الجودة ممارسات وفلسفات تاريخية - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الجودة ممارسات وفلسفات تاريخية

مواقف من سيرة عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - ( أنموذجاً )

  نشر في 20 أبريل 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

الجودة مصطلح حديث عرفته البشرية في العصور المتأخرة ، لكننا حين نتأمل في التاريخ الإنساني وإنتاجه طوال الفترة الماضية وبالاستقراء والتتبع نجد أن جذور نشأة ( الجودة ) قد سبقت ظهوره كمصطلح بمئات السنين ، والدليل على هذا القول هو سلسلة الممارسات والفلسفات للجودة الممتدة طوال ذلك التاريخ ، حتى لو كانت تلك الممارسات والفلسفات في صورتها البسيطة والمحدودة و وفق الامكانات المتوفرة ، إلا أنها عبرت بشكل واضح  على أنها كانت حاجة يشعر بها ذلك الإنسان ويسعى لتحقيق غاياتها وفق مصطلحاته وأساليبه الخاصة .

ولست الآن بصدد تتبع ذلك التاريخ الكبير ، غير أني سأشير في إشارة سريعة إلى نموذج تاريخي عميق له دلالته الكبيرة في الفلسفة و التطبيق .

عمر بن عبد العزيز – رحمه الله تعالى ورضي الله عنه – ومن مثل عمر حفيد الفاروق رضي الله عنه سيرته تأسرك وإنجازاته تبهرك ، عاش بعد عصر الخلافة الراشدة في ظل الدولة الأموية بمحاسنها وبعيوبها ، وتتجلى تلك العظمة في أن قربه من السلطة الحاكمة آنذاك ومع وجوده في دائرة المسؤولية في تلك المنظمة الكبيرة ( الخلافة ) ومع وجود الممارسات والأخطاء عند بعض الولاة التي تمثلت في صورة الظلم أحياناً أو التبذير أو حتى الإعتداء المفضي إلى القتل ، إلا أنه كان يعمل على إحداث الإصلاح من داخل تلك المنظمة وفق الأدوات المتاحة .. و من صور تلك الإصلاحات

( حادثة توليه إمارة المدينة المنورة )

حين أمر الوليد بن عبد الملك تولية عمر بن عبد العزيز والياً على المدينة ومكة والطائف ، اشترط عمر - رحمه الله تعالى ورضي عنه – ثلاثة شروط للموافقة ، منها :

أن يعمل في الناس بالحق والعدل ولا يظلم أحد ، و أن يسمح له بالعطاء أن يُخرجه للناس في المدينة ، وأن يبتعد الحجاج بن يوسف عن المدينة ولا يمر بها لأنه كان كثير الاعتداء والظلم .

وعاش الناس في ظل ولايته في خير حياة ، واستبشروا كثيراً بولايته خاصة بعد ما رأوا فيه من صفات الأمانة والقيادة وحسن الإدارة لموارد المدينة وقضاياها ، غير أن تلك الفترة المزدهرة لم تدم طويلاً فقد تمت الوشاية به وعزله الوليد بن عبد الملك .

( مستشار الخليفة الوليد بن عبد الملك )

انتقل عمر بن عبد العزيز ناحية دمشق فقربه الخليفة ارضاء له وعينه مستشاراً خاصاً ، فعمل – رحمه الله ورضي عنه – بكل جهد واجتهاد في نصح الخليفة بالسعي في إقامة العدل ودفع الظلم وله في ذلك مشاهد رائعة ، ولم ييأس من حادثة عزله عن ولاية المدينة .

( وزير و مستشار ومرافق الخليفة سليمان بن عبد الملك )

بعد أن تولى سليمان بن عبد الملك الخلافة بعد أخيه الوليد ، وبعد أحداث كادت أن تذهب بالخلافة من سليمان بن عبد الملك وقف فيها عمر بن عبد العزيز موقف العدل وساهم في تثبيتها لسليمان ، عرف قيمته حينها سليمان وفسح له أن يفعل ما يشاء وأن يوصي الخليفة في فعل ما يراه الأصلح ، وبالفعل أحدث إصلاحات واسعة جداً ونمت الدولة في عصره وشعر الناس بحال أفضل بكثير من حال خلافة الوليد بن عبد الملك .

( الخليفة عمر بن عبد العزيز )

استقرت الخلافة بعد وفاة سليمان بن عبد الملك إلى عمر بن عبد العزيز في قصة عجيبة جداً ، عمل – رحمه الله ورضي عنه – خلال فترة خلافته بأقصى طاقته واستنفر قدراته في عمليات الإصلاح والتحسين والتنمية ونشر العدل ، حتى انتفى الفقر في عهده وفاضت الأموال وساد العدل وردت المظالم وتنعم الناس في زمنه بالحضارة " الروحية ، والعلمية ، والمادية " مجتمعة .

ويشهد الحوار الذي دار بين عمر بن عبد العزيز وابنه صورة عميقة في بيان فلسفة تلك الممارسات السابقة .

قال ابن عمر : ( بعد أن تولى أبوه الخلافة ) يا أبتي ، ما يمنعك أن تمضي لما تريد من العدل ، فو الله ما كنت أبالي ولو غلت بي وبك القدور في ذلك .

فقال عمر بن عبد العزيز : يا بني إنما أنا أروض الناس رياضة الصعب ، إني لأريد أن أحيي الأمر من العدل فأؤخره حتى أخرج منه الطمع من الدنيا ، فينفروا من هذه ويسكنوا لهذه .

إني أعالج أمراً قد شب عليه الصغير وشاب عليه الكبير ، ألا ترضى من أبيك أن يحيي في كل يوم سنة ويميت في كل يوم بدعة .

فقال ابن عمر : بلى .

أخيراً .. بعد عرض هذه المشاهد التاريخية العظيمة وصور تلك الممارسات ، يمكننا أن نستقرأ منها فلسفة الجودة عند الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز – رحمه الله ورضي الله عنه – ونلخصها في أنها كانت تدور حول ثلاث نقاط :

• التدرج ( والتحسين المستمر ) في الاصلاح مهما كانت الظروف والامكانات .

• الإصلاح من داخل المنظمة مهما كثرت أخطاؤها .

• البدء في عملية الإصلاح والتطوير بالنفس ثم الأقرب فالأقرب قبل أن يأمر به عموم الناس ويطبقه عليهم .

رحم الله الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ، وألحقه بالذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً .

كتبه

عبد العزيز عبد الله أحمد بسحم

الاثنين ، 1/7/1436هـ


  • 5

   نشر في 20 أبريل 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا