الخلافة الفرنسية والاحتلال العثماني - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الخلافة الفرنسية والاحتلال العثماني

  نشر في 20 مارس 2016  وآخر تعديل بتاريخ 23 مارس 2016 .

"التاريخ حمالٌ أوجه"، هكذا كان أول درس لنا في التاريخ، فما يٌكتبٌ هنا على أنه حقيقة لا تقبل الشك، يٌكتبٌ هناك على أنه لم يكن سوى محض خيال من البعض، إلا أنه يوجد هناك أسس يتفق عليها الجميع، بل هناك وقائع تاريخية لا يمكن إنكارها أو تكذيب أحداثها، ومنها أن حكم الدولة العثمانية في مصر استمر لنحو ثلاثة قرون، وانتهى بدخول الحملة الفرنسية إلى مصر، وأن المحتل يهدف إلى استنزاف موارد الدولة لصالح دولته، ويعمل على نشر الخوف والرعب في البلاد.

وعلى الجانب الآخر، فهناك وقائع تاريخية تحتاج إلى إعادة صياغة، بل وتستدعي العمل على تغيير مفهومها لدى الناس، بعد أن لعبت الظروف دورًا في خلق صورة ذهنية جيدة عن بعض الأحداث والفترات المظلمة في تاريخنا، ومن تلك الوقائع والمفارقات على سبيل المثال، أننا نطلق على الحكم العثماني خلافة إسلامية بينما نسمي الحكم الفرنسي احتلالًا أجنبيًا؟، على الرغم من أن كلاهما كان محتلًا أجنبيًا شاع في عهده الظلم والطغيان وسرقة خيرات البلاد والعباد.

فإذا حاولنا إستعراض جزء من وقائع الحملتين في البلاد، سنعود بالضرورة إلى بدايتهما، وسنجد أن الدولة العثمانية عندما احتلت مصر كانت مصر تحت حكم المماليك، وهم قوم مسلمون يؤمنون بالله ورسوله، وهنا يتبادر إلى ذهنك سؤالًا حول هدف تحريك العثمانيين لجيوشهم لاحتلال مصر؟، فإذا كان الهدف دينيًا كما يزعم البعض، فمصر كانت تحت حكم جماعة مسلمة بالفعل، بل كانت مصر قد مضى على الفتح الإسلامي لها نحو تسعة قرون، فهل كان العثمانيون لا يثقون في قوة إيمان المماليك؟ أم كانوا يرون بأنهم أكثر منهم إيمانًا مما يستدعي دخولهم إلى مصر؟!، أم أن الأمر كله مجرد حركة توسع إستعماري سياسي، يحاول البعض الآن أن يٌلبسهٌ ثوب الدين زورًا وبهتانًا؟.

ولم يكتفي السلطان سليم الأول بذلك، وبدلًا من أن يطبق تعاليم الإسلام في نشر الأمن والأمان في البلاد، وإقامة العدل ورفع الظلم، وهى التعاليم التي طبقها الصحابة رضوان الله عليهم، سارع إلى ابتكار نظام سياسي يهدف إلى إبقاء أطرافه في حالة نزاع ترهق البلاد والعباد، ولم يكن يهدف بذلك إلا إلى ضمان بقاء مصر تحت حكم ولايته.

وعلى جانب الاحتلال الفرنسي، فكان نابليون مهتمًا أن يؤكد على احترامه للإسلام في أول منشور له إلى المصريين، وكان يهدف حينها إلى كسب ود المصريين عمومًا وشيوخ الأزهر خصوصًا، لعلمه بأهمية الجانب الديني لدى المصريين، فقال ضمن ما قاله في منشوره، "أيها المشايخ والقضاة ...، قولوا لأمتكم إن الفرنساوية هم أيضًا مسلمون مخلصون إثبات ذلك أنهم قد نزلوا في روميه الكبرى وخربوا فيها كرسي البابا الذي كان دائمًا يحث النصارى على محاربة الإسلام"، وقال أيضًا، "إنني أكثر من المماليك أعبد الله سبحانه وتعالى وأحترم نبيه والقرآن العظيم".

ولأن الاحتلال يهدف دائمًا وأبدًا إلى استغلال موارد البلاد والاستفادة منها لصالح دولته، فلم يكن الاحتلالين العثماني والفرنسي بعيدين عن هذا الهدف منذ يومهم الأول في مصر، ففي الاحتلال العثماني، نجد السلطان سليم الأول، قائد الحملة العثمانية إلى مصر، قد عاد إلى الآستانة بعد ثمانية شهور فقط من وجوده بمصر، ومعه ألف جمل محملة بالذهب والفضة والتحف والسلاح وأعمدة الرخام والصيني والنحاس، كما أبطل نحو خمسين صنعة، حيث نقل رؤساء تلك الصناعات إلى الآستانة لينقلوا فيها صناعتهم وفنونهم، فتلاشت تلك الصناعات تدريجيًا وبصورة سريعة من مصر!.

وهكذا كان الحال في الحملة الفرنسية، فنابليون أراد أن يكتشف ويستغل موارد مصر التي خطط لها أن تكون قاعدة توسعات بلاده في الشرق، ولهذا السبب تحديدًا صحب معه في حملته على مصر 146 عضوًا، تقسموا ما بين عالم وأديب ومهندس، وأمدهم بالمعدات والآلآت العلمية الحديثة، وذلك بهدف اكتشاف مصر ومواردها الطبيعية حتى يتمكن من استغلالها لصالح الدولة الفرنسية التي كانت تعاني من تبعات ثورتها ومحاربة الأوروبيين لها.

ولم يكن هدف الحملتين مجرد استغلال موارد البلاد الطبيعية فقط، بل واستنزاف مقدرات الشعب ومجهوداته، وهو ما كان من الحملتين سواء عن طريقة سرقة أموال المصريين تحت مسمى الضرائب، أو إجبارهم على العمل بالمجان أحيانًا أو إستخدام القوة المفرطة أحيانًا أخرى.

ففي عهد الاحتلال العثماني، تجد أن السلطان كان يملك كل أراضي مصر، وتؤول إليه ملكية أرض كل متوفى، وعلى ورثته أن يدفعوا مبلغًا من المال يحدده الوالي وفق هواه حتى يستعيدوا أرضهم، وهنا يجدر بنا التساؤل عن مصدر هذا التشريع، فما نعرفه في الإسلام أن ممتلكات المتوفى توزع وفق قواعد محدده على أفراد أسرته، فمن أين جاءت "الخلافة" العثمانية بهذا التشريع؟!.

ولم يتوقف الاحتلال العثماني عند هذا الحد بل امتد استغلاله للمواطنين إلى سرقتهم بحجة جباية الضرائب، والتي تفنن الولاة في وضعها ومنحها مسميات مختلفة، فتجد ضريبة الخراج والكشوفية والفائض والمضاف والمستجد، ولم تكتفي الحكومة بتلك الضرائب بل فرضت ضرائب على المتاجر والصناعات والمأكولات والسفن والقوافل والوظائف الرئيسية، وكان جزء كبير من تلك الضرائب يقع تحت يد الملتزمون، وقد عمل هؤلاء على تحديد قيمة الضرائب وفق ما يوافق هواهم ومطامعهم.

ولم يكتفى الاحتلال العثماني بسرقة أموال وأراضي المصريين، بل امتد به الحال إلى سرقة مجهودهم وصحتهم، فعرفت فترة حكمهم واحدة من أبشع صور العبودية في تاريخ مصر ولا تقل عن تلك التي فعلها الفرنسيون وقت حفر القناة، حيث كانت الحكومة تٌجبر الفلاحين المصريين على العمل في أطيان الوسية، وهى الأراضي التي منحتها الحكومة للملتزمين بلا ضرائب، وكان على الفلاحين العمل في تلك الأراضي بلا أجر أو مقابل مادي، بل سخرة للملتزم!.

وهنا –أيضًا- تتعجب من هذا القانون الذي وضعته "الخلافة" العثمانية، ففي الإسلام تجد حديثًا صحيحًا عن النبي (صلى الله عليه وسلم) يقول فيه "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ... ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعط أجره"، فإذا كان هذا هو وضع الأجير في الإسلام، فلماذا كان ذلك هو وضعه في "الخلافة الإسلامية" المزعومة؟!.

ولم يكن الاحتلال الفرنسي بعيدًا عن تلك الأحوال، بل سارع فور استقراره في البلاد بطلب قروض إجبارية من المصريين، منها خمسمائة ألف ريال من التجار المسلمين والنصارى وتجار الإفرنج، وثلثمائة ألف فرنك على تجار الأسكندرية ومائة ألف فرنك على تجار رشيد وغيرها من القروض الإجبارية التي لم تترك تاجرًا إلا وقد أخذت منه أموالًا طائلة، بل امتدت إلى من يتولون تحصيل الضرائب أنفسهم وحصل منهم نابليون على 100 ألف ريال!.

وذهبت الحملة الفرنسية إلى ما هو أبعد وأسوأ من ذلك حين فرضت على نساء بكوات المماليك نوعًا جديدًا من الضرائب، حيث كان عليهن أن يدفعن للحملة أموالًا مقابل أن يسكن بيوتهن ويتمتعن بالأمان فيها، وقد بلغ ما حصلت عليه الحملة من تلك الضريبة ما يزيد على 600 ألف فرنك!.

ولم تكتفي الحملة الفرنسية بذلك، ولكن فرضت ضريبة على جميع العقارات في البلاد، حيث قاموا بتقسيم العقارات إلى درجات، وتحديد ضرائب محددة لكل نوع، مع تحصيل رسوم تتراوح بين 2-5% من قيمة العقود الجديدة، وقد كانت تلك الضرائب واحدة من أسباب نشوب ثورة القاهرة الأولى، والتي راح ضحيتها وفق أغلب الروايات نحو أربعة آلاف قتيل.

ولا تتوقف مظاهر الظلم والطغيان في تاريخ الحملتين عند هذا الحد بل يمتد إلى ما هو أبعد وأبعد، وهو ما لا يمكن جمعه وعرضه في مقال واحد، ولكن علينا أن نكون متأكدين بأن ما فعله الاحتلال العثماني لا يشبه تعاليم ديننا الحنيف، ولا ما فعله الاحتلال الفرنسي يشبه ما نشروه في منشورهم الأول للمصريين، ولا أدري لماذا نفرق بينهما في التسمية؟، فإما أن نطلق عليهما احتلالًا، وإما أن نطلق عليهما خلافة، فمينو القائد الأخير للحملة الفرنسية قد أشهر إسلامه، وهو ما قد يدفعنا للتساهل معهم ومنحهم لقب الخلافة على فترة احتلالهم للبلاد!.

ولا تعتبر تلك هى الحالة الوحيدة التي تحتاج إلى المراجعة وإعادة الصياغة في تاريخنا وقيمنا الثقافية المتداولة أيضًا، ولكن هناك الكثير والكثير غيرها، ولعل النكسة الثقافية التي مرت بها مصر في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، نتيجة لتشبع عقول المصريين بالفكر الوهابي المتطرف خلال تواجدهم بالسعودية للعمل، قد تكون مبررة للكثير من التناقض الذي نراه ونسمعه في جوانب متعددة من حياتنا، ولعل القدر يمنحنا فرصة ذات يوم للتحدث عنها وعن ما فعلته بنا!.


  • 5

   نشر في 20 مارس 2016  وآخر تعديل بتاريخ 23 مارس 2016 .

التعليقات

بسمة منذ 1 شهر
معلومات قيمة كنت أجهلها،
فبارك الله في قلمك .
0
محمد عبد الغفار
شكرًا لكي، وبارك الله فيكي
نوف محمد منذ 3 شهر
معلومات رائعه بالتوفيق اخي
2
محمد عبد الغفار
شكرًا لك أختي نوف

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا