العوامل الجمالية في السرد التعبيري عند ندى الأحمد - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

العوامل الجمالية في السرد التعبيري عند ندى الأحمد

دراسة اسلوبية

  نشر في 30 أكتوبر 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

 

لقد مكّنت القصيدة المعاصرة الشاعرة من التقاط الصورة الشعرية العميقة بحريّة كاملة ، و ساعدته أيضا في تعظيم طاقات اللغة ، و هذا أمر واضح للعيان و لا يصحّ انكاره . و من بين تلك الأساليب هي السردية التعبيرية ، حيث السرد ليس لأجل الحكاية و القصّ بل لأجل الرمز و الاحياء ، و هنا ينبثق الشعر من وسط النثر فتتحقّق قصيدة النثر بأبها صورها ، و هنا يتجلّى بوح الشاعر الفريد ، فتتحقّق التعبيرية العميقة .

انّ من أبهى و أرفع صور الشعر النثري هو الشعر السردي حيث السرد التعبيري الذي تتسلسل فيه الصور و الافكار كماء نهر عذب هادئ و حيث تتجلى اعماق الروح كأضواء تتكسر فوق سطح ذلك الماء . و من المظاهر الاسلوبية للسرد التعبيري هو تجليات العوامل الجمالية ، التي يبحر الشاعر عميقا في تحصيلها و التقاطها ثم يقدمها في صورة معادل تعبيري نصّي . أي أنّ العامل الجمالي هو ذلك الكيان الجمالي العميق المتشكلّ في الروح و الذي يصل الى المتلقي عبر النصّ . فليس الشعر كلاما جميلا فقط ، بل هو كلام جميل يحمل معانِ جميل ، و لا نقصد بالمعاني الجميلة هنا معاني الكلمات بل نقصد بها تلك الكيانات العميقة الماوراء- نصّية و التي التقطها الشاعر من اعماق التجربة الانسانية . بهذا الفهم يكون الشاعر بحّار يبحر نحو الجزر البعيدة ليرى العجائب و من هناك يغوص نحو الاعماق ليأتينا بأجمل النفائس الانسانية .

ندى الأحمد شاعرة تتميّز بالقدرة العالية على التقاط الصور العميق و التعرّف على العوامل الجمالية و المؤثرة ، و تجيد الابحار في التجربة الانسانية و الغوص في أعماق الروح . وهنا سنتعرّف على مظاهر و أساليب تعبيرية استطاعت الشاعرة ندى الأحمد بتجربتها الشعرية من التقاطها فتتجلى فوق جناحها العوامل الجمالية العميقة بصورة فكر مجردة تهزّ النفس و تحرّك المشاعر بوجود مغاير للصورة الشعرية اللفظية و مختلفة عنها و ان كانت محمولة فيها .

في قصيدة ( يسألونك عن الروح ) تحضر الموجّهات الدلالية كقيم تعبيرية و كثقل جمالي يعظّم من طاقات اللغة و يكشف عن شعور عميق باللغة ،حيث تقول الشاعرة:

( حين تمّ السؤال عند قارعةِ الكلام، أجبتُ بأنّ الغيابَ لم يعد غيابًا، هو كذلك مذ ذلك الحين الذي عرّت فيه الذكرى كل التفاصيل! وبَدَت تقاسيمُ الحياةِ المنصرمة تسجّل أقوى حضورٍ لها، ذلكَ التابوت الذي حاولَ مرارًا أن يزفّ موتاه لم يفلح أبدا في أن يواري البسمة الموعودة، أو أن يحدّ الصورة بإطار الموت! )

نجد في هذا النصّ تجليا واضحا للثقل الجمالي للموجهات المعنوية من اشارات زمانية و مكانية تنقل التأثير الى مجال آخر اعمق و أقوى و هذا لا ينتج الا عن شعوري تعبيري قوي باللغة و هو من مظاهر اللغة التعبيرية و احد اشكال العوامل الجمالية في الكتابة . فنجد الثقل الشعوري لكلمة ( حين ) في (حين تمّ السؤال عند قارعةِ الكلام ) اذ من الواضح الفرق الشعوري و التأثيري بين هذا التركيب و التركيب الخالي من كلمة (حين ) . و بصيغة أخرى من هذا الاسلوب وهو ما يمكن أن نسميه أسلوب ( النقلة التأثيرية بالموجهات الدلالية ) نجد لفظتي ( هو كذلك ) في عبارة (هو كذلك مذ ذلك الحين الذي عرّت فيه الذكرى كل التفاصيل ) فانّ لهذه الاضافة اللفظية تأثيرا شعوريا يعظّم طاقات اللغة في ايصال الرسالة . و ايضا نجد (مذ ذلك الحين ) في عبارة (مذ ذلك الحين الذي عرّت فيه الذكرى كل التفاصيل ) فانها بغيابيتها تصنع حلما فكريا داخل ذلك العالم الغيابي ، انها ايغال في الغياب ، و هذا هو الشعور القوّيّ بالبعد التأثيري للكلمات ، بحيث تكون القيود و الموجهات ليس فقط لتكامل المعنى اللفظي و لا لاتمام الافادة المعنوية بل لاجل بعد تعبيري و جمالي . و ايضا نجد الايغال في الفكرة الحالمة المتباعدة التي تتموسق معها النفس و تتناغم في عالمها المشاعر كلمة ( ذلك ) في (ذلكَ التابوت الذي حاولَ مرارًا أن يزفّ موتاه ) فان البعد التناغمي و الموسيقي العميق ، و الاغتراب و التباعد الاشاري كلها تخلق تحليقا فكريا منعشا و عذبا يهزّ النفس و يحرّ الشعور . و ايضا تحضر صيغة أخرى تتمثل بكلمة ( أبداً) في عبارة ( لم يفلح أبدا في أن يواري البسمة الموعودة ) فانها بتشكلها التصويري البياني و اضافة الى نقلها القارئ الى عالم من الابدية و الجزم فانها تجلّ واضح و صريح لروح الشاعر و لفكره و لتصوره الخاص جدا في هذا الجزء من التعبير .

انّ هذا الادراك بالقدرة التأثيرية و الجمالية للقيود و الظروف و الموجهات الدلالية هو أحد اشكال العوامل الجمالية في الكتابة الادبية .

من الاشكال الشعرية التعبيرية المعروفة للعوامل الجمالية هي الالتقاطات العميقة و الشعوري القويّة بالعلاقات الخفية بين الاشياء و رؤية العالم كوحدة واحدة تتبادل الصفات و الهيئات ، وهذا اللون من أهم المظاهر او الاشكال التعبيرية للعوامل الجمالية ، و بها يتميّز الشعر التعبيري عن غيره . في قصيدة (تأمّل ) تقول الشاعرة :

(ما لهذا العقرب القافز من بؤرته يصارع نفسه، يدور حول أخيه الأكبر ويعيد النهاية للبداية، وما لهذا الصمت يتعفّر، وفي جبينِ الوقت يتعثّر، هل أدركَ مداه، وهل تنبّه لنمنمات الفجر الرفيعة المقبلة بعد لحظات، ربما سيدرك بعد قليل أن الضوء لم يعد كذلك، وأنهُ انسلاخٌ جزئي من العتمة، وسيوقن أن عليه انتظار وضح أكبر، ليثني عِطفه عن إدارة رحى الزمن مجددا. ) . نجد هنا بعد عالم و منظومة العلاقات الادراكية و الحياتية بين عقارب الشاعة و ما صنعته الشاعرة لهما من علاقات ، فانا نجد عالما أكثر تعقيدا و عميقا و ايغالا في الخيالية يجمع مجموعة من الاشياء تتجاوز حالة العلاقة بينهم المجاز اللفظي و الانزياح اللغوي ( فالصمت يتفعر ، و جبين الوقت يتعثر ، حيث ماده ، و حيث يتنبه لنمنمات الفجر ، الرفيعة ، انه صمت يدرك الفجر و الضوء ، و يعرف الحقائق ، و انه يعلم ما عليه ، انه يعيش تحت وطأة رحى الزمن ) هذه التشيئية و العلاقاتية و التفاعلية كلها ادراكات شعرية عميقة و اسقاطات تعبيرية تجعل للعالم الخارجي صورة مغايرة ثائرة و طالبة للخلاص و التغيير ، و هي الرسالة الجوهرية لكل كتابة تعبيرية .

و أيضا نجد هذا الاسلوب في قصيدة (تهنئة ) حيث تقول الشاعرة :

(صار هذا اليوم أحمرًا، وأنا أقيسُ الفرحةَ ببعض الأمتار المسيّجة لعلاقتنا، ظننتُها لا تُمطرُ الدمع، والظّن بعضهُ كاذب! ربّما تاهَ حرفي لوهلة، لكنني وجدته أخيرًا، فارهًا راقصًا. ).

نجد في هذا العالم الملوّن و الزمكاني حيث تختلط الالوان بالمسافات و القياسات و بالاسيجة و بالمطر ، و بالظن ، و حيث الغياب الذي يتيه معه الحرف ، الذي يتجلى أخيرا في عالم من البهجة راقص . انّ الشاعرة في بوحها الصادق ، قدّ تجلت في عباراتها المتسارعة موجة من الانفعالات التعبيرية عكست و بكل وضوح انفعالات شعورية ، و استطاعت الشاعرة ان تنقل المشاعر و الاحاسيس بدل المعاني . ان ما يراه المتلقي هنا ليس كلمات و الفاظ بل احاسيس و مشاعر و هذا ادراك للبعد التجريدي للغة و هو فنّ نادر و قويّ من الكتابة .

من الأشكال النصّية للعوامل الجمالية هو اللغة الفسيفسائية ، او لغة المرايا و التناص الداخلي ، حيث ان المؤلف يوغل في بيان فكرته و تجليها بتعابير مختلفة الصور الا انها تتجه نجو غاية واحدة صانعة لوحة فسيفسائية . في قصيدة (أماه، ماذا بعد! ) تقول ندى الأحمد :

1- في ليلي المتكبّد من العناءات، المتعفّر بآلة السواد، المستنير بخرافة بلهاء، بعودة ميت! )

2- ( أفي النجم جرأة أن يبرق والضجيج يطحن في اشتياقاتي! )

3- ( أفي الحلم قدرة أن يهدّأ روعةً والتياعا! دعيني أستقبل في مرضك هذا كرامة نسيان، أو لعله عطاء وهّاج، دعيني ألقي بأسورة الشكوك وأذيب عصبيتي ولأول مرة في وادٍ غير ذي حق، دعني أدور حول نفسي علّني أجدها، وعندما أفشل أقتلها، ربما في محبرتي الحل وربما عند نهايتي يستوي مضجع مجاور!)

4- نتسامرُ هناك، نتناجى في غربة أخرى، كما اغتربنا في دنيانا معا ذات يوم، كما حملتكِ على أكتاف الصبر. أتذكرين حينما نسيتِ اسمي؟ أتعلمين كم مرة احتضرَت نفسي في محضر مرضك!)

وهكذا النص يستمر في عباراته و صوره نحو غايات الغياب و الغربة و الاغتراب و الحزن و السؤال ، و مع انّ المقطع الثالث و الرابع في نفسه احتوى تناصا داخليا في عبارات مترادفة الغايات فسيفسائية الا ان المقطع كله يتناغم و يتفاعل مع باقي المقاطع ، لاجل طاقة بوحية اكبر و خلق تناغم و موسيقى عميقة خفية بين المعاني ،و الفسيفسائية من أهم الاضافات التي حققتها السردية الشعرية لكتابها .

من المظاهر النصيّة للعوامل الجمالية هو البعد التعبير لقاموس المفردات في النصّ ، بحيث ان الرسالة و البوح يصل الى المتلقي اضافة الى معاني الجمل و افاداتها فانه يصل اليه عن طريق قاموس مفردات النص التي تخلق مزاجا شعوريا ،اذ ترجع في تناسقها الى مجال معنوي واحد . نجد هذا الثقل التعبيري لقاموس المفردات في قصيدة ( حنين ) حيث تقول الشاعرة :

( ولثمتُ أشواقي عند ليل حزين، تنفستُها بصمت، أناشيدُ العاشقين تعزف سيمفونية الوصال، هناك تحت دفءٍ عابرٍ وبين قيود الهوى سرَحت خيالات دفّاقة، وانهالت بين جنبات الاشتياق روعة أخاذة للقياك، لرضاك، للصدق المتربّع على جبين الزمن. وأنّات النياط تصدر أزيز اضطراب، دكّ أقفاص الحب فانهالت تباشير زرعٍ وطلعٍ توّاق لمقدمك، بدت الرجفة تنبؤ عن ميعاد مرتقب، عن قداسة عقد! ومن بين جنبات الجمال اكتوى محرابنا بتبتل ناشز!

بدت المواجهة صعبة للقدر، هذا الذي يحفر أخاديد سيرنا، يزرع السنابل تارة ويهيل الترب تارة أخرى! بقيت أنت هناك تغني على ليلاك، وبقيت أنا أعيشها؛ ليالي المحبين طوال.)

لا نحتاج الى كثير كلام لبيان ان النص مشحون و مملوء بالفاظ الحنين و الشوق و ان الشاعرة لا تترك مجالا للنفس و الفكر الا و تتحفه بواحدة من تلك الالفاظ لتتحقق مزاجا حنينيا و اشتياقيا للنص . و انما اودّ ان اشير الى البوح الاقصى الذي حققته الشاعر بقاموس مفرداتها في هذا النص ، فان الشاعر لم تكتف بما اشرنا اليه من مفردات الحنين و الشوق بل عمدت الى تطرف شعوري و بوح اقصى في هذا الحنين و الشوق بالفاظ تمثل غايات ذلك الشعور و اقصى حدوده و درجاته متمثلا بـ (لثمتُ \ تنفستُها \ سيمفونية \ قيود الهوى \ دفّاقة، \انهالت \ أخاذة \المتربّع \ نّات \ النياط \ أزيز \ اضطراب \ توّاق \ \ قداسة \ اكتوى \ناشز )

و من الواضح انّ لهذه الفاظ تأثيرا شعوريا و جماليا و قدرة واضحة في خلق البوح الاقصى و بلوغ الكتابة غايات تلك المشاعر و الاحاسيس ، وهذا ما اسميناه اسلوب ( البوح الاقصى) .



   نشر في 30 أكتوبر 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا