هل نسي الرأي العام المغربي قضية حراك الريف ؟ - بقلم مهدي جعفر - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

هل نسي الرأي العام المغربي قضية حراك الريف ؟ - بقلم مهدي جعفر

#حراك_الريف .

  نشر في 28 شتنبر 2017  وآخر تعديل بتاريخ 01 أكتوبر 2017 .


  بعد شهور من المظاهرات السلمية و الإعتصامات الصامدة حول حقوق في غاية الشرعية ، و بعد كذلك شهور من إرسال جحافل القمع و الظلم التي أوكلت لها إغتصات أصوات المتظاهرين و إطباق حصار -الذي لا زال مستمرا حتى الآن- على منطقتهم ، و الأحقر من ذلك هو سجن قادة و نشطاء الحراك أكثر من 3 أشهر دون محاكمات و بتهم مضحكة و مثيرة للسخرية ، ما جعل آخر التقارير الدولية لحقوق الإنسان تزج بالمغرب في محط اللائحة السوداء للدول القمعية الناكلة بالنشطاء و المعارضين و الحقوقيين ، ما يستذرر من الكائن المغربي على الأقل القلق بشأن وضعيات الحقوق و الحريات في بلده ، غير أن اهتمام المغاربة (شعبيا و ليس فقط نخبويا) بقضايا بلدهم السياسية و الحقوقية تكاد تكون منعدمة ، خير دليل أمين على ذلك : هو شبه نسيان شعبي لقضية و مطالب و سجناء حراك الريف !

  فقد تحولنا إلى شعب مبكوم لا يُسمع له صوت معارض عنوانه "الرفض" ، رفض منظومة سياسية لم تبقي و لم تذر للمغاربة إلا نزر يسير من الحقوق ، إذ لا أحد يتساؤل عن ثروة البلد ، من أين تأتي و كيف تصرف و من يستفيد منها ، لا أحد مهتم بتغول النظام للمجتمع حد وصول العلاقة بينهما ، إلى العلاقة بين الدابة و صاحبها ، كلما خرجت عن مراده سحب اللجام حتى تعود للطريق ، حيث أصبحنا شعب لايبالي بطرق تدبير الحياة سياسيا ، بل كل ما يهم هو الكدح و البحث عن ما يسد به الإنسان المغربي حاجته اليومية ، دون وعي بإمكانية تطور أساليب الحياة إذا توفرت قيادة سياسية رشيدة ، لذلك و في ظروف فقر هذا الوعي ، تَستقرر الدولة أي سياسة أيما كان مبلغ فداحتها بالنسبة للمواطن دون معارضة من طرف المجتمع/الدابة ، بل تقابل أي محاولة للتمرد على سياساتها الموجعة بمختلف وسائل القمع و الإسكات القسري .

  هذا ما يثير الكثير من التساؤلات المحيرة ، لعل من بينها : هل انقرض الوعي السياسي في الأوساط الشعبية المغربية ؟ هل ماتت كليا نضالية الشعب المغربي ؟ هل استسلم المجتمع المدني بجمعياته و أحزابه و نشطائه كليا إلى الدولة ؟ هل تحولنا إلى شعب بلا قضية ؟ هل نحن شعب لا حاجة أو لا أهمية لرأيه في اختيارات الدولة ؟ أليس لبعضنا الحق حتى في رفع صوته بحقوقه و مُتَطلَّعاته التي اغتصبتها أيدي من يستفردون بالحكم ؟ ثم ما دلالة نسيان و عدم تفاعل الشعب بشكل مسؤول و حكيم مع قضية كبرى مثل قضية حراك الريف ؟

  لمحاولة استجلاء أجوبة و إن جزئية عن هذه الأسئلة يجب أن ننطلق من الإعتراف بأن وعي المغاربة مزيف و مهندس بطريقة مخطط لها ، و ذلك ما يدفع إلى مساؤلة كل ما يحيط رسميا بهذا المجتمع المستقيل من مهمة الدفاع عن نفسه .

  لعل أهم ما يجب مساؤلته هو "الإعلام" ، الذي مهمته بالأساس التسويق و التشهير و عرض قضايا الشعب و متطلباته و ما يصبوا إليه ، فضلا عن المساهمة في الإرتقاء بوعي الشعب السياسي و الثقافي ، غير أنه و في نفي لهذه الوظائف المسؤولة ، نلاحظ أن كل يوم تنقل لنا الفضائيات المغربية الممولة و الموجهة في السياق السياسي للنظام ، كل أنواع الإنحطاط و الإبتذال و الدجل ، من مسلسلات و سهرات و برامج مهمتها الأولى و الأخيرة هي تضبيع المغاربة ، و صرفهم عن التفكير في قضاياهم الأساسية السياسية و الإقتصادية و الحقوقية ، هنا يجب وضع علامة استفهام على هذا الإعلام الخسيس اللامسؤول ، إذ نشير إلى مسألة مهمة و هي المتعلقة بمدى تغطية الأحداث السياسية المعارضة في الداخل و الخارج المغربي و تقديمها في قالب حواري حر إلى المشاهدين ، العجيب هو أنه في الوقت الذي كان فيه أهل الريف يعذبون و يعتقلون كبارا و صغارا ، آلة الإعتقال لم تعفوا حتى على القاصرين في تجاوز صارخ لكل القيم الإنسانية ، كان هذا الإعلام ينقل لنا حلقات "رشيد شو و كي كنتي كي وليتي و شميشة" فضلا عن بث مختلف المسلسلات التركية التي ليست لها لا رسالة تربوية و لا قدرة تنموية لوعي المشاهد ، إن هي في الواقع  إلا مخدرات تقتل كل حس يقض في المتلقي ، و التي تفرضها علينا هذه الفضائيات الدنيئة فرضا .

  يجب التساؤل كذلك حول دور مؤسسات أخرى حري بها تأطير الجمهور و الدفاع عن قضاياه ، مثل مؤسسة "الأحزاب السياسية" ، فقد خرجت كتلة شعبية ضخمة تطالب بحقوق مدنية و مجتمعية حتى دون علم ربما من طرف الأحزاب ، و هو ما يضع كذلك علامة استفهام أمام دور هذه "الدكاكين السياسية" -بتعبير أحد قادة الحراك- في الدفاع عن قضايا الشعب ، لماذا لم يعد للأحزاب أي قدرة في تنظيم و تأطير الحركات الإجتماعية/الإحتجاجية ؟ لماذا لم تنقشع لنا قضية حراك الريف في إطار حزبي ؟   

  لعل ذلك ما يسميه بعض الباحثين بـ"أزمة الثقة في المكون السياسي المغربي" ، ذلك بسبب تدجين هذه الأحزاب من طرف النظام ، و هو ما تسبب في خضوعها و فقدانها للإستقلالية و الثقة أمام سياسات القصر ، بل لم يعد هناك أي مجال تتمايز فيه الأحزاب عن النظام ، لعل التوافق حول تسفيه التظاهرات من طرف الحكومة الجديدة في أول أيامها ، يوضح بالقطع عدم تجرأ الأحزاب على اتخاد أي موقف من أي قضية وطنية إلا بعد أن يتخذه القصر ، و طبعا يأتي قرار الأحزاب بالتبع في سياق قرار النظام ، ما يعني أن الأحزاب لا يمكن أن يتوفر فيها شرط "تمثيلية الجماهير" لأنه ليست لديها استقلالية عن من يمتلك الحكم في البلد ، ما يجعل بذلك دورها في الدفاع عن قضايا الشعب صفر إلى الشمال ، بل هي مصنوعة للدفاع من مصالح من صنعها أو دَجنها ، و في هذه الوضعية المنحطة للمشهد السياسي المغربي عادي جدا أن تنحط قيمة الأحزاب و أدوارها كذلك ، و تتجرد من الأهلية و الثقة من طرف الشعب .

  ثم ماذا عمن يسمون أنفسهم "بجمعيات المجتمع المدني" ، كالنقابات الوطنية و الجمعيات ، أي دور قامت به هذه المؤسسات في الدفاع عن حقوق و أهم شيء عن معتقلي حراك الريف مؤخرا ، أي دعوة من هؤلاء للجماهير للنزول للشارع من أجل الدفاع عن القضايا الحقوقية و السياسية الكبرى للمغاربة ، الكارثة هو أن حتى مؤسسات المجتمع المدني ليست لها استقلالية عن الإتجاه السياسي العام المُقاد من أعلى هرم السلطة ، ما يجعلها خنوعة كلما تعلق الأمر بأي قضية شعبية تستوجب بالضرورة الوقوف أمام القيادة العليا للدولة ، لذلك فمؤسسات المجتمع المدني مثل الأحزاب و النقابات أنشئت من عَلٍ ، و ضخ في صناديقها من المال العام الشيء العظيم ، ليس بغرض تقوية النسيج المدني ، أو المساهمة في الدفاع عن مكتسبات و حقوق الأفراد ، بل لتبييض صورة النظام و تجميل سلوكه و بث روح تقبل سياساته كيف ما كانت درجة اغتصابها لمكتسبات المغاربة .

  لذلك فمؤسسات مثل الأحزاب والنقابات و الجمعيات ، لم تنشأ للتجاوز على النظام و المنظومة ، أو منافستهما بشكل أو بآخر ، بل أنشئت للإسهام في تشريعهما معا للسيطرة و الإستفراد بمفاصل الدولة ، و الإستبقاء على حالة الموات المجتمعي من أجل مد مدة افتراس المغاربة اقتصاديا و حقوقيا و سياسيا إلى أقصى فترة ممكنة ، و كما تصريف خطابهما (النظام و أذنابه كالأحزاب) بالجهات والأقاليم بالمداشر والقرى ، بالجبال و السهول ، كجزء من سياسة مراقبة الأفراد و الجماعات بالتراب الوطني ، و ليس كعنصر تأطير أو تكوين أو توعية .

  لا يجب أن تسيح المسائلة بعيدا كذلك عن "المثقف" ، فأي دور له في مجريات الوضع العام ؟ أي مساهمة انتدب نفسه للقيام بها بغاية التشهير و معارضة السياسات اللاشعبية للحكومة أو النظام ؟ بل تحول هؤلاء إلى عكاكيز تتكئ عليها السدة السلطوية ، فكم يستبد الغضب المختضب بالقلق حينما نشاهد أن نضال المثقفين انتقل من الشارع إلى الفايسبوك ، فهل هناك مقبحة طالت دور المثقفين العرب بشكل عام أكثر من هذه ؟ كيف يكتفي أصحاب ربطات العنق و الكتب المبتذلة بالتعبير عن آراء مهترئة في الفايسبوك بصدد قضايا كبرى تهم شعوب بأكملها ؟ أ لا يستحيون من تقصيرهم الفادح في نصرة قضايا مجتمعاتهم بالإيجاب ! الأنكى من ذلك أنهم يستنكرون الوضع افتراضيا بينما ليس لهم أي حضور واقعي يضرب له الحساب من طرف المتحكمين برقابنا .

  لذلك فإذا توفر لنا إعلام يمارس تَعلِيف العقول بالتفاهة و الطرهات ، و إذا تواجدت  في الساحة أحزاب تحت الطلب ، و جمعيات و نقابات تتاجر بأزمات الجمهور ، فضلا عن توفر مثقفين مستقيلين عن أدوارهم المعارضة ، فعادي جدا أن ينسى الشعب قضاياه ، و يهيم في كل واد من اللامبالات و الإستسلام للوضع و تقبله في صورته الدراماتيكية ، دون قدرة على تغييره أو على الأقل محاولة تغييره ، لذلك فنحن شعب مُغْتَصَبٌ ، و لن نسترد شرفنا إلا بالوعي بمدى فداحة وضعنا المجتمعي و الحقوقي و السياسي أولا ، و بنضال مرير ثانيا .








   نشر في 28 شتنبر 2017  وآخر تعديل بتاريخ 01 أكتوبر 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا