العلاقات التركية- الإيرانية: صراع أم تنافس أم ماذا؟ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

العلاقات التركية- الإيرانية: صراع أم تنافس أم ماذا؟

هل ستبقى المنطقة العربية مسرحاً لصراع وتنافس القوى الدولية والاقليمية؟!

  نشر في 27 مارس 2016  وآخر تعديل بتاريخ 31 مارس 2016 .

فكري آل هير

من المؤكد أن التنافس على مواقع القطبية في بنية النظام الدولي أحد السمات المركزية التي توليها نظرية النظم أهمية قصوى. وكما يدور التنافس على المستوى الدولي حول الموقع القطبي، فإن النظام الدولي ينطوي على نظم فرعية من بينها النظم الإقليمية التي تعرف ظاهرة التنافس على موقع الدولة المركز في الإقليم. ومن بين الخصائص المركزية التي تؤجج التنافس على الدولة المركز بين دول إقليم معين هو التقارب في موازين القوى بين عدد من وحداته، على أن يفهم ميزان القوى بأنه مجموع المتغيرات المادية (عدد السكان، المساحة، إجمالي الناتج القومي، القوة العسكرية، التطور التكنولوجي ..الخ) والمتغيرات المعنوية (مستوى الوعي، التماسك الاجتماعي، الاستقرار السياسي، الروح المعنوية، الرضا الشعبي عن الأداء الحكومي.. الخ)، ثم فن إدارة المتغيرات المادية والمعنوية السابقة.

ومع تغيير موازين القوى الإقليمية في الشرق الأوسط نتيجة تغير شكل وطبيعة النظام السياسي بعدد من البلدان العربية خاصة ذات الثقل الإقليمي بالمنطقة في أعقاب ما بات يُعرف إعلاميًّا بـ ”ثورات الربيع العربي” وما أسفر عنه من صعود تيار الإسلام السياسي إلى سدة الحكم، ثم سقوطه المبكر، لم يكن هناك جديد في وجود تنافس إيراني تركي للعب دور أكبر في المنطقة، ولكن أصبح الجديد في رغبة كلٍّ منهما في الترويج لنموذجه السياسي.

والترويج في هذه الحالة غالباً ما يتمثل بالعمل والاتصال بالآخرين وتعريفهم بما قد يكون غير مفهوم، فهو الاتصالات التي تهدف إلى إعلام وإقناع وتذكير الآخر بسياسة معينة والتأثير فيه لقبولها واتباعها. وتختلف الأنشطة الترويجية المتبعة من قبل الإدارة السياسية الهادفة للترويج لـ ”نموذجها السياسي”، وتتنوع أو قد تقتصر على عدد محدود من الأنشطة، وهو ما يعتمد على عوامل كثيرة بعضها يتصل بالسياسة الترويجية ذاتها والقائم عليها، من ناحية، وبعضها الآخر يتصل بطبيعة المستهدف واستجابته لتلك السياسة، كطبيعة الهيكل التنظيمي المعنى بالترويج لتلك السياسة – السياسة المراد الترويج لها، وطبيعة المتلقي “المستهدف من السياسة”، ومدى توفر الوسائل المختلفة “الأدوات” للقيام بالأنشطة الترويجية المختلفة.

وبذلك تصبح الدول التي تشهد تغييرًا في نظام الحكم متجهة إلى أي من هذين النموذجيين بمعنى آخر تحاكي أحد هذين النظامين مما دفع كلًّا من تركيا (الديمقراطية التي لا تخلو من اعتبارات للمواءمة مع الهوية الإسلامية بدرجة أو بأخرى) وإيران (التي يغلب وصفها بالثيوقراطية أي نموذج الدولة الدينية بدرجة أو بأخرى) لانتهاج سياسات خاصة بهما للترويج لنموذجهما في المنطقة رغبة من كلٍّ منهما في التفرد لتصبح القوى الإقليمية المهيمنة على منطقة الشرق الأوسط، وهو ما يعدّ أحد أهم محاور التنافس بين تركيا وإيران في المنطقة حيث يقدم كل نموذج نفسه على أنه النموذج السياسي الأكثر ملاءمة للرغبة المتزايدة في التغيير بالمنطقة العربية من جهة، والمتسق مع هويتها الإسلامية من جهة أخرى.

وكما هو معروف، فقد اتسمت العلاقات التركية الإيرانية عبر التاريخ بالصراع والتنافس على منطقة المشرق العربي والخليج وآسيا الوسطى، وفي يومنا هذا فإن هذا الإرث من الصراع بدأ ينبعث من جديد بينهما في ساحات سوريا والعراق واليمن ولبنان على أسس يتداخل فيها الطائفي بالمصالح والنفوذ الإقليمي والدور السياسي، مما يعزز من استحضار الرموز التاريخية على الجغرافية السياسية. فكلتا القوتان في الأساس كانتا في صراع تاريخي وتنافس في مد النفوذ وتبادلتا الأدوار للسيطرة على المنطقة الإقليمية، ويبدو أنهما في الحاضر لم تتخليا عن تلك الأدوار للعودة وبشكل مؤثر في المنطقة بوصفهما قوة إقليمية تمتلك مقومات القوة التي تمكنها من بسط نفوذها وتحقيق مصالحها القومية في المنطقة لاسيما بعد الفراغ الأمني الذي تركه احتلال العراق في المنطقة مما شكل دافعاً لكلتا الدولتان للتحرك وتوجيه سياساتها الخارجية التي قد تتقاطع أحيانا أو تتفق أحيانا مما يؤثر بمجمله في مسيرة علاقاتهما الثنائية.

بعد الثورة الإسلامية في عام (1979)، عادت المنافسة التركية الايرانية إلى الحياة مرة أخرى ونشطت على اكثر من صعيد. ومن وجهة نظر طهران، تطرح الثورة إيران وتركيا كنموذجين متناقضين كلية للشرق الأوسط: دولة دينية استبدادية مقابل ديمقراطية مؤيدة للغرب وعلمانية بصورة قوية. لكن ظهور تركيا كعملاق شرق أوسطي في ظل «حزب العدالة والتنمية» أكمل الحلقة من خلال تقديم أنقرة بصفتها المنافس الرئيسي الذي يقف أمام رغبة طهران في الهيمنة على المنطقة، كذلك فقد ازال حزب العدالة والتنمية إلى حد ما صورة تركيا العلمانية وحولها إلى دولة متعاطفة مع الاسلام والعرب[[1]].

وفي عام (2003) دخلت العلاقات (التركية _ الإيرانية) مرحلة جديدة نظراً للتحديات الأمنية من جهة، وللفرص الكبيرة التي خلفها إحتلال العراق أمام الدولتين من جهة أخرى، فالعراق لا يشترك في حدوده مع إيران وتركيا ولا يضم أقلية كردية قومية نشطة كما في تركيا وإيران وحسب، بل ان كلتا الدولتان ترى في العراق مجالاً حيوياً على المستويين السياسي والاقتصادي. ومن ثم فان العراق تاريخياً وجغرافياً وبسبب تركيبته العرقية والدينية، هو إمتداد للأمن القومي التركي والإيراني[[2]].

بناء على ذلك، أصبحت المنافسة التركية الايرانية مرة أخرى هي لعبة السلطة الرئيسية في المنطقة. لنأخذ على سبيل المثال منافستهما في العراق: فعلى الرغم من أن كلا من تركيا وإيران كانت قد عارضت حرب العراق في البداية، فان حقيقة دعمهما لمعسكرات متعارضة في الانتخابات العراقية المتعاقبة قد أعاد إشعال تلك المنافسة. واليوم تنظر أنقرة وطهران إلى بعضهما بعضا بحذر، فكلتاهما لا تريد أن تحظى الاخرى بمزيد من النفوذ في بغداد أو بسطوة كبيرة على الأكراد العراقيين.

والأهم من ذلك وصلت المنافسة التركية الايرانية إلى ذروتها بشأن سوريا، فأنقرة هي المعارض الإقليمي الرئيسي لقمع نظام الأسد للمتظاهرين بعدما كانت قد تحالفت معه في الماضي في محاولة منها لإزاحة الايرانيين من موقع التحالف الاول مع الأسد. ومن الناحية الأخرى لا تقف طهران مع الأسد فحسب بل تحول الأموال إلى نظام البعث لكي يتسنى له مواصلة السياسة التي يتبعها في محاولة منها لضمان ان حليفها الاول في الشرق الاوسط لن يسقط والا تكبدت الخسائر الكبرى. والمفارقة الواضحة هي ان تركيا اختارت الانقلاب على الاسد بمجرد ان وجدت الفرصة لذلك، ربما لأنها شعرت بأن لإيران موطئ قدم اكثر منها في دمشق مهما حاولت فعله.

هذه هي التبعات الأكثر أهمية وربما تكون غير مقصودة إلى حد ما لتحول تركيا نحو الشرق الأوسط. حتى لو ظهر هذا التحول في البداية كأنه ينشئ محور أنقرة - طهران، إلا أنه حقق في الواقع نتيجة عكسية ألا وهي إثارة المنافسة على الهيمنة الإقليمية وإعادة إحياء ذكريات قديمة قدم القرون.

والآن، بدءاً من العراق حتى لبنان ومروراً بسوريا، وصولاً الى اليمن تعارض الدولتان بعضهما بعضا من أجل القيادة الإقليمية، وكان قبول أنقرة بتركيب محطات رادار على أراضيها كجزء من مشروع الدفاع الصاروخي لحلف شمال الاطلسي قد أشار إلى طهران بأن تركيا الشرق الأوسطية، المرتبطة بقوة بحلف الناتو، ربما تشكل تهديداً أكبر على المصالح الإيرانية من مجرد تركيا المؤيدة للغرب، وهو ما بدأت القيادة الايرانية تخشاه بحدة وتعد العدة لمواجهته.

والحقيقة أن هناك الكثيرون ممن يرون بأن الاشتباك التركي– الإيراني الجديد بسبب «عاصفة الحزم» لن يغير من قواعد لعبة التنافس التقليدية بين البلدين، فالصراع على الأزمة السورية التي دخلت عامها الخامس لم يفجر العلاقات بينهما حتى الآن، بل ظل البلدان يعملان على تطوير علاقاتهما الاقتصادية وكأن لا علاقة للمصالح الاقتصادية هذه بالصراع الجاري، فالمشاريع الضخمة في مجال النفط والغاز والتجارة تسيل لعاب الجانبين وتجعل من كل طرف ينظر إلى الآخر بأهمية استراتيجية كبيرة. ولعل مثل هذه النظرة قد تتعزز أكثر فأكثر مع حسم الملف النووي بين إيران والغرب، خصوصاً وأن تركيا لعبت في المرحلة الماضية دوراً كبيراً في الحد من تأثير العقوبات الغربية المفروضة على إيران من خلال خرق هذه العقوبات عبر علاقات مالية وتجارية ملتوية. ومع اتفاق لوزان، فإن تركيا التي تتطلع إلى أن تصبح ممراً دولياً لخطوط الطاقة، قد تتحفز أكثر لعلاقات اقتصادية أقوى مع إيران.

ختاماً.. الى متى ستبقى المنطقة العربية مسرحاً لصراع وتنافس القوى الدولية والاقليمية؟!

***

[[1]]. فراقد داود سليمان: العلاقات التركية – الايرانية، مجلة دراسات ايرانية، العدد (15) آذار، 2012. ص 3- 4.

[[2]]. عماد مؤيد جاسم المرسومي: أثر التغييرات السياسية في المنطقة العربية في السياسات الإقليمية وانعكاساتها على العراق، مجلة العلوم القانونية والسياسية، كلية القانون والعلوم السياسية / جامعة ديالى، العدد (1)، 2014. ص 6.



   نشر في 27 مارس 2016  وآخر تعديل بتاريخ 31 مارس 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا