علم اجتماع العلوم : علم الاجتماع الجديد - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

علم اجتماع العلوم : علم الاجتماع الجديد

نحو النواة الصلبة

  نشر في 03 ديسمبر 2016 .

إنه من الضروري بمكان ، و نحن نتكلم عن علوم اجتماع جديدة كفروع من علم الاجتماع العام أخذت مكانها بجدية في السنوات الاخيرة أن نذكر بسوروكين عالم الاجتماع الروسي / الامريكي الذي أصفه بالسوسيولوجي المهمش الذي لم يعط له حقه في التناول المستفيض ، فهو الذي قسم هذا العلم إلى علم اجتماع عام و علوم اجتماع خاصة ، إلا أنه يبدو أن علم اجتماع و هو ينزح نحو الارتباط بالعلوم من خلال ما يسمى علم اجتماع العلوم أو ( علم اجتماع العلماء ) هو علم بنيوي ، بمعنى أنه في مضمونه و أهدافه يرمي الى رؤية العالم ( الطبيعي و المعيشي ) رؤية شمولية كلية ، فهو ذلك الفرع الجديد من علم الاجتماع الذي يؤمن بأن العلوم مترابطة في بنية كلية و أن مجالات الحياة متصلة بعضها ببعض و تفسر بعضها البعض ، لذلك انطلق علم اجتماع العلوم ليبحث في العلاقة بين نظام المعرفة العلمية و البناء الاجتماعي ، فالمعرفة بشكل عام قد تكون لاهوتية ، او ميتافيزيقية ، او علمية وضعية ، كما صنفها كونت ، إلا أن المعرفة العلمية فهي ما تعلق بالعلم الوضعي ، و لذلك جاء علم اجتماع العلوم ليهتم بالعلم من ناحية علوم الطبيعة على وجه التحديد من بيولوجيا و كيمياء و طب و تكنولوجيا حيوية و غيرها ..

و مما لا ريب فيه ، أن تأكيد العلاقة بين نظام المعرفة و البناء الاجتماعي ، و فهم نسق المعرفة انطلاقا من معطيات مجتمعية و ربطه بالبناء الاجتماعي و التاريخ و الثقافة هو ليس بالأمر الجديد ، بل نجده جليا في اعمال كوندرسيه و كونت و ماركس و دوركايم .. كما ظهر بوضوح عند كارل مانهايم في علم اجتماع المعرفة أو الابستيمولوجيا ، بيد أن هناك فرقا بين علم اجتماع المعرفة و علم اجتماع العلوم فالأمر ليس سيان ، فالمعرفة تشير الى المعرفة الانسانية ككل بينما يشير العلم الى العلم الوضعي التجريبي ، و منه اختص علم اجتماع العلوم في دراسة المضامين العلمية ( الطبيعية ) من معطيات اجتماعية .

ما معنى ذلك ؟ و كيف ذلك ؟

لقد انشغل علماء الاجتماع الوظيفيين في أمريكا فترة الاربعينيات و الخمسينيات بمحاولة فهم و تحليل الأوضاع المؤسسية للعلم التجريبي ، و رصد مختلف الظروف و الحيثيات و البواعث التي تحيط بالعلم كمؤسسة اجتماعية ، و كان أبرزهم عالم الاجتماع ( روبرت ميرتون ) ، بل هو المؤسس الأول لعلم اجتماع العُلوم ، غير أن ميرتون كانت نظرته لأهداف هذا الفرع محدودة فقط في : دراسة بيئة العلم و الظروف الاجتماعية المحيطة بها و المتعلقة بظروف العلماء و الباحثين و استعداداتهم و المعايير الاخلاقية و القواعد المتبعة داخل المؤسسة العلمية المؤثرة على مصداقية العلم و ثبات النتائج ، و نظام المكافآت كالجوائز التي يحصل عليها العلماء و الألقاب و غيرها .. إن ميرتون جعل علم اجتماع العُلوم هو العلم الذي يختص فقط بدراسة الهيكل الاجتماعي للعلم ، أي البناء الخارجي للحقيقة العلمية فقط ، فضلت تلك الحقبة الى غاية السبعينيات و الثمانينيّات حيث برز اتجاه آخر في علم اجتماع العُلوم ذهب بعيدا في دراسته لتلك العلوم الطبيعية بحيث تجاوز الهيكل الاجتماعي للعلم الطبيعي ليلج إلى دراسة النواة الصلبة للعلم في حد ذاتها .

كان ميرتون ضد فكرة أن يقحم علم اجتماع نفسه في دراسة مضمون العلم ( النواة الصلبة ) ، و ترك ذلك لعلماء استقصاء المعرفة العلمية ، و جعل موضوع علم اجتماع العلوم هو المعطيات و الظروف الاجتماعية المحيطة بالمؤسسة العلمية كمؤسسة اجتماعية ، اذن علم اجتماع العلوم عنده يدرس العلم كمؤسسة اجتماعية و يركز فقط على القواعد الأخلاقية التي تحكم هذه المؤسسة ، أما القواعد الفنية المتعلقة بمضمون العلم و منهجه فيرى أنها ليست من مهام علم الاجتماع ، و بالتالي يمكنني القول أن اسم ميرتون ارتبط بتسمية علم اجتماع العلماء أكثر منه بعلم اجتماع العلوم ! . إلا أن ما أحدثه ( توماس كوهن ) في فلسفة العلوم و تاريخ العلوم من ثورة فكرية من خلال كتابه حول ( بنيّة الثورات العلمية ) بحيث دحض فكرة التراكم العلمي المزعومة الأمر الذي يعتبر منعرجا حاسما في تحول النظرة للعلوم و في فتح الباب واسعا لعلم اجتماع العلوم المرتوني ( نسبة الى ميرتون ) ليتوجه قبلة دراسة النواة الصلبة للعلم .

إذن ، علم اجتماع العلوم له اتجاهان ، الأول يدرس الهيكل الاجتماعي للعلم بالنظر للعلم أنه مؤسسة اجتماعية ( ميرتون) باعتبار أن مضمون العلم مستقل و منفصل عن الظروف الاجتماعية ، و الثاني يتجاوز ذلك ليغوص في دراسة و فهم النواة الصّلبة للعلم من خلال معطيات اجتماعية ( ما بعد ميرتون )باعتبار أن مضمون العلم هو مرتبط بالبناء الاجتماعي و الثقافي و يتأثر به .. لذلك علم اجتماع العلوم كعلم اجتماع جديد ارتبط أكثر بما بعد ميرتون ، حينما تحول الاهتمام منذ السبعينيات صوب دراسة المضامين العلمية و علاقتها بالمعطيات الاجتماعية المؤثرة فيها بعدما سيطرت تحليلات نيترون طيلة تلك الفترة السابقة ، و هنا برزت مدارس مثل adnbra . York. Bath متخصصة في علم اجتماع العلوم ، و التي لازالت لحد اليوم عاكفة على دراسة علاقة النواة الصّلبة للعلم الطبيعي بالمؤثرات الاجتماعية ، و اشتهر في هذا الاتجاه الجديد ( هاري كولينز و بلور و بارنز و بينش و مولكاى ) و غيرهم ، و لقد نوه السوسيولوجي المتخصص في علم اجتماع العلوم ( دومينيك فينك ) في كتابه عن علم اجتماع العلوم أن ما بين الاتجاه المرتوني و الاتجاه الجديد برز إتجاه وسط يرى تارة بأن المضمون العلمي ( النواة الصّلبة ) هو مستقل تماما عن المحيط الاجتماعي و تارة أخرى يراه مرتبط به و يتأثر به ، و هو ما اتضح من خلال إسهامات ( بيير بورديو ) حول تراكم الرأس المال الرمزي و إسهامات ( لاتور ) حول تراكم المصداقية ، و اللذان يركزان على التبادل العلمي و المنافسة العلمية بين الباحثين و بين المنظمات العالمية للبحث العلمي ، خاصة و أن الظاهرة العلمية اليوم قد تعدت حدود الباحث في العمل العلمي إلى دول تتنافس فيما بينها بل و تتصارع من أجل كسب السبق العلمي و هو ما أدى بأقطاب مثل الولايات المتحدة و أوروبا و اليابان الى عقد علاقات بحثية في إطار التعاون و التبادل العلمي ..

إن النظرة السوسيولوجيّة للعلم الطبيعي تنظر للعلم ( الابتكار العلمي ، النظرية العلمية ، التقنية العلمية ..) على أنه ( ذو نواة صلبة داخلية ) تتمثل في مضمون العلم في حد ذاته أي ما تتضمنه الحقيقة العلمية من منهج خاص بها و مفاهيم و مصطلحات و إشكالية انطلقت منها و أهداف ترمي إليها و نتائج توصلت اليها ..، و هو أيضا ( ذو هيكل إجتماعي خارجي ) و المتمثل في مؤسسة العلم بما تحتويه من علماء و باحثين و مخابر البحث و تجهيزاتها و المصادر المادية و الظروف المحيطة الاجتماعية و الثقافية و العلاقات الاجتماعية بين الباحثين و بينهم و بين المراكز الحكومية و المعايير و القواعد و الاخلاق العلمية المتبعة داخل المؤسسة العلمية و ظروف و اسباب و نتائج المنافسة و الصراع العلميين ..الخ . فعلم اجتماع العلوم ( الجديد) إذن ، يهتم بالنواة الصلبة التي هي مضمون العلم و علاقتها بالمحيط الاجتماعي و الثقافي الذي نشأت فيه .

حينما خرج علينا ( توفيق زعيبط ) منذ أشهر مروجا لابتكاره العلمي الخاص بعلاج داء السكري و معلنا عن نيته في تحقيق حلم الكثيرين ممن يعانون هذا المرض غير آبه بما قد يحصل عليه من مكافآت و امتيازات كجائزة نوبل و غيرها مما استثار مشاعر الناس و جعلهم يترقبون ، و يلهثون خلف هذا العِلاج الجديد ، حينها ظهر وزير الصحة ( عبد المالك بوضياف) هو الآخر مرحبا و مدعما لهذا المشروع البحثي اللذي سينقذ المئات من تطور أعراض المرض و ينسي الكثيرين آلام السنين ، و اشتدت المنافسة بين من يحتضن مشروع هذا الابتكار العلمي من المخابر العلمية داخل الوطن و خارجه ، ثم تم احتضانه و إنتاجه و من ثم تسويقه في ضَل ظروف مؤسسية - اجتماعية أحاطت بكل تلك العمليات ، و ظهر توجس و قلق من جانب أطباء السكري من مضمون هذا العلاج و ما يمكن أن يحدثه من تغييرات قد تكون غير مرضية على مستوى الساحة الطبية / الاجتماعية ، و حينما توجهت أيضا مختلف الصحف و قنوات التلفزيون نحو تغطية الحدث و متابعة تطوراته في الوقت الذي بات فيه جليا أن المجتمع الجزائري قد دخلته ظاهرة صحية - اجتماعية جديدة تستحق الوقوف عندها ..، كل هذا يمثل الهيكل الاجتماعي لهذا العلم أي المبتكر الجديد و المتمثل في الظروف الاجتماعية التي أحيطت به و أثرت في إنتاجه ، أما حينما يخرج هذا الطبيب و المبتكر الجزائري ليعلن عن إسم هذا العلاج و الذي أراد أن يكون مسماه ( رحمة ربي : RHB ) ، فهنا نقول أن مضمون هذا العلاج أي نواته الصلبة قد تدخل فيها البعد الاجتماعي / الثقافي ، فاختيار تسمية لعلاجه بعيدا عن المصطلحات العلمية المعتادة لهو الأمر الذي يجعلنا نرى بوضوح طغيان البعد الاجتماعي على مضمون العلم ! ، إن الثقافة الدينية لهذا الباحث و التربية الأسرية و التنشئة الاجتماعية عموما كان لها وقعها على مضمون هذا المبتكر الجديد في صياغة مفاهيمه و مصطلحاته و بناءاته الداخلية . كما أن مجرد الإعلان عن أن هذا العلاج هو على صيغة متمم غذائي و ليس على صيغة دواء صيدلاني ، أدى بمضمون هذا العلم إلى زاوية التشكيك في مدى قدرته الفائقة على تحقيق الشفاء ، ببساطة لأن المجتمع في بنيته الثقافية لا يثق كثيرا في الطب البديل خصوصا تلك المكملات الغذائية إذ لا ينظر إليها على أنها علاج أساسي . و منه نجد أن حتى الصيغة العلمية بخصوص تصنيف العلاج تتأثر و تؤثر في البعد الاجتماعي ، اظف إلى ذلك ، أن تصريح الباحث حينما قال أن أسباب الابتكار و أهدافه هي متعلقة بأبعاد اجتماعية أكثر منها علمية لهو الامر الذي يجعلنا نتبوأ مقعد المتفرج في ساحة يشكل فيها البعد الاجتماعي  عاملا رئيسا في توجيه هذا المضمون العلمي ، هذا مثال توضيحي عن كيف تتدخل العوامل الاجتماعية في صياغة مضمون العلم ........ بل إن هناك من العلوم طبية كانت أو كيميائية أو فضائية أو غيرها تدخلت فيها السياسة في نواتها الصلبة حتى توجه التجربة العلمية نحو مرامي و أهداف غير علمية تماما ! فكم من بحوث علمية إنطلقت من إشكاليات بحثية مسيسة و موجهة نحو تحقيق أهداف استراتيجية ، لعبت فيها السياسة و لوبيات المال و الاقتصاد دورا فاعلا في توجيه مضمون العلم ، و إلا كيف نفسر وجود نفس الدواء بنفس المسمى و لكن يختلف في جزئيات من تَركيبته الكيميائية بين ما يوزع في أوروبا و ما يوزع في البلدان الفقيرة !؟ ..

د / لبنى لطيف 

  • 1

  • د/ لبنى لطيف
    الدكتورة لبنى لطيف استاذة محاضرة بجامعة الجزائر 2 متحصلة على شهادة دكتوراه علوم في علم الاجتماع التنمية باحثة و مفكرة ، و كاتبة ناقدة في علم الاجتماع و الفلسفة و الدين و الاعلام و السياسة
   نشر في 03 ديسمبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا