتابٍ مغلف بغلافٍ أخضر نظيف ، كل كتاب يحبه عم حسين و يتكلم عنه في فخر ..

أنتبه إلى أن المطر قد توقف ، استأذن منه للرحيل : "سأذهب قبل أن تمطر مرةً أخرى"

يبتسم عم حسين ، يساعدني في ارتداء المعطف ، يقبلني على جبيني و يضم رأسي إلى صدره مرة أخيرة ، وعلى الباب يقول :-

"لا تنسي .. المهم ألا تعطب ياسمين أبدا "

أبتسم له و أسير في طريقي ، ولا يغلق هو الباب إلا بعد أن أبتعد ..

في اليوم التالي كانت النوة أقوى من سابقتها ، و لم يحضر عم حسين إلى الصيدلية ، لقد كان يأتي كل يوم في جولته المعتادة حتى وإن لم يأخذ شيئا من العلاج .. و اليوم ؟! ربما المطر اليوم أقوى منه ..

في اليوم الذي يليه هدأت العاصفة قليلا ، و لكن عم حسين لم يأتِ .. ومر أسبوع ٌ كامل دون أن يأتي عم حسين ..

قررت أن أذهب إليه ، أغلقت الصيدلية و سرتُ في الطريق تسبقني دقات قلبي .. وعندما وصلتُ كان الباب مفتوحاً .. عم حسين ليس بالداخل ، و لكن هناك ثلاث رجالٍ و امرأة .. ينظر لي أحدهم في تساؤل ، بخوفٍ وتردد أقول :- أنا ياسمين .

تنفرد ملامحُ وجهه ويقول :- تفضلي يا دكتورة .. كنت سآتي إليكِ ان لم تسبقيني اليوم ..

أشار إلى حقيبة كبيرة في آخر الصالة ..

-هذه الحقيبة أوصى بها أبي لكِ ، إنها كتبه .. كتب في وصيته أن نجمعها كلها لتكون لكِ ..

أحاول استيعاب ما يقول فلا أستطيع ، تتجمع الدموع في عيني ، يختنق صوتي ، لا أريد أن أصدق .. أتراجع بظهري ثم أمشي ببطء في البداية ثم أجري تسبقني دموعي باتجاه البحر الذي يبعد عن البيت قرابة العشرين مترا ، ثم أقف و قد استولى الخوف على قلبي .. تنزل الدموع من عيني بغزارة ، وهواء البحر يعبث بوشاحي ..

-لقد كان يحبك أيضا ..

أنظر إلى مصدر الصوت فأجده الابن الأصغر لعم حسين .. يشبهه كثيرا ، حتى إنه يضع نفس الطاقية ..

لا أرد عليه فيكمل ..

"جيدٌ أنكِ لم تقتربي من البحر أكثر من ذلك ، و لكن أبي لم يفعل ، لقد اقترب كثيرا .. كان يصر على أن يجمع الأصداف حتى في اليوم العاصف .. فعل هذا كثيرا ولم يحدث له أي أذى .. لكن عمره قد انتهى وحسب في هذا اليوم ..

يصمت قليلا ثم يكمل :-

يقول أحد الصيادين الذي كان يحاول إنقاذ مركبه من الأمواج و إبعاده عن الشاطئ أنه رآه لآخر مرة يغطي الماء نصفه بينما يتشبث بطبق الأصداف و يقهقه .. كان يقهقه في عز العاصفة ، أتصدقين ذلك ؟!

ابتسمتُ بحزنٍ و أسى .. اقترب مني سعيد وقال بصوتٍ خفيض :- كان أبي يقول عنكِ أنكِ زهرة الياسمين الحية الوحيدة التي لن يفلح الناس في قتلها أبدا ..

أغمضت عيني ونزلت دموعي و عندما فتحتها لم أجد سعيد ، نظرتُ إلى البحر الهادئ ، لقد هدأ بعد أن أخذ عم حسين ، و كأن كل تلك العاصفة حدثت فقط ليذهب عم حسين معها ..

نظرتُ تحت قدمي فوجدت شيئا صغيرا مدفوناً في الرمال .. انحنيتُ لألتقطه ، إنه فرع ياسمين صغير، حتماً تركه لي عم حسين ، أخذته و وضعته مكان قلبي ، و للمرة الأولى أحسست به يزهر ، ابتسمتُ ومضيتُ في طريقي وأنا أردد ..

" عم حسين لم يمت ، لقد مات الناس كلهم و عاش عم حسين "

"مات الناس كلهم وعاش عم حسين "

مات الناس كلهم وعاش عم حسين "



  • 7

  • آلاء عبد السلام
    يا قارئي لا ترج مني الهمس لا ترج الطرب .. هذا عذابي ، ضربة في الرمل طائشة وأخرى في السحب .. (محمود درويش)
   نشر في 07 ديسمبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 07 ديسمبر 2018 .

التعليقات

قصة جميلةةةة ممتعة فعلا مزيج من الاحاسيس في سطور ابدعتي اخت آلاء .موفقة ان شاء الله
0
آلاء عبد السلام
شكرا جزيلا لتشجيعك لينة .. اتشرف بمرورك
أي جمال هذا الذي خطته أناملك؟ حكي شدني حتى آخر حرف ، مزيج من الفرح والحزن..تفاؤل أمل ودموع..
-لا يوجد بيننا إنسان سوي يا ابنتي ، كلنا نحتوي على تناقضاتٍ كثيرة .. الإنسان قد يقتل شيئا وهو يظن أنه يحييه و قد يحيي شيئا وهو يظن أنه يقتله ، أمك مثلا كانت تظن أنها برحيلها تحييكِ ..
هاته الفقرة راقتني جدااا..نحن فعلا مجموعة متناقضات..أبدعت في السرد وفي رسم الشخصيات آلاء.. ختاما : اللهم اجعلنا بعضا من عم حسين
تحياتي للمبدعة
1
آلاء عبد السلام
شكرا لرأيك و لذوقك و لمرورك اللطيف
سعيدة جدا انها اعجبتك
وأتشرف بكِ دائما
رائعة ..الأشجار الباسقة تموت واقفة، وعم حسين قلب نابض من الطبيعة ذهب لينبض في محفل آخر من محافلها
2
آلاء عبد السلام
شكرا لرأيك نهلة
رائعة ..الأشجار الباسقة تموت واقفة، وعم حسين قلب نابض من الطبيعة ذهب لينبض في محفل آخر من محافلها
0
رحمة الله على عم حسين وعلى كل الاعمام الذين يعيشون وينثرون الامل بين الناس كعم حسين ، هذه القصة جمعت بين الفرح والحزن والوحدة وووو ولكن تذكري يا ياسمين فأنت الزهرة ولا تجعليها تذبل .
2
آلاء عبد السلام
شكرا جدا لك ، سأتذكر دائما

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا