إذا نودى للذكريات من يوم الجمعة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

إذا نودى للذكريات من يوم الجمعة

  نشر في 17 ماي 2019  وآخر تعديل بتاريخ 20 ماي 2019 .

ليوم الجمعة ذكريات عدة نُحتت وتأصلت مع تعاريج عقلى فى منزل جدى، يبدأ يومى فى الثامنة صباحاً والذى لم يرق لجدى مطلقاً تكاسلى وتقاعسى عن القيام فى غبشة الليل قبيل الفجر كما كان يفعل هو، كانت جدتى ترمقه بحدة وتخرج الكلمات من بين أسنانها المصطكة المنذرة إياه أن يتركنى وشأنى، فيلتقطنى جدى بخفة وقوة رغم تراذل عمره ليجلسنى على فخذه، ويرد عليها النظرات والكلمات واصطكاك الأسنان ثم يمسّد رأسى بيده حانياً كما تعودته، تنسل المحبة من بين أنامله كنفط خام يتفجر من صخور يديه الخشنة، يلثم وجنتى وجفناى المسدولين ثم يربت على ظهرى

- إن ابنى هذا سيد قلبى ومالك عقلى.

تنصرف جدتى إلى المطبخ ضاحكة وكلماتها تتبعثر وراء اعوجاج ظهرها

- فلتجعل السيد الصغير يحضر الطاولة الخشبية الصغيرة وتحلّقا كليكما حتى آتيكما بالإفطار.

أركض بعد إيماءة مشرقة بشمس ابتسامة جدى أدحرج الطاولة من مكان وقوفها إلى مكان استوائها مصدراً هديراً كهدير الحافلات فى مشهد سخيف لا يكترث إليه أحد أو يضحك عليه إلا العجوزان.

لحظات وتقبل جدتى تحمل صحناً تلو الآخر والرائحة تثير الشدق والشبق لمتعة كانت حينها أقوى من أى متعة جسدية غريزية أخرى، فلم أكن سوى ذلك الطفل البدين الذى تجحظ عيناه الصغيرتان تأكل قبل فيه من صحن الفول المشرب حمرة وقد تفتت ثمرات من الفلفل الأحمر المجفف على واجهة الصحن فزادته جمالاً على جماله، ثم هناك صحنان آخران يزخران بأقراص الطعمية والباذنجان والفلفل الأخضر والبطاطس بعد أن نضجوا جميعاً بمقلاة زيت جدتى العتيقة، دوائر الخبز الطازج الذى يذهب جدى لإحضاره كل يوم بعد صلاة الفجر ويتحمل فى سبيل ذلك مشقة الانتظار حتى شروق الشمس، وصحن الفاكهة أو لتحرى الدقة ما كنت أعتبره أنا فاكهة الطعام حيث الخيار المخلل الذى تصنعه جدتى فى تلك الآنية الزجاجية غريبة الشكل، مزروع بوسط وحواف الصحن الذى يمتلئ بالطماطم والخيار والفلفل الطازج وقطرات المياه تلمع على الجميع كقطرات الندى على الأزهار.

يتمتم جدى باسم الله وببعض الأذكار وقد قبلت جفونه بعضها وأطبقت على عينين مطمئنتين لم أرهما إلا فى تلكم الحالة، رباه! كم أفتقد وجهك ياحبيبى. ذلك الذى أبدعت أياد الزمن فى نحت تعاريجه وزرع حقول شعره البيضاء المنثورة على جانبيه.

حين انفرجت الأجفان كانتا تنظران إلى خرتيت صغير - هو أنا - يجاهد لحشر شئ من كل شئ على الطاولة فى جوفه، فيضحك حتى يهتز جسده ويسعل، فأركض لأحضر له بعض الماء حاملاً بين أناملى قرص طعمية ملفوف بشريحة باذنجان تتخلله شريحة من فاكهة الخيار المخلل، فيزداد سعاله لازدياد ضحكاته، وجدتى تصك وجهها ويهتز جسدها الممتلئ تضحك بلا صوت.

ننهى إفطارنا ونتأهب للصلاة، ممتلئ البطن الصغير مخمور العقل من لذة الطعام متثاقل، أحاول رفع جسدى الصغير كى أطال حوض الماء فتعيننى جدتى وتحتضننى بين ذراعيها فترفعنى، تضرب مؤخر رأسى بمقدم رأسها برفق مجيبة عن سؤالى عما سيحدث إذا ما لم أذهب للصلاة.

- أتريد أن أقصّ عليك قصة صاحب الغنم؟

تلمع عيناى ويدب فىّ نشاط غريب ويهتز جسدى من فرط انفعالى لما سمعت، فتضحك جدتى محاولة بث الهدوء فى عروقى وأنا أتصايح بسعادة أن بلى.

- فلتذهب مع جدك للصلاة إذن، وحين تعود أقصّها عليك.

أومأت برأسى موافقاً وهى تتركنى فأركض إلى جدى  أستحثه وأستعجله، أود لو أن الزمان يتسارع حتى أستمع إلى قصة صاحب الغنم الأثيرة إلى قلبى مجدداً.

يملك عقلى الكثير من الذكريات، ولكن إذا نودى للذكريات من يوم الجمعة فلا أملك إلا الاستسلام لها.

يتبع...


  • 2

   نشر في 17 ماي 2019  وآخر تعديل بتاريخ 20 ماي 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا