يوميات كاتب في مركز المعلومات - السيد عمر مهران - - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

يوميات كاتب في مركز المعلومات - السيد عمر مهران -

  نشر في 29 مارس 2017 .

يوميات كاتب في مركز المعلومات

كانت تلك المرة الأولى التي يبحث فيها عن وظيفة بعد استقراره بشكل نهائي في المغرب ، فبعد أن قضى بضع سنوات في تجارة أسرته الصغيرة ، قرر بينه و بين نفسه أن يبحث له عن وظيفة يستعمل فيها اللغة الألمانية التي خاف عليها الضياع ، كأنما كانت هي وصلة الأمان بينه و بين ما عاشه في بلاد الجرمان ، و تجاربه الذيذة هناك .. و كان في الحقيقة يسائل نفسه دائما ، عن ماهية حياته هنا في بلاد لا تقدر مواطنيها ، بلاد تأكل أولادها كما تأكل العقارب أحباءها .. كانت ألمانيا ، في وجدانه ، كالزهرة الفواحة ، تنتج في كل يوم نسائم حبيبة ، كان في كل يوم من السنوات التي قاربت السبع هنا في بلاد المغرب الأقصى ، يسافر وجدانيا إلى ألمانيا ، فوهة بركان إبداعه و كتاباته ..

كان اليوم يوم خميس ، من صيف 2016 ، و كان اليوم حارا ، حينما تلقى مكالمة هاتفية من شركة متعددة الجنسيات ، كان قد قدم أوراقه و سيرته الشخصية إليها طمعا في وظيفة ، مكالمة كانت كالماء البارد فرح لها قلبه ، فبغض النظر أن الأمر لم يتطلب منه مجهودا كبيرا للبحث عن وظيفة ، كانت فرحته لا توصف ، لأنه تلقى عرضا للعمل في مركز للمعلومات ، باللغة الألمانية .. لم يتردد في قبول العرض و هرول إلى مقر الشركة التي تتواجد في شبه مدينة شركات تستقر في أحد أحياء الدار البيضاء ، حاملا معه أوراقه ، و سيرته الذاتية ، و كثيرا من أمل أن يبدأ حياة جديدة ، تصله ببلاده الحبيبة التي سكنت قلبه ، بلاد الجرمان .

حينما وصل إلى مجمع الشركات ذلك ، سرت في جسده قشعريرة لطيفة ، كان المجمع فخما فعلا ، عبارة عن مساحة شاسعة من المساحات الخضراء ، ذكره أول ما ذكره بشيء من ألمانيا ، حيث الشركات تجاور الحدائق الغناء ، و كانت الشركات تصطف جنبا إلى جنب في تناسق و تشابه ، بنايات إسمنتية بواجهات زجاجية متشابهة ، و بعض من مقرات الأبناك ، بالإضافة إلى فندق مصنف يقبع في جانب بعيد ، استنتج منه ، أن كثيرا من زوار الشركات الأجانب يفضلون المكوث فيه لقربه من مكان عملهم كان الموعد في المبنى الثاني عشر ، و تطلب منه الأمر عشر دقائق من المشي للوصول إليه ..

كان انطباعه الأول عن هذا المكان أنه مكان منفصل تماما عن البلاد ، فيه كثير من أجانب ، و أكثر من الشباب الذي يشتغل في الشركات المختلفة ، كان فيه شيئ من القارة العجوز ، و شد انتباهه ، تحرر العاملين فيه من قيود الأخلاق و التقاليد تماما كألمانيا ، حيث شاهد بأم عينيه ، كيف أن الفتيات يدخن جنبا إلى جنب الذكور ، بالإضافة إلى ملابس تحيل شيئا ما على العري .. فلولا أن كان اعتاد هذه المناظر في بلاد ألمانيا ، كان شعر بمقت كبير ، و لكنه أسرها في نفسه ، لأن ألمانيا ، لم تنجح طيلة هذه السنوات في هزم تلك الحشمة التي تسكن نفسه .

دخل باب المبنى رقم 12 ، استقل المصعد للطابق رقم 1 ، حينما خرج من المصعد ،وجد امامه مكتبا يجلس وراءه رجل أمن خاص ، تبين من ملامح وجهه أنه شخص لا علاقة له بالبشاشة ..

ـ السلام عليكم

نطر إليه نظرة فاحصة ، و أجاب بعجرفة مبينة :

ـ و عليكم السلام ! هل من خدمة ؟

أوه ، يا ربي ما هذه البداية السعيدة ، خاطب نفسه بصوت غير مسموع ، ابتسم و قال :

ـ أنا هنا من أجل مقابلة عمل ، تلقيت اتصالا بالامس ، و طُلب مني أن أتي هنا في الثامنة و النصف

ـ هل معك بطاقة تعريفك ؟

ـ تفضل يا سيدي ، هي ذي !

تفحصها يعينين مزمجرتين ، جعلته في مظهر أكبر من سنه الذي يتراوح بين العشرين و الثلاثين ، ثم رد عليه بصوت يغلب عليه محاولة الحزم :

ـ حسن ، انتظرني هنا !

أدلف إلى باب خارجي يفتح ببطاقة ممغنطة ، فتحه ، ثم ولج .

في الدقائق العشرين التي تلت ولوجه ، كان التطفل يسيطر على يعقوب ، و استسلم له كما تستسلم قطة لأشعة الشمس ، بدأ في اكتشاف المكان ، فرمق غرفة كبيرة عبارة عن مكان لتناول الوجبات ، اصطف في أوله صندوقان أوتوماتيكيان كبيران ، بداخله حلويات ، و بسكوت ، و شوكولاطة ، ثم كان الآخر للقهوة و الشاهي .. ثم اصطفت طاولات على مساحة ليست بالهينة .. و ألات المايكروويف مصفوفة ، من أجل تسخين الأكل ، ثم ثلاجة كبيرة .

خمن بينه و بين نفسه أنه مطعم الشركة ، و كان فخما فعلا .. عاد إلى جانب الباب المخناطيسي ينتظر ، حتى رمق رجل الأمن آت من الداخل ، فابتعد حتى اقترب من مكتبه ، كأنه لم يتحرك من هناك .. خرج رجل الأمن ، ثم قال له : حسنا ، تعال مععي ، و لكن بطاقة تعريفك ستبقى معي هنا إلى أن تخرج !

ـ حسنا لا مانع عندي ..

تبعه ، ولجا إلى الداخل، اجتازا بهوا نصف طويل ، ثم اسلمه إلى كنبة في صالة من صالات الإنتظار و قال له انتظر هنا ، و سياتي إليك المسؤول عن الموارد البشرية من أجل المقابلة

ـ حسن شكرا إلى اللقاء .. أردف يعقوب !

كانت صالات الإنتظار أشبه بغرف صغيرة منفصلة عن بعضها اصطفت في شكل منفصل ، ةضع يعقوب أوراقه على الطاولة ، و لم تلبث أن جاءته مسؤولة عن الموارد البشرة ، رمقها تخرج من الباب نحوه ، فغض بصره ، ثم خاطبته قائلة :

ـ هل أنت السيد يعقوب ؟

ـ نعم سيدتي أنا هو ، و هذه سيرتي الذاتية ..

ابتسمت ضاحكة و أردفت :

ـ سبقتني ,, كنت أود طلبها منك ، همم حسنا ، أنت على موعد مع السيد عمر مهران سيكون هنا خلال ساعة من الآن ، و سيلتحق بك مرشح آخر بعد قليل !

ـ أوه شكرا جزيلا لك ، حسنا سأنتظر هنا !

ـ هل تريد شيئا تشربه ؟

ـ لا بأس ، أنا بخير الآن ، سأطلب إذا أردت !

ـ لا تتردد أرجوك !

تركت في نفسه راحة ، كانت سيدة جاوزت الثلاثين إذا لم يخنه حدسه .. كلمته بلباقة فائقة ، طردت إحساس الغربة الذي سيطر عليه حينما دخل !

لم يلبث المرشح الذي تحدثت عنه السيدة أن حضر ، رافقته المسؤولة عن الموارد البشرية إلى الصالة التي كان يجلس فيها ، و خاطبته قائلة :

ـ هذا هو المرشح الذي حدثتك عنه سيد يعقوب ، اسمه عز الدين حُجة

ـ أهلا أهلا سيد عز الدين ، كيف حالك ، خاطبه يعقوب مصافحا

ـ أهلا سيد يعقوب ، الشرف لي !

تركتهما السيدة المسؤولة ، واعدة إياهما باقتراب موعد المقابلة ، فانتهز يعقوب بحسه المتطفل الفرصة و فتح باب الحوار مع السيد عز الدين ، في محاولة للتعرف عليه أكثر .. و كان عز الدين يضرب إلى الطول مع ثخن خفيف فيه ، و شعر كثيف و وجه يحوي قدرا لا بأس به من الجمال

ـ أهلا سيد عز الدين ، أين تعلمت اللغة الألمانية ؟

ـ في الحقيقة ، درست المعلوميات في ألمانيا ، و قضيت هناك 6 سنوات ، و أنت ؟

ـ أنا أيضا درست في ألمانيا ، درست الصحافة و الإعلام .

ـ أوه شيئ جميل ، و لماذا عدت إلى هنا ؟

ـ ظروف شخصية فقط ، المرء يتبع رزقه في أي مكان في العالم ، غير أنني أحب ألمانيا حبا جما ! و أنت ؟

ـ في الحقيقة أنا عدت إلى هنا من أجل الإعتناء بوالدتي ..

ـ بارك الله بك من رجل ! جميل أن يعتني الإنسان بوالديه ، أنا أيضا توفي والدي حينما كنت في ألمانيا

ـ آسف من أجلك سيد يعقوب .

ـ لا عليك ، ذلك كان قدر الله ..

كان الحوار شيقا جدا ، دام قرابة أربع ساعات انتظراها ، لم يحسا بمرورها ، و كان عيب السيد عز الدين الوحيد أنه كان يدخن بشكل يميل إلى الشراهة ، و لم يفت يعقوب أن ينصحه بأن يوقف التدخين ، فكان السيد عز الدين يجيب بأنه سيحاول !

تأخر موعد المقابلة 4 ساعات ، و كانت المسؤولة عن الموارد البشرية تعتذر بشدة كل مرة تأتي فيها ، و دعتهما إلى تناول مشروب على حسابها الخاص .. و قالت بأن السيد عمر مهران واجه طارئا أثناء قدومه ..

جاء السيد عمر مهران أخيرا ، و طلبت منا المسؤولة عن الموارد البشرية أن نلج إلى قاعة كبيرة و ننتظر دخول السيد عمر إلينا من أجل إجراء المقابلة ، التي فهم يعقوب أنها ستكون ثنائية ..

و كان يعقوب ينتظر بشغف ، هوية المحاول ، أتى السيد مهران ، و دخل ، كان شابا في مثل سنيهما ، بدا في الثالثة و الثلاثين أو أكبر بسنة .. يرتدي لباسا رياضيا ، دل أول ما دل على تواضعه ، جلس على كرسي مقابل لهما ، ثم قال معتذرا :

ـ أرجو أن تتقبلا اعتذاري ، فأنا للتو عدت من إجازتي السنوية ! هل تعرفتما إلى بعضكما البعض ؟ فرد يعقوب بسرعة :

ـ نعم ، كانت 4 ساعات كافية لنا أن نتعرف على بعضنا بشكل واف ..

ابتسم السيد عمر مهران ضاحكا و قال بعد ان شعر بمكر يعقوب :

ـ اعتذر جدا منكما ، فكما أسلفت ، فهذا آخر يوم لي في إجازتي ، و في الحقيقة ، أتيت إليكما مباشرة بعد وصولي من السفر فاعذرا أرجوكما طريقة لباسي

قال يعقوب و السيد عز الدين : لا عليك ، ثم أكمل يعقوب ، في الحقيقة لا يظهر من طريقة كلامك و لباسك أنك شخص متعجرف ، و هذا شيء مشجع جدا !

ـ حسن سأقدم نفسي : أنا السيد عمر مهران ، مهندس معلوميات ، و أشتغل مسيرا لمركز دعم الإتصالات في هذه الشركة ، لي ولدان و بنت ، و سأتكلف اليوم بعملية اختباركما من أجل الحصول على هذه الوظيفة ، نحن في الحقيقة بحاجة إلى أثر من شخصين ، ليرتاح قلباكما ، فالأمر هنا لا يتعلق بتاتا بمباراة اختبار لشخص واحد بل هي عملية تعارف !

ـ جميل جدا قال يعقوب

ـ الوظيفة عبارة عن رجلي دعم فني للمعلوميات ، كل ما يتعلق بالحاسوب ، و مشاكل الشركة التقنية و طلبات المستخدمين المتعلقة بالمعلوميات ، ستكونان أنتما المسؤولان عن تلبيتها ، و طبعا باللغة الألمانية! غير أن هذا لا يمنع أنكما ستحتاجان اللغة الإنجليزية خاصة فيما يتعلق بالأعطاب الكبيرة التي ستحتاج تدخل مهندسين أجانب في أمريكا ، لهذا اعدكما أنه و في حالة تردي اللغة الإنجليزية لديكما ، أعدما أنها ستتحسن خلال الستة أشهر الأولى من بداية عملكما ، لسببين ، أولهما أنها لغة المعلوميات الأولى ، و الثاني لأن المجموعة التي ستعملون ضمنها تضم أناسا ذوو طبع جميل و أخلاق طيبة فلا تكونا من الخائفين !

أدخل كلام السيد مهران سلاما نفسيا على قلبه ، أغمض عينيه لثوان ، و حمد الله أن السيد مهران ، يقترب بشكل كبير من معاملة الألمان ، و طريقة تعاملهم مع مستخدميهم ، لم يشعر ولو للحظة واحدة في حديثه المتواصل بشيء من العجرفة و التطاول ، كان على العكس لطيفا ، و تحدث معهما كأنما يتحدث مع أصدقائه ، أو خلانه ، الشيء الذي شجع يعقوب على التحدث بإسهاب عنه ، و عن حياته ، عن تجاربه في ألمانيا ، حتى قال السيد مهران للسيد عز الدين الذي كان صموتا بعض الشيء :

ما الذي حدث يا سيد عز الدين ، هل لأن السيد يعقوب كاتب صحفي يجب أن يستأثر بالحديث وحده ،

فرد عز الدين ضاحكا :

ـ كلا ، و لكنني أشعر بالإرتياح و أفضل أن أستمع لك و له ، بالرغم من أنه قص علي ما عاشه قبل أن تأتي

و كان السؤال الذي يتبادر إلى ذهن يعقوب و يفرض نفسه عليه هو كيف لكاتب لا علاقة له بالمعلوميات و كان أدبيا أن ينجح في هذه الوظيفة ، و رمقه السيد مهران شاردا فسأله عن سبب شروده فقال :

ـ كنت أتساءل و نفسي يا سيد عمر ، كيف لشخص مثلي لا علاقة له بالمعلوميات أن ينجح في هذه الوظيفة

ابتسم السيد مهران و قال مخاطبا يعقوب :

ـ اعلم سيد يعقوب ، أن الإرادة تصنع كل شيء ، و إذا أردت الوصول ستصل ، و أظن من تجاربي السابقة في مقابلات العمل ، أن لديك القابلية للتعلم ، و ستنجح إذا لم يخني حدسي ! حسنا سيد يعقوب و عز الدين ، أظن أنني معجب بكما ، و أظن أنني سأختاركما ، و قد حصلتما على موافقتي المبدئية ، في انتظار الموافقة الكلية بعد أن تجتازا اختبارا للغة الألمانية ستقوم به عميلة للشركة من ألمانيا ، ستتصل بكما خلال أسبوع من الآن ، و بعدها مباشرة إذا تم قبولكما سنبدأ لأن الوقت يداهمنا و اعلما أنني متحمس جدا لكما .. أما ما يخص الأجر ، فأظن أننا لن نختلف ..

ودعهما ، خرج يعقوب من المبنى ، و نفس جديد من أمل يسري في عروقه ..

الحلقة القادمة : مركز المعلومات .. عالم جديد 



   نشر في 29 مارس 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا