لا فرق بين فساد كبير وفساد صغير... هناك فساد وكفـــى - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

لا فرق بين فساد كبير وفساد صغير... هناك فساد وكفـــى

عن الحرب على الفساد في تونس

  نشر في 07 يوليوز 2018  وآخر تعديل بتاريخ 18 يوليوز 2018 .

الحرب على الفساد هي أمّ الحروب جميعا وأصعبها على الإطلاق. إنّها ليست فقط حربا على الرشوة واستغلال النفوذ وسرقة المال العام والتهريب. إنّها حرب شاملة ضدّ الخارجين عن القانون دون استثناء، تستخدم فيها الوسائل الأمنية والسياسية والأخلاقية والجمعياتية والصحفية، ذلك أنّ الفساد نفسه يستخدم نفس هذه الأسلحة.

للأسف يكاد الفساد في البلاد يكون عامّا لم يترك شريحة عمرية أو فئة مهنية أو طبقة اجتماعية أو جهة جغرافية...

يقول المستفيدون الصغار من الفساد: "ابدؤوا بالحيتان الكبيرة، لأنّهم أصل الداء، ولابأس أن يأتي الدّور علينا فيما بعد."

هذا الكلام ليس في الحقيقة سوى تعويم للموضوع وربح للوقت وبحث عن منافذ للمناورة. لأنّ الفساد شبكة مصالح متداخلـــة، تتوزّع فيها الأدوار بين الكبار والصغار. الكبار يشغّلون الصغار ويحمونهم، والصغار يخدمون الكبار ويدينون لهم بالولاء والطاعة...

ليس هناك فساد صغير وفساد كبير... هناك فساد وكفــــى.

عندما تفكّكت شبكات الطرابلسية والدائرين في فلكهم، وتعرّت ظهور الفاسدين الصغار فتاهوا كاليتامى، كان لابدّ من إيجاد حلول ثورية للفئات الشعبية المهمّشة قبل أن يعيد الفاسدون ترتيب أوضاعهم وتوزيع الأوراق والأدوار ثمّ يستقطبونهم من جديد.

هذه هي اللحظـــة التاريخية المفصلية التي أهدرناها فنفخنا الرّوح في الفساد ليعود أكثر قوّة وانتعاشا ممّا كان عليه قبل 14 جانفي 2011. فبــدل الاستفادة من زخم الأمـــل الذي حمل حشود المتظاهرين وشجّع الشباب المعطّل على حراسة الأحياء والموظّفين على مواصلة العمل، كي نطـــرح الحلول الاقتصادية والاجتماعية الضرورية، كان هناك أغبياء ينادون بمجلس تأسيسي، وملتحون ينظّمون الخيمات الدعوية وجلاّدون ينتظمون في نقابات أمنية وسجناء سابقون يقبضون مئات الملايين مكافئة لهم على الثبات على المبدأ.

هكذا نزل الضغط في عجلات الثورة وبركت عربتها وتعطّلت عن السير... وصار كثير من باعة الرّصيف يتحسّرون على أيّام الطرابلسية... يقولون أنّ الرزق كان وفيرا أيام عماد وبلحسن وجليلة الطرابلسي ... ويروّجون الأساطير عن سخاء وشهامة ومواقف نبيلة لهذا الفاسد المافيوزي أو ذاك...

انظــــر كيف كشفت عديـــد الوقائــع عن ارتباط المهرّبين بضبّاط كبار في الديوانة... انظـــر كيف يديـــر بعض ضباط الشرطة شبكات من محترفي النشل وبيع الخمور وبيوت الدعارة...

هذا هو المدخـــل إلى مجتمــــع المافيا، الذي تتفتّت فيه الدولة ومؤسّساتها حتّى تصير جثّة متعفّنة تنهشها الضباع وتنخرها الديدان. مجتمع يكون فيه لكلّ حـــوت كبيـــر جنود صغار من الباعة والمخبريـــن والعســس والقوّادين والشرطة والجمارك والقضاة والصحفيين والنقابيين. بلغة أخرى، لكلّ حوت كبير دولة داخل الدّولة.

انظـــر كيف يحتمي كلّ حوت كبير بجيش الخدم المنتفعين منه والموالين له. كلّما حاولت الدولة المساس بأحدهم دفع جيش مرتزقته إلى الشارع ينعقون ويبكون حالهم لأنّهم مهدّدون في قوت عيالهم، فيعتصمون في الطرقات ويقطعونها .انظر كيف يدفع ذلك النائب بالبرلمان عن جهة قفصة الذي يملك شركات لنقل الفسفاط بالشاحنات متظاهرين إلى سد الطريق كلّما قرّرت شركة فسفاط قفصة أن تتعامل مع الشركة الوطنية للسكك الحديدية. هل من الصدفة أن تتعدّد حوادث قطارات نقل الفسفاط التي كانت نادرة في السابق؟؟. هذا مثال حي عن الضباع الضارية التي تنهش جسم الدولة... انظر كيف أطلق نبيل القروي عنان قناته ضدّ الدّولة، لأنّ الحكومة طالبته بدفع مليارات متخلّدة بذمّته كمخالفات جبائية... انظر ماذا فعلت نقابة مستشفى الهادي شاكر عندما عيّن وزير الصحّة سعيد العايدي عسكريا لإدارة المستشفى المنهار تحت وطأة الفساد... والأمثلة كثيرة لا تحصى في جميع القطاعات والجهات...

تخضع العلاقة بين الحيتان الكبيرة لقانون توازن الرعب. "شد كلابك توّا نشد كلابي" أمّا مع جيش الخدم والمنتفعين فيسود قانون الصمت Omertà (من يفكّر في فتح فمه يموت قبل أن يفعل). قانون الصّمت كوكتال مركّب من قوانين الخوف والانتهازية والفردانية. وكي يستريح الجميع يردّدون مع بعض في جوقة متناغمة "من كان منكم بدون خطيئة فليرمها بحجـــر"...

لا يخدعنّك خطاب المزايدة بالوطنية وبالديمقراطية وبالمبادئ النقابية... كلّه رماد يــذرّ على العيون، لا ينطلي إلاّ على السذّج والعاجزين الذين لم ييئسوا من انتظار معجزة تتجسّد في بطـــل أسطوري مخلّص ممّا هم فيه.

ما الحـــلّ أمام مثل هذه الورطـــة؟

هل نشكّ في كلّ صحفي ونرتاب في كلّ نقابي ونحذر كلّ شرطي ولا نثق بأيّ قاض ونسفّه كلّ إمام؟

قبل الإجابة على هذه التساؤلات، علينا أن نعي أمرين. أوّلهما أنّ هؤلاء الذين ذكرتهم هم منّا يعيشون بيننا، فيهم إخوة لنا وأصدقاء وأقارب، نتعامل معهم في جميع وجوه الحياة... إنّهم نحن. أمّا الأمر الثّاني فدعونا نقف أمام مرآة الوطن لنسائل أنفسنا: "من منّا لم يستفــد يوما من الفساد ولم يمارسه؟" من الذي اشترى مكيّفا أو تلفزيونا مهرّبا من الجزائــر إلى الذي دسّ في جيب الشرطي عشرة دنانير كي يغض النظر عن مخالفة مرورية إلى الذي تدبّر أمره للحصول على شهادة طبّية كي يغيب أسبوعا عن العمل، إلى الذي صرّح بدخل منخفض كي يدفع ضريبة منخفضة (هذا إن صرّح) إلى غير ذلك من هذه الممارسات. تلك هي بذور الفساد التي نقزقزها يوميا كعبّاد الشمس فنتلذّذ بملوحتها التي تسيل لعابنا، ونتباهي بها أمام أطفالنا فنربّيهم عليها.

عندما نعي هذه الحقائق ونقرّ بها، سندرك هول الكارثة وضخامة بقعة الزيت التي لطّخت ثوب الوطن ولا تزال تتّسع. وهذه هي الخطــوة الأولى على طريق الحلّ.

لا حلّ إلاّ في العمل الدؤوب كلّ من موقعه، والكفّ عن المطالبات الغبية، فليس هناك أصلا دولة لنطالبها بشيء ما... لابــدّ من تفعيل شبكات مواطنية، تعاونية، مستقلّــــة، ذاتية التمويل، تنشط في الاقتصاد التضامني (تعاضديات) والسياسة المحلية والعمل الثقافي. شبكات تعوّض الهياكل المهترئة والجمعيات المشبوهة والمخترقة التي فاحت منها رائحة الجيفة والتي ما عادت تصلح لشيء. ولكن شرط أن لا نعود إلى شبكات بالية تجاوزها التاريخ مثل القبائل والطوائف الدينية... لا أحزاب ولا نقابات بما في ذلك الاتحاد العام التونسي للشغل ولا رجال ديـــن، ولا جمعيات باستثناء القليل النادر الذي تنشط فيه شبيبة العولمة البديلة والتي لها حضور فعلي على الميدان ولا شبهة في مصادر تمويلها...

أمّا بخصوص ما تبقـــى من هذه الدّولة المنحلّة فلا تجهزوا عليها بحق تونس وماضيها.. فكّروا في ما ينتظـــر أطفالها فيما لو انهارت الدولة وتمكّن منها الخونة والظلاميون... دعوها وشأنها واكتفوا بمراقبتها، لعلّ مناعتها الذاتية تشتغل من جديد وتنقذها. فلها إدارة عريقة ولها منظومة قانونية ولها موظّفون هم نحن. اكتفوا بالعمل، وانشطوا مجتمعيا خارج مراكـــزالعمل. لا تخلطوا بين دوركم الاجتماعي الذي هو أساس مواطنتكم وبين عملكم الذي يجب أن يكون في الظروف الحالية مثل الخدمـــة العسكرية. دعوا الدولة وشأنها واكتفوا بطرد هذه الضباع التي تنهش جسدها الواهن، عسى جهازها المناعي يعود إلى العمل من جديد ويعيد إليها عافيتها.

لا فرق عندي بين فساد كبير وفساد صغير. هناك فساد وكفــــى...


  • 1

   نشر في 07 يوليوز 2018  وآخر تعديل بتاريخ 18 يوليوز 2018 .

التعليقات

عين دال منذ 2 أسبوع
رأيت ملامح ما يجري ببلدي المغرب في كثير مما جاءت به مقالتك .. همنا واحد؛ الفساد المستشري كالطاعون في جسد البلاد صغيرا كان أم كبيرا هناك فساد وكفى. ..
0
جلال الرويسي
شكرا على التفاعـــل، الهم فعلا واحد...

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا