قواعد الحوار - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

قواعد الحوار

  نشر في 25 غشت 2017 .

لاحظت في كثير من مجالسنا -الالكترونية او الحقيقية- حين يقع حوار بين طرفين ذوي وجهات نظر مختلفة وجود مزاج عام لدى بقية الحضور ينظر الى ذلك الحوار على أنه وضع سلبي فتارة تسمع أحد الحضور يلقي بنصائح على المتحاورين من نوع:

- أحبوا بعضكم!

- أو دعونا نغير هذا الجو المتكهرب!

ومثل هذه التعليقات تدل على احدى مشاكلنا المزمنة، حيث أن مجتمعاتنا تنظر الى الحوار والى تبادل وجهات النظر المختلفة على أنها حالة من الكراهية أو العداء المتبادل، وربما لدى الناس الحق في التذمر من أي حوار نظرا لأنه من النادر أن تجد من يجيد مهارة الحوار وينفع الآخرين بنقاشه حتى ضمن طبقات المثقفين والمتعلمين، الا أن هناك مشكلة أكبر وهي أن العقلية السائدة في مجتمعاتنا تقوم على افتراض أن على جميع الناس أن يحملوا نفس الآراء والقناعات والهوايات بل وحتى نفس الأطباق المفضلة حتى يكونوا متحابين واذا اختلف اثنان في أي وجهة نظر فهما بالتأكيد يكرهان بعضهما البعض!

ان حملنا لمثل هذه العقلية يجعلنا نرفض الحوار ونكتفي في أحسن الأحوال بالدعاء لمن يخالفنا الرأي أن يهديه الله ويرشده ليصبح عاقلا مثلنا بدلا من أن نحاوره لنأخذ منه بعض الحق الذي عنده أو نقنعه بوجهة نظرنا، وباعتقادي أن طريقتنا هذه في التفكير أدت الى أن تكون أقل مهارة اجتماعية انتشارا في مجتمعاتنا هي مهارة الحوار، وغياب ثقافة الحوار هو المسؤول الأول عن القابلية العالية لدى مؤسساتنا وتكتلاتنا الاجتماعية للتفكك والتشردم والتقاتل والتناحر حيث أنه لا حل عند الكثير منا للاختلاف سوى الخلاف!

وحتى يكون لهذا المقال فائدة عملية فقد قمت بسرد بعض القواعد التي أعتقد أنه ينبغي الالتزام بها في أي مجلس اجتماعي أو وسيلة تواصل اجتماعي ويمكن أن تشكل لائحة قانونية في أي مجموعة بهدف ضمان أن أي حوار سينشأ ضمن تلك المجموعة سيكون راقيا وهادفا، وأبدأ بتعريف الحوار، فالحوار نقاش شفهي أو مكتوب يعمل المتحاورون فيه على تقديم البراهين والأدلة التي تؤيّد ادعاءاتهم ووجهات نظرهم التي يتبنونها، وذلك من أجل الوقوف مع الآخرين على أرضيّة واحدة، حتى لو يتم التوصل إلى نتيجة في نهاية المحاورة، وفيما يلي أهم قواعد الحوار:

1- حرية طرح الرأي: لكل فرد في أي مجموعة حرية مطلقة في طرح رأيه -مهما كان شاذا-، ومن أهم فوائد هذه القاعدة هو أن لا تنتشر في مجتمعاتنا أفكارا فاسدة لا يدري عنها المصلحون نظرا لأنها لا تظهر على السطح

2- حرية دخول الحوار من عدمه: فلا يحق لأي فرد أن يفرض على فرد آخر أو على مجموعة من الناس الدخول في حوار لا يرغبون في خوضه

3- كل شيء قابل للطرح على مائدة الحوار! فرضت العولمة المعاصرة هذه القاعدة، حيث لم يعد هناك أي فكرة يمنع النقاش فيها والاختلاف عليها، وهاذا منهج الأنبياء ومنهج القرآن في قبول الحوار والأخذ والرد في أي فكرة مهما كانت تتنافى مع ما نؤمن به من مقدسات.

4- الإعتراف بالاختلاف: ان سماعنا المتكرر لعبارات من نوع (كل الناس تقتنع بكذا..) أو (لا يقول بكذا الا مارق أو جاهل) أو غيرها من العبارات التي يتم فيها تسفيه موقف الطرف الآخر هو نوع من فرض وجهة النظر بأسلوب غير موضوعي، إن الاعتراف بحق الطرف الآخر في تبنيه لما يقتنع به من آراء هو احد القواعد الأساسية التي يقوم عليها الحوار، ولا يعني هذا قبول المحاور بفكرة الطرف الآخر ولكن المقصد هو احترام حقه في أن يكون مخالفا لما نعتقد به.

5- التزام أدب الحوار: ومن أدب الحوار عدم مقاطعة الطرف الآخر أو تسفيه رأيه أو ازدراء شخصه أو معتقداته أو مرجعياته أو مقدساته، والتزام الهدوء والاتزان في الحوار.

6- الموضوعية: يمكن تعريف الموضوعية بأنها "التعامل مع الفكرة على ما هي عليه بعيدا عن تأثير الذات أو أي مؤثرات خارجية لا تتعلق بأصل الفكرة" والتعامل الموضوعي مع الفكرة المطروحة في الحوار هو أهم شروط الحوار، والموضوعية هي ثقافة واسعة* ينبغي أن يسعى الانسان للتحلي بها، وباختصار فالحوار الموضوعي يعني أن يركز كل من طرفي الحوار على الفكرة المطروحة ويناقش معطياتها وبراهين كل طرف على فكرته ولا ينجرف للحديث في مسائل لا تتعلق بموضوع الحوار كالحديث عن شخص أحد المحاورين أو عدم اهليته أو البرهنة ببراهين لا ترتبط بأصل الفكرة، والبعد عن التعميم والمبالغة والتهويل.

7- منهجية الحوار المثمر: إن الهدف من الحوار هو مشاركة القناعات مع الآخرين والاستماع الى آرائهم، وفي الحالات الأفضل يمكن الوصول الى قناعات مشتركة مع المحاورين وتقريب وجهات النظر فيما بينهم، وأفضل الحالات هي التي يتم فيها تغيير قناعات أحد طرفي الحوار لاقتناعه ببراهين لم يكن منتبها لها أو عارفا بها، وحتى يصل المحاورون الى هذه الثمار فلا بد أن يسير الحوار بمنهجية علمية بحيث يتم البحث في البداية عن جذر الفكرة المختلف عليها ومن ثم تحديد الأرضية المشتركة التي يتفق عليها الطرفين ومن ثم البناء عليها وفقا للأدوات المتفق عليها، وتحديد المنطلقات المختلف عليها ومناقشتها، أما النقاش العشوائي الذي لا يفرق فيه بين جذر الخلاف وبين تفاصيله ولا يتم البناء فيه على نقاط الاتفاق فهو مثل حوار الطرشان ان لم يضر فلن ينفع.

8- تقديس الحقيقة: مالم يكن كلا من طرفي الحوار يسعى للوصول الى الحقيقة بعيدا عن حب الظهور وإشباع رغبات الذات والرغبة في الاحساس بهزيمة الآخر أو (إلقامه حجرا) فلن يكون هناك نفع من هذا الحوار، وينبغي على المؤمن حين يحاور أن يكون دافعه هو القيام لله والتزام أوامره في البحث عن الحق والتواضع للحقيقة والتخلي عن مالاتقوم عليه الحجة من الأفكار والمعتقدات، ومن أروع ما قيل في هذا الباب قول الإمام الشافعي (ما جادلت أحدا إلا تمنيت أن يظهر الله الحق على لسانه)

متى ينبغي التوقف عن الحوار؟

هناك بعض العلامات التي تدل على أن الحوار لم يعد مجديا وقد ينقلب الى مشاحنة مذمومة، اذا ظهرت احدى هذه العلامات ينبغي تعديل مسار الحوار أو ايقافه:

1- تحول الحوار الى جدل: وعلامة ذلك أن يتم تكرار نفس الحجج مرات ومرات بدلا من تجاوزها أو البناء عليها للوصول الى مرحلة أخرى من النقاش، اذا طرح كل طرف ما في جعبته من البراهين على فكرته فقد أدى مهمته وليس الهدف من الحوار أن يفرض أحد الطرفين على الآخر الاقتناع بفكرته، إن تكرار طرح البراهين لا جدوى منه.

2- شخصنة الحوار أو اساءة الأدب: حين يبدأ أحد المتحاورين في الحديث عن عدم أهلية الطرف الآخر للحوار بحجة عدم اختصاصه أو صغر سنه أو أي حجة أخرى غير موضوعية، أو اذا بدأ بتصنيفه، أو الاساءة أوالسخرية من مراجعه أو مقدساته، كذلك اذا بدأ برفع صوته أو ظهرت عليه علامات العصبية فهو شخص لا يصلح للحوار ولا يمتلك ثقافته، أو أنه ضعيف الحجة يريد أن يغطي على ذلك بفرض رأيه باستخدام العنف اللفظي والسلوكي، في هذه الحالة على الطرف الآخر أن يعتذر له عن مواصلة الحوار وينسحب من الحوار بلطف مع تبيين سبب انسحابه، ولنتذكر أن الحقيقة أرقى من أن يتم التوصل اليها عن طريق الجهل وسوء الأدب.


___________________________________________________
* من أفضل الكتب التي كتبت في ثقافة الموضوعية كتاب "فصول في التفكير الموضوعي" لعبد الكريم بكار


  • 2

   نشر في 25 غشت 2017 .

التعليقات

Abdou Abdelgawad منذ 8 شهر
جعل الله سبحانه وتعالى الناس مختلفين وذكر فى الآية الكريمة" ولذلك خلقهم" ليكون هذا الاختلاف أداة للتكامل والتعاون بين البشر ، ولكن مايراه الناس كل يوم على الشاشات من تراشق بالألفاظ واحيانا تشاجر بالأيدى فى برامج التوك شو جعل الناس ترى من يخالفها الرأى عدوا لها -- الموضوع جيد ومركز فى مقالك- كل التوفيق
2

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا