الرضا والنور - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الرضا والنور

  نشر في 08 ديسمبر 2016  وآخر تعديل بتاريخ 08 ديسمبر 2016 .

أحمد شاب شديد الذكاء وقريب من ربه، نشأ وترعرع في أسرة فقيرة، تسكن في أفقر أحياء القاهرة.

أحمد كان مجتهدًا في دراسته وقد استطاع أن يلتحق بكلية الهندسة، على الرغم من ضيق حال أسرته، كان والده موظفا بسيطًا دخله بسيط جدا، كانوا يعيشون في شقة صغيرة من غرفتين، ينام هو وأخوته الثلاثة الأصغر منه والذين هم في مراحل مختلفة من التعليم في نفس الغرفة الصغيرة، وكانت الشقة قد ورثها أبيه عن جده.

كان والد أحمد دائمًا مبتسمًا وسعيدًا وكان من القليلين الراضين عن حالهم مهما ضاق بهم الحال، وكان يثق دائما في كرم ربه، ولذلك أنعم الله عليه بأبناءه الأربعة متفوقين دراسيًا وملتزمين اخلاقيًا ودينيًا، وتُوج مجهوده وإيمانه في النهاية بأن استطاع أحمد ابنه الالتحاق بكلية الهندسة، وهذه كانت رؤيته فهو يرى أن هذا نعمة من الله وتكريما له على إيمانه.

في أحد الأيام مرض والد أحمد بالسرطان وكان قد اكتشفه وهو في حالة متأخرة جدا وقال الأطباء من الأفضل ان يعيش ما تبقى من عمره في بيته وسط أبناءه، وكانت أم أحمد قد توفيت أثناء ولادة اخيه الأصغر محمود.

اليوم نتيجة تخرج أحمد وبالطبع تخرج بتقدير جيد جدا، وفرح أبيه بالخبر وتمنى له التوفيق، وكان لديه صديقه الذي وعده بأنه سيتوسط لأحمد في احدى شركات المقاولات الكبرى ليعمل بها فور تخرجه، وبالفعل التحق أحمد بالعمل في أكبر شركات المقاولات في مصر.

مرت الايام والشهور وحقق أحمد نجاحات سريعة في عمله حتى أصبح أصغر مدير مشروع في تاريخ الشركة.

وفي يوم كانت سماءه صافية جدا، طلب والد أحمد منه أن ينصت إليه جيدًا وأن يعتبر ما سيقوله له هو وصيته وعليه أن ينفذها.

قال له يا بني ارضى بما قسمه الله لك، فوالله ما انت فيه من خير ما هو الا نعمة من الله علينا، وما كان مرضي الا نعمة من الله علي، واعلم أنك إن لم ترضى وتشكر ربك في السراء والضراء ستزول نعم الله من وجهك، وإياك والخنوع لحالك اسعى دائما للأفضل ولكن بالجهد والعمل، حدد أهداف واسعى لتحقيقها فهذا كان خطأي رضيت فقط بحالي مهما ساء حتى تواكلت ولم أسعى للتطوير من حالي، وقد انعم الله علي بك وبأخوتك نظرا لحفاظي على حمده وشكره عن ظهر قلب.

وعد أحمد أبيه بأن ينفذ ما طلب منه، وقال له لقد تعلمت منك أبي الرضا والصبر والجلد وضرورة الاجتهاد وأن كل من جد وجد، وليس بالضرورة ما أجده المال، وانما يمكن أن يكون الصحة أو رضا الله أو الذرية الصالحة.

لم يمر اسبوع الا وكان والد أحمد قد توفى.

عمل أحمد بنصيحة والده، فكان يحمد ربه دائما، وذلك بالرغم من ضيق حاله فهو الأن مسئولا عن ثلاثة صبية، مسئولا عن تعليمهم وتربيتهم، وعليه أولا أن يعلمهم ومن ثم يفكر في حاله.

كان راتبه كله من اجل أخوته وتعليمهم، وكان حين يُسأل عن حاله يجيب الحمد لله الخير كثير، لقد نجح أخي محمود في الاعدادية بدرجات مرتفعة وكان الاول على مدرسته وأخي محمد سيلتحق بكلية الطب، وأخي حامد سيتخرج العام القادم من كلية الإعلام.

في أحد الأيام جلس أحمد وحيدًا يتأمل وينظر لحاله ولحال أخوته ويقول هل فعلا كرم الله أبي بنا لرضاه وحمده على حاله، إذا ماذا سيكون كرم الله علي؟

في اليوم التالي وحين ذهب للعمل علم أن هناك زيارة مفاجأة من وزير الاسكان ورئيس الشركة على المشروع الذي يشرف على تنفيذه، ووجد الجميع متوترًا من عمال ومهندسين وموظفين، ونجح في تهدأتهم وقال لهم لن يحدث شئ بإذن الله سوا شكرهم على مجهودنا فنحن لم نقصر في عملنا والحمد لله، وبالفعل حينما أتت الزيارة كان الوزير ورئيس الشركة في منتهى السعادة، خاصةً بعد أن كانت جولتهم طيلة الأسبوع في المشروعات تجد من المصائب ما يحبط الهمم وينذر بالمصائب، إلا أن هذا المشروع يبشر بكل خير، وهنا تقرر تكريم المهندس العظيم أحمد وترقيته وتعيينه كأحد مساعدي وزير الاسكان فور الانتهاء من المشروع.

فورا نظر أحمد للسماء حامدًا ربه وكانت عينه بها نظرة واضحة تقول وصلني كرمك يا أكرم الأكرمين.

حقق أحمد أول أهدافه حينما تخرج أصغر اخوته والتحق بالعمل، ومن ثم تزوج من أحبها، وكان الهدف القادم له هو تأسيس شركته الخاصة لتصبح أكبر شركات المقاولات في مصر، ومع مرور الزمن نجح أحمد في تحقيق كل أهدافه.

مع ارتفاع مستوى معيشته كانت تزداد مشاكل عمله، ولكنه كان دوما يحمد ربه حتى وان خسر الملايين، وكان دوما ربه يعوضه عن خسارته.

في أحد الأيام انتشرت أنباء عن ترشح أحمد ليتولى منصب وزير الاسكان في التشكيل الوزاري الجديد، وكان أحمد أسعد شخص على الأرض وكان يثق تمام الثقة أن هذا هو تكريم ربه له.

كان أحمد يذهب شهريًا لزيارة قبر والده هو واخوته، وكان قد اعتاد أن يذهب قبلهم ليتحدث مع والده ويحكي له عن حاله وحال اخوته ويطمئنه عليهم، وصادف يوم زيارته تلك المرة نفس يوم اعلان التشكيل الوزاري المتوقع أحمد وزيرا للاسكان فيه، وتحدث إلى والده يومها وهو في غاية السعادة وقال له أشكرك أبي على وصيتك فهي ستجعلني وزيرًا.

أخيرًا جاء الإعلان عن التشكيل الوزاري وكانت الصدمة؛ لم يذكر اسم أحمد في منصب الوزير ولكنه قد تم تعيينه كنائب للوزير.

رفض أحمد المنصب وقال أنا الأحق بتولي منصب الوزير، إن هذا ظلم فادح، وأصاب أحمد الحزن الشديد لشعوره بالظلم.

لم يمر شهر على اعلان التشكيل الوزاري وكانت خسائر أحمد بالملايين وكان دائما غاضبا متعصبا ويقول ان كل خسائره ما هي الا انتقام الوزير منه لرفضه تولي منصب النائب واعلانه أنه الأحق بالمنصب، والحقيقة أن أحمد من يومها وهو دائما في حزن وغضب شديد أدوا إلى عدم قدرته على التركيز في العمل مما أدى لتلك الخسائر.

بعد مرور شهر كامل منذ اعلان التشكيل الوزاري كان أحمد قد أصابه الاعياء الشديد بسبب حزنه المستمر على ضياع المنصب والخسائر المتتالية، وكان ملازما للفراش، لا يجيب على أي اتصال يأتيه، لايرى الا ظلمة أمامه لا يرى مستقبلا له انتهت كل أهدافه.

اليوم كان موعد زيارة أبيه في قبره، ذهب أخوته ولم يجدونه كالمعتاد، قرروا الذهاب إليه للاطمئنان عليه ومعرفة سبب عدم قدومه، وحينما علموا السبب لم يواسونه على حاله فما هو فيه ليس من شيمهم، وإنما عاتبوه لتخلفه عن موعده مع أبيهم.

كان عتاب اخوته له بمثابة الصاعقة التي ايقظته، طلب منهم أن يتركونه وينتظرونه بالخارج حتى يرتدي ملابسه ليذهب معهم لزيارة أبيهم.

انهار أحمد في البكاء بعد خروجهم، ونظر للسماء ونادى ربه بأن يغفر له تنمره وغضبه وعدم رضاه، أن يغفر له مخالفته لوعده لأبيه.

ذهب أحمد لزيارة أبيه وطلب منه أن يسامحه على ما بدر منه وطلب منه أن يدعو له الله أن يقبل توبته وأن يغفر له ما اقترف من ذنب، وعاد لمنزله وظل طيلة الليل يصلي ويطلب من ربه أن يتقبل توبته.

وأثناء نومه، أتاه والده في رؤية هي الأجمل، أتاه مبتسما سعيدا مبشرا له بقبول توبته وقال له، يا بني إني أحمد الله عليك فأنت ولدي الصالح الذي ما زالت أعماله ترفع من شأني في جنة الخلد، يابني لقد أنعم الله عليك بسرعة انتشالك من ضلالك قبل إن تغرق في الظلام، إياك وأن تترك نور الله مجددا واستمر على ما انت فيه.

استيقظ أحمد وهو في غاية السعادة، وأخبر زوجته وأبناءه بكل شئ وبضرورة الرضا وتحديد الهدف وقال لهم أنه قرر هدفه الجديد وهو ألا يترك نور الله أبدا يبعد عنه وأن يستمر دائما ممدودا به برضاه وحمده وشكره، فالرضا هو وقود نور الله في قلب الانسان.


  • 4

  • إيهاب محي الدين - Ehab Mohey
    مواطن مصري بسيط مواليد عام 1989 شهر اكتوبر، أحب بلدي جدا وأعتز بمصريتي، متخرج من كلية الاداب قسم التاريخ.
   نشر في 08 ديسمبر 2016  وآخر تعديل بتاريخ 08 ديسمبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا