مقولة الصيغة وتجلياتها في نماذج روائية مغربية - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

مقولة الصيغة وتجلياتها في نماذج روائية مغربية

  نشر في 23 أكتوبر 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

مـقـدمــة

إن الحديث عن الصيغة وعلاقتها بالسرديات-خاصة الرواية منها- حديث شائك ومعقد يرجع بنا إلى سنة 1966، حيث إصدار العدد الثامن من "تواصلات" communications الذي أظهر المنطلق التأسيسي للتحليل البنيوي للحكي الذي ستعتمد عليه كل الدراسات فيما بعد. ومنذ ذلك الزمن، وهو في طريق تحقيق تطور مهول في مجال البحث والتنقيب، فنجد تحليلات تودوروف المهمة عن "مقولات الحكي" التي يتحدث فيها عن صيغ الحكي Modes du recit تتحدد هذه الصيغ حين القول بأن الكاتب يعرض لنا الأشياء أو آخر يقولها. وبهذا، فإن الصيغتان اللتان تشكلان النواة هما العرضreprésentationوالسرد Narration، وأنهما يملكان معا صلة وثيقة بالحكاية والخطاب. ويفترض أن الصيغتان كما نعثر عليه في الخطاب الحكائي المعاصر لهما جذور عميقة بالتاريخ والدراما. فالأول سرد خالص، والسارد لا يمثل سوى شاهدا على تقديم الأحداث، و كأنها تقع أمامنا بالطريقة المسرحية على الخشبة و تلك خصوصية الخطاب التاريخي المباشر، أما في الدراما فإن الأحداث تنقل بدون سرد وفيها تهيمن الشخصيات على عكس الأول يغيب فيه حضور الشخصيات.

ويذهب تودروف إلى إمكانية التمييز بين أقوال الراوي ( الأسلوب غير المباشر) وأقوال الشخصيات ( أسلوب مباشر) وبهذه الفروق نكتشف الدافع وراء انبثاق الشعور حيال أفعال مشاهدة عند استعمال صيغة العرض واندثار هذا الشعور في صيغة السرد.

ويثار في غالب الأحيان جدل كبير حول بعض المفاهيم من زاوية نشأتها وأول الواضعين لها، ولم تسلم مقولة الصيغة من هذه النقاشات المتطاحنة فكان السبق لإثارة هذه الإشكالية. فتحدث عنها أفلاطون في الفصل الثالث من كتابه " الجمهورية" حين أعلن الفرق بين السرد الصرف والمحاكات، يراه تودورف بأنه تمييز غير كافي، إذ لابد من رابطة لتجلياته بداية من التمييز بين الذاتي والموضوعي في اللغة الروائية. كما نشير إلى حديث جرار جنيث في كتابه "حدود الحكي" الذي يثير قضايا حدود الوصف الداخلية التي تميز بين الحكي والعرض المشهدي.

ونؤسس على هذه النفحات رؤيتنا لهذا العرض الذي نرى فيه اتجاها محددا يتمثل في تطرقه لجانب من جوانب دراسة الخطاب الروائي ألا وهو الصيغة السردية. وفي هذا السياق سنحاول أن نتبع الخطوات التالية :

أولا بعرض تصور نظري لرائدين في التحليل للبنية السردية وهما "جنيت" و"تودروف" عن الصيغة ودورها، قد يكمن في اعتبارها أداة منهجية لرصد هذه القضية والتحقق من أهميتها ومكانتها في تحليل الخطاب الروائي، وثانيا لتقديم بناء ناجز لدراسة بعد الصيغة في الأعمال ذات الطبيعة السردية المتمثلة أساسا في نماذج رواية مغربية، لدى فالعمل الذي نروم القيام به يستند إلى جملة أفكار وآراء منظرين و أساتذة لهم حظ وافر من الدراسات في مجال السرديات من أجل تجاوزها نظريا وإبداعيا والحسم في جملة التساؤلات التي تطرحها فروقات الإستعمال. فما هي الصيغة؟ وما تحدياتها العامة؟ وما مدى إستيعاب الروائيين المغاربة لها إجرائيا؟

الفصل الأول :

مقولة الصيغة عند " ترفيتان تودروف" و" جيرار جنيت"

1- ماذا يرى تودروف في الصيغة ؟

لقد استخدم تودروف مقولة الصيغة في مقولات الحكي كما نبهنا في البداية إلا أنه يقدم مفهوما بديلا عنها في كتابه " الأدب والدلالة"1 وهي سجلات القول ويفترض بأن هناك سجلين أساسين هما العرض والسرد ويربطهما بالبويتيقا الكلاسيكية، ليخلص من هذا التمييز إلى المظهر الحرفي للقول الطاغي في المقطع السردي رغم وجود المظهر المرجعي. غير أنه سيعود سنة 1973 من جديد إلى استعمال مقولة الصيغة معتمدا على ما جاء به "جنيت" من إغناء وإثراء لمقومات الخطاب الحكائي ضمن كتابه "خطاب الحكاية" ويعمق في ذلك حين يسوق مثالا في روايته " التربية العاطفية": مثال (ودَلَفوا إلى شارع كومارتان عندما انفجر خلفهم فجأة صوت شبيه بقعقعة قطعة ضخمة من الحرير تتمزق، كانت تلك  مذبحة شارع الكابوسين)2 ، مؤكدا أن هاته الجملة ضمن صيغة العرض التي نستشفها عن طريق الأسلوب المباشر أولا وعن طريق التمييز والتأمل ثانيا وهما معا من أقوال الراوي، لكنهما لا يلجان مجال صيغة السرد لأنهما يعجزان عن إبراز حقيقة خارجة عن الخطاب ومن ثم يكشف عن صورة الراوي وليس صور الشخصيات. وهنا يمكننا أن نتساءل أين يتجلى معيار التمييز بين السرد والعرض؟ وهل هو السارد أو الشخصية بقدر وجودهم ضمن العلاقة الرابطة بين الذات المتلفظة وموضوع تلفظها؟ أي بين الذاتية والموضوعية كما يراها " بيتفيست" و"تودروف". يقول تودروف في هذا المضمار: " يجب أن نتخلى إذن عن مطابقتنا الأولى للسرد بكلام السارد وللعرض بكلام الشخصيات للبحث عن أساس لذلك أكثر عمقا.. وسنجد هذا الأساس في التعارض بين المظاهر الذاتية والموضوعية في اللغة"3 معتبرا ذلك التمييز القائم بين السرد والعرض ليس شافيا، إذ لا مناص من العودة إلى التمييز بين الذاتي والموضوعي في اللغة، فإذا كان الكلام هو في الآن نفسه ملفوظا وتلفظا (énoncé- énonciation)، فإنه في هذه الحالة يرتبط الملفوظ بذات الملفوظ ويصير موضوعيا، في حين يرتبط التلفظ بذات التلفظ ويبقى ذاتيا، أي أن الكلام يتوزع بين الذات المتكلمة وموضوع الكلام.

وهكذا يمكننا الحديث عن صيغة موضوعية وأخرى ذاتية، فإذا هيمنت ذاتية المتكلم على الموضوع صرنا أمام خطاب ذاتي محض، وإن قل تدخل المتكلم نجد أنفسنا أمام خطاب موضوعي" فالذي يتحكم في ذلك هو السياق".4

وبهذا اللاتوازن الحاصل بين الخطابين، يمكن القول بأن ربط الذاتية بالأسلوب المباشر (العرض) والموضوعية بالأسلوب غير المباشر (وهو السرد) أمر متجاوز لما يمكن أن يحدث بينهما من تماس تقريبي. يقول تودورف: "فكلام السارد ينتمي عموما إلى محتوى التلفظ الإخباري... لكن حين يقرنه بتأمل عام، فإن ذات التلفظ تصبح ظاهرة، وبذلك يقترب السارد من الشخصيات" 5،  وبهذا أصبحنا أمام محاكاة لا أمام سرد رغم أن مصدر الكلام غير الشخصية الروائية. كما أكد أرسطو معتبرا الصيغتين معا أسلوبين من أساليب المحاكاة، تقوم المباشرة على ما أسماه " هنري جيمس" بالعرض وغير المباشرة بالحكي.

2- ما تصور جنيت للصيغة؟

في كتابه "حدود الحكي" يحدثنا في فصل منه، عن ثنائية القصة والخطاب، مبرزا من خلال صيغتي الخطاب ( السرد والعرض) الفروق بين الحكي والعرض المشهدي.

ينطلق جنيت من تحديد ثلاث مكونات للخطاب الروائي، وهي الزمن والصيغة ثم الصوت والذي يهمنا هو حديثه عن مقولة الصيغة، فيبين كونها تنطبق بشكل بديهي على مدة الخطاب السردي، شأنها في ذلك شأن مقولة الزمن النحوية، يقول: "مادامت وظيفة الحكاية ليست إصدار أمر أو التعبير عن ثمن أو ذكر شرط وإنما فقط قص قصة، وبالتالي "نقل" وقائع (واقعية أو خيالية)، فإن الأساسي على مستوى الخطاب الحكائي ليس هناك فرق بين الإثبات والأمر والتمني ولكن في درجة تغيير هذه الصيغ، واختلافها المعبر عنها بالتنويعات الصيغية"6، وهذه الوظيفة نفسها أثارها "ليتري" في تحديده للمعنى النحوي لمادة الصيغة، حيث يراها "إسما يطلق على أشكال الفعل المختلفة التي تستعمل لتأكيد الأمر المقصود وللتعبير عن وجهات النظر المختلفة التي ينظر منها إلى الوجود أو العمل"7، وهكذا فالحكي قادر على أن يروي كثيرا أو قليلا مما يريد حكيه أو حسب وجهة النظر هذه أو تلك، وهذا ما يمثل القدرة على الإستعمالات المختلفة للصيغة وأشكال ممارستها هي مبتغانا الأول عند الحديث عن الصيغة، كما يمكن للمحكي اقتناء السبل لضبط الأخبار حسب مؤهلاته المعرفية عند هذا الطرف أو ذاك في العمل، فالمسافة والمنظور هما المشكلان للقطب الروحي لهذا التنظيم الخبري السردي" المتمثل في الصيغة.

لكن، ماذا يحصل لو تعلق الأمر بوقائع وأحداث صماء ؟ ما دور المحاكاة إذن؟ لهذا كان الحكي شفويا أو كتابيا هو حدث لغوي. إن الجواب واضح في قول "جنيت": "واللغة لا  يمكنها أن تحاكي ببراعة إلا اللغة"8 ، ويميز بذلك بين خطابين: خطاب الأحداث( السرد) وخطاب الأقوال ( العرض ).

ففي خطاب الأحداث يشير إلى مقطع سردي من هوميروس لأفلاطون: " لما سمع الشيخ تلك التهديدات خاف فمضى صامتا، و لكنه ما إن خرج من المعسكر حتى رفع تضرعات حارة إلى أفولون"9. فتتضح لنا الطريقة التي تظهر بها أقوال الشخصيات، ليحضر بكثافة "هو" كضمير للراوي. وقد لاحظ جنيت بأن هذا لايضمر المحاكاة أو يحضرها، لأنها مفهومة بارتباطها الوثيق بالعصور والتاريخ" فكمية الأخبار القصوى ترتبط بسرعة سردية دنيا"10 . أما على مستوى خطاب الأقوال فسنرى أنه رغم اعتبار المحاكاة اللغوية للأحداث غير اللغوية وهما وتخيلا، فإن الأمر يختلف بالنسبة لمحكي الأقوال، حيث نخضع أنفسنا لهذه المحاكاة المطلقة، وهنا تكمن الصعوبة في التمييز بين اللغة المحكية واللغة الحاكية، فحين سمعنا قول الشخصية في عمل ما، فإننا نسلم بأنه كلامها فعلا، بالرغم من أن السارد هو المتكلم، أي أن " السارد هنا لا يحكي جملة البطل، ويمكن القول بصعوبة إنه يحاكيها، إنه ينسخها من جديد، وبهذا المعنى لا يمكن الحديث عن سرد" 11.

وعلى هذا المستوى يرى جنيت تمييزا بين خطاب هوميروس وخطاب أفلاطون في إعادة كتابة مقطع هوميروس مع غياب أقوال الشخصيات، فالأول منقولا بينما الثاني مسرودا، والثالث الذي يتوسطهما وهو غير المباشر. ولا يقف هذا التصنيف عند خطاب الشخصيات، بل يتعدى ذلك ليشمل خطابها الداخلي. يقول جنيت : "وهذا التقسيم الثلاثي ينطبق أيضا على الخطاب الداخلي كما ينطبق على الأقوال المنطوقة فعليا" 12، لهذا يميز جنيت بين ثلاثة أنماط من الخطاب: - الخطاب المسرود وهو الذي يشكل أبعد مسافة بين الخطاب وقائله، ومن ثم بين الخطاب وأصله. فعندما يقول بطل القصة: " وأخبرت أمي عن الزواج من "ألبرتين"13، فإن المسألة تتعلق بأفكاره لا بأقواله والملفوظ بإمكانه أن يكون مقتضبا وقريبا من الحدث العام الذي هو قرار الزواج.

- والخطاب المنقول: يتم فيه عرض أقوال الشخصيات بأسلوب غير مباشرة من طرف السارد، ويعد هذا الخطاب هو أكثر محاكاة. والمثال هو: " أقول لأمي بأنني سأتزوج من ألبرتين"14 وغياب الثقة في السار د لإخفاقه في إيصال حقيقة ما تود الشخصية التفوه له هو ما يضفي عليها نوعا من التحريف والافتراء عن طريق صهرها في قالبه الخاص.

- والخطاب المعروض، وهو الأكثر محاكاة من الخطابين السابقين، ومثال ذلك " قلت لأمي: يجب مطلقا أن أتزوج من ألبرتين"15 . وهذا الأسلوب نجده يشبه الكيفية التي حاكى بها هوميروس خطاب الشخصية الملحمية، كما تلفظن به أول مرة. إن السارد يتعامل باحتراس شديد ليترك المجال لكلام الشخصيات موهما نفسه بتنازله الكلي عن الكلام لصالح شخصيته.

ولعل هذا ما نلمسه في المشروع الجديد في الكتابة الروائية غايته الأولى تغييب ذات السارد وطلق العنان للخطاب كي يحاكي ذاته. وينتهي لنا هذا التحليل إلى أن مختلف هذه الأساليب المميزة تسعفنا بالدرجة الأولى النصوص لفهمها ومعاينتها لما لها من أثر بالغ على مستوى القراءة.

الفصل الثاني:

تجليات مقولة الصيغة في نماذج روائية مغربية.

تجدر الإشارة أولا بأن "صيغة الخطاب لا توجد منفصلة في التطبيق على الشكل الذي عرضت به حاليا على المستوى النظري" 16إذ أنه لا يمكن أن تستغل بنفس الدرجة من الاتضاح في الشق الإجرائي عبر النصوص." وإنما تأتي معقدة متداخلة أو ما يمكن أن يسمى بتركيبة الصيغ المختلفة، مما يجعل تحليلها يكتسي غالبا طابع الكشف عن نوعية العلاقات الكمية والكيفية المقامة فيما بينها داخل الخطاب الروائي المدروس"17.

2- الأفعى والبحر " لمحمد زفزاف .

 يعد "زفزاف" من خيرة الروائيين المغاربة الذين لهم صيت في كل بقاع العالم العربي الثقافي لتنوع كتاباته الروائية فرواية "الأفعى والبحر" التي ظهرت على السطح سنة 1979 عن المطبعة السريعة بالدار البيضاء والتي يبلغ حجمها 120 صفحة من الحجم المتوسط. تدور أحداثها حول قصة سفر الطالب الجامعي سليمان من المدينة الصاخبة الدار البيضاء إلى المدينة الصغيرة الصويرة، عملا بنصيحة أبيه السائق المتقاعد للاستجمام والراحة بعد عام دراسي مشحون وبعيدا عن مرأى أناس يثيرون إزعاجه، يصل سليمان المدينة حيث خالته هناك ويستقر معها، وكلها أحداث يعرضها السارد العارف بكل شيء، موظفا ضمير الغائب الذي يسمح له التحرك بكل حرية بينت جميع فضاءات وأزمنة المحكي بسهولة منتهية كما يصرح أحد المنظرين بقوله : " تسرد الرواية بضمير الغائب ( ...) السارد كلي المعرفة، فهو يستطيع أن يعرف عن شخصيات الرواية أكثر مما تعرفه عن نفسها"18.

وبهذا سيكون اهتمامنا متركزا على مقاربة مميزة لهذا العمل من ناحية صيغته السردية ومدى حضورها غير آبهين بالجوانب السردية الأخرى.

إن أول ما يقابلنا في تجربة محمد زفزاف هاته، هو كيفية عرض الأحداث على خط الزمن السردي وقد اعتمد التقديم والتأخير بشكل يبرز نوعا من التداخل والاختلاط في المقاطع والفقرات عكس مثلا روايته"المرأة والوردة" التي استهلها بأحداث تسلسلية متتابعة أنتج عنها تطابقا واضحا بين زمني الحكاية والخطاب في حين نراه يتحدث في رواية "الأفعى والبحر"عن الرحلة قبل سرد أسبابها ودوافعها، وبذلك" يكون قد قدم التحول وأخر الأسباب، بينما في الرواية السابقة قدم الأسباب وآخر التحول"19، ليكون السارد هو الأول والآخر الذي يتدخل في مستوى ترتيب الأحداث الزمني، حيث تتردد الأزمنة في سيرها منه الحاضر إلى الماضي أو من الحاضر في اتجاه المستقبل، كما نلاحظ وهذا مهم جدا هو غياب التطابق بين زمني السرد والحكاية. فإخبارنا بسفر البطل إلى الصويرة لم يقع إلا بعد إخباره بعد يومين، لذلك استعان بصيغة الماضي، وهذا ما يطلق عليه بالنسق الزمني الهابط، حيث الانتقال من رحلة تذكر الأحداث الماضوية القريبة إلى مرحلة تذكر أسبابها الأبعد  ماضوية، يقول موريس أبو ناضر: " يعرض لنا زمن الكتابة نهاية زمن الحكاية، ثم يبدأ بالنزول تدريجيا حتى يوصلنا إلى الأصل"20 ويبدو أن العوامل المحاكاتية ترجع بالدرجة الأولى إلى كمية الخبر السردي، فالرواية تتضمن أحداثا مكثفة، لا نعرف ما يخلج في ذات البطل لولا حضور السارد القوي على طول العمل الروائي ، فالعرض لا يمكن أن يكون إلا طريقة في القص وتتأسس على إفشاء سر كل ما يمكن أن يقع، أي أن البطل ليس هو المتكلم إنه السارد العالم بكل الحقيقة. ومن ثم فإننا نرى في رواية زفزاف هاته غلبة واضحة بتحفيز الأب الابن للسفر ونهاية بصدمته الحقيقية في فشله الذريع لتحقيق غايته وهي الانشراح وراحة البال، ووجهة نظره حول المفارقات المجتمعية في كل الأماكن. إضافة إلى ذلك نجد السارد يكشف لنا عن حقيقة نفسية البطل الباحث عن الهدوء والخلود إلى السكينة والانطواء، لذلك فسفر الابن بمثابة هروب من وضع متناقض صارخ. يقول السارد: "شعر سليمان بالتقزز، لأنه لا يحب هذا النوع من الناس البرجوازيين التافهين"21، إنه تعبير صريح عن موقف عدائي اتجاه ذلك التناقض السلبي الذي دفع بنا لتعميق النظرة لدى سليمان، والتي تعكس بجلاء القناعة النهائية التي خلص إليها من هذا السفر واقتراح الحلول الناجعة لتخليص البلد بكليته من كل هذه المضاعفات المهترئة. إننا أكثر من ذلك نتعرف على ما يجول في مخيلة سليمان، فرغم الغياب المطلق "لثريا" عن فضاء الرواية، فإنها حاضرة في طيفها وجسدها الرائع عبر الذاكرة كماض يحن إليه دون أن يجد بديلا عن الواقع المرفوض، وهذا ما يوجب على السارد استعمال ضمير المتكلم في بعض اللحظات لسرده الاستعادي أثناء تذكر سليمان لثريا وهي بعيدة عنه، إنها " نشوة التذكر"22 كما سماها "جنيت".

3- " شجرة الخلاطة" للميلودي شغموم .

" شجر الخلاطة" رواية تعكس الواقع المأساوي لمجتمع بأكمله، إنها فضح ونبش للممارسات العجائبية اللاإنسانية في فترة تاريخية محددة، حجمها لا يتعدى 126 صفحة من الحجم المتوسط، مقسمة على خمسة فصول، نشرت في ماي 1995 بمطبعة فضالة.

       إن أول ما صادفنا في رواية "شغموم" هو الإقصاء الواضح لخدمات السارد المسؤول الأول والأخير عن إيصال المحكي بكل حذافيره وحقائقه من أقوال وأحداث وأفكار: " فهذا– الكائن- يمثل صوته محور الرواية، إذ يمكن ألا نسمع صوت المؤلف إطلاقا ولا صوت الشخصيات، ولكن بدون سارد لا توجد رواية"23. وهو الأمر الذي جعل أفلاطون يرفض هذا الشكل السردي لأن الراوي يترك فيه الكلام للشخصيات، كما اعتبره أرسطو أسلوبا مختلطا شأنه في ذلك شأن الملحمة، حيث التمازج الحاصل بين الخطابين العرضي المباشر، والمنقول (إما أن تتكلم الشخصيات بصوت الراوي، وإما أن يتكلم الراوي بخطاب الشخصية) إنه كما أسماه تودورف "خطاب السارد وخطابات الشخصيات"24 فنحن إزاء نص الشخصيات "الجيلالي الخلطي" صاحب نظرية الشلل، و"مصطفى شيش كباب" صاحب نظرية الأسماء، التقيا في الدار البيضاء التي قصدها الجيلالي تلبية لدعوة تلقاها من قريبه الشيخ "المعطي الكمنجة" ولأنه مشلول استأجر "هوندا" ( وسيلة نقل ) مصطفى شيش لنقله من "كراج" علال لسيدي عثمان مقر سكناه، وفي هذا الفضاء الضيق المغلق يولد حوار ثاخن من السلوكات اليومية التافهة إلى القضايا الإنسانية الكبرى.

ومن تم فإقصاء دور السارد هو في حد ذاته استغناء تام عن جملة التفاصيل الزائدة التي لا أهمية لها سوى تقديم التعليق والوصف، ولأن القارئ هنا يشكل حضورا أكبر لوهم المحاكاة، وهذا ما يعطي الاعتبار للقراءة كخطوة لسد البياضات التي تتخلل مقاطع النص المنبثقة عن ضعف حجم تدخلات السارد، ووظائفه التعبيرية الفضلى، وهي بياضات تتطلب تدخل القارئ المتفطن لدورها في فهم قراءات المحكي المفتوحة على احتمالات واسعة. يقول الروائي "شغموم" تعليقا على هذه الفكرة: " أنا لم أستطع لحد الساعة أن أفهم كيف يفتح المرء كتابا لينام، فهذه قمة العبث أكبر إهانة للكتاب والكتاب."25

وفي سياق تكثيف خطابات الشخصيات وحواراتها داخل النص أو ما أسماه الروائي شغموم "بالحوار الوظيفي"26، يتعين على الشخصيات أن تقوم بكل المهام الوظيفية من تقديم وتعريف ووصف للأمكنة والأزمنة وكذا المهام الموكولة بشكل مسبق لخطاب السارد. إنها سيدة الموقف في كل الأحوال، ومن ثم أصبح خطاب الشخصيات أداة للجمع بين وظيفتي السرد والعرض في صيغة تعبيرية واحدة كما يتجسد ذلك في حكي استرجاعي حواري، يقول "مصطفى شيش" تلبية لرغبة "الجيلالي": "إحك ..ياسيدي .. ماذا وقع للقيطة- الهوندا-؟ أوقفتها في كراج علال- ويقيت بداخلها أنتظر زبونا طول الصباح، لا أحد ..نزلت، وأخذت أصيح مع الصائحين:"هوندا...هوندا..بلاصةلسيدي عثمان..بلاصة لبرشيد..بلاصة للصين...للهند ...لليابان...بلاصة لوجه الله .. بلاصة بالمجان.. بلاصة.."27.  مشهد آخر يختلف عنه هذا من زاوية الوظيفة السردية، فلن يكتفي بنقل الأحداث غير اللغوية أو"محكي الأحداث" يقدر ما سينقل لنا الوقائع اللغوية في حوار دار بين الجيلالي، ومصطفى شيش: " لزمت غرفة بسطح بيتنا مدة شهور عديدة، وحين أردت الخروج منها وجدتني مقعدا.

- غريب ... ولماذا لزمت تلك الغرفة؟؟

- في البداية: لأنني لم أجد ما أفعله غير القراءة

- ثم؟ ثم لم أعد أشعر بالحاجة إلى الخارج...." 28.

هذا المقطع ما هو إلا إبراز لأزمة "الجيلالي" النفسية، حين لزم الغرفة لمدة شهور متتالية أصيب بعدها بالشلل بسبب الإحباط والفشل واليأس.

لقد استطاع الروائي إذن في هذا العمل بحدسه الفني، أن يشخص البداهات المقتبسة من أقوال الشارع تشخيصا أدبيا تعكسه المحاورة الكلامية بين الشخصيتين المتحاورتين، لاتخاذه مجموعة إجراءات تضبط الحوارات على امتداد العمل الروائي. فتفادى الهفوة التي يحدثها تدخل السارد كعنصر وسيط بين الشخصيات الروائية والمتلقي، مما يكسر العلاقة الرابطة بينهما بمنأى عن أي وساطة تنفي " الصدمة  التعبيرية القوية لخطاب الشخصيات المباشرة بعد تحويله لخطاب غير مباشر منقول من طرف السارد"29. وهو ما أكده "بيرسي لوبوك" في حديثه عن إيجابيات العرض المشهدي: " ولما كان على القصة أن تبدو صادقة،  فمن الواضح أن ذلك لا يتحقق بمجرد القول، فإذا ما كان الصدق الفني مسألة تصوير ملزم أو خلق إبهام بالواقع، فإن المؤلف الذي يتحدث باسمه عن حياة الشخصيات ومصائرهم، إنما يضع عقبة إضافية بين الوهم والقارئ بمجرد وجوده. ولكي يتخطى هذه العقبة عليه أن يقلل من وظائف صوته بشكل أو بآخر" 30.

وبهذا نستشف المساهمة الإيجابية لهذه الصيغة التعبيرية في خلق توازن نسبي بين المقاطع الروائية من جهة إيقاعها السردي، كأن نسرد لحظات قصيرة في صفحات كثيرة، وأياما وسنوات في صفحات قليلة.

إن رواية "شجر الخلاطة" تندرج ضمن إطار مشروعي إبداعي نوعي يتسم بالعبقرية في صياغة أدبية متميزة للجنس الروائي من شأنه أن يشمل الرهانات الفكرية أكثر من الشكلية، وذلك من خلال إضفاء الملحمي والدرامي عليها وتهذيبها من أية شوائب كلاسيكية تمس الكاتب وتسقط من كفاءات القراء.

 

خـــاتـــمــة

وختاما، يمكن القول انطلاقا من دراسة "تودوروف" و"جنيت" النظرية للصيغة في مرحلة أولى ومقاربتنا في مرحلة ثانية لأعمال روائية مغربية، بأن التجربة الروائية المغربية قادرة على توظيف معطياتها الشكلية والفكرية الخاصة على التصورات النظرية العامة، وذلك- طبعا – لا يتحقق إلا بوجود كفاءات نقدية موفقة محملة بجملة من الأسس القائمة لخدمة الأعمال المدروسة من زاوية تضيف مفاهيمها وإجراء أدواتها دون أي بتر أو تشويه.

لقد كان عرضنا بمثابة إبراز حقيقي لتجليات مستوى من مستويات دراسة الخطاب الروائي، وهو مقولة الصيغة النحوية، ولما لها من علائق قائمة فيما بين أسلوبي السرد والعرض. فاللفظة والمقطع لا يأتيان جزافا أو صدفة، وإنما لهما وظائف وتقنيات وأشكال في الإيصال والإخبار والتبليغ. وأظهرنا من خلال النموذجين الزفزافي والشغمومي- إن صح التعبير– دورها في تحديد أشكال الفعل على امتداد التجربة الروائية من تنوع الخطابات واختلاف مغزاها وأبعادها الخفية، ومن ثم تكوين فكرة نظرية ممنهجة عن هذا الصنف التعبيري المهم في الساحة الإبداعية. وما هذا إلا احتفاء بالأعمال الروائية المغربية في إثرائها للحقل الإبداعي العربي، ونوعية مساهمتها العبقرية في الإبداع العالمي المعاصر.

وفي آخر المطاف لا يسعنا أن نقول إلا ما كتبته كوبرات- أوركاشوني- نقلا عن تودوروف الذي يصرح بأن "مقولة الصيغة من الطبيعي جدا أن تكون أكثر المقولات تعقيدا." 31



المرت

  T.Todorov : Littérature et signification .Ef . la Rouse. 1967. P 83  -1

2- سعيد يقطين، تحليل الخطاب الروائي، الزمن- السرد- التبئير، ط 1 ، المركز الثقافي العربي، 1989 ، ص: 173

3 - T.Todrove . In . op. Cit . P. 151

4- سعيد يقطين كتاب مذكور، ص: 173 

5-   T.Todorov. In. Op.Cit. P : 151- 152

6- جيرار جنيت" : خطاب الحكاية بحث في المنهج، ت مجموعة من الأساتذة، مطبعة النجاح الدار البيضاء، ط1، 1996 ، ص: 177

7- نفسه.

8 - G.Genette : Frontière du récit … l’analyse structurale du récit, Ed. Seuil, Coll, Points, P.161.

9- جيرار جنيت، مذكور، ص: 180

10- سعيد يقطين، مذكور ، ص: 178

11- G.genette : Op. Cit ; 1972, P : 190

12 - G. genette : Op. Cit, 1982, P : 191

13- سعيد يقطين، مذكور ، ص" 179

14- نفسه

15- نفسه

16- عبد العالي بوطيب، مستويات دراسة النص الروائي مقاربة نظرية، مطبعة المنية الرباط، ط1 1999، ص: 212

17- نفسه ص: 212

18- محمد عز الدين التازي: السرد في رواية محمد زفزاف، سلسلة دراسات تحليلية ص: 103 - 104

19- عبد العالي بوطيب، مستويات دراسة النص الروائي، مقاربة تطبيقية لنماذج مغربية، سلسلة دراسة وأبحاث 6 ، 2000 ، ص: 57

20- موريس أبو ناضر، الألسنية والنقد الأدبي، دار النهار للنشر، 1979 ، ص: 86 

21- محمد زفزاف، الأفعى والبحر .المطابع السريعة ، الدار البيضاء ، 1979.ص21

22- جيرار جنيت، مذكور، 1996 ، ص: 183

23- عبد الحميد عقار، وضع السارد في الرواية بالمغرب، مجلة دراسات أدبية ولسانية، عدد1 ، سنة 1985، ص: 24

24 - T.Todorive: les Catégories du Récite littéraire, in 14 analyses du récit, Ed, Seuil ; Point, 1981, P 150.

25- الميلودي شغموم ، حوار خاص، منشور بجريدة الاتحاد الاشتراكي، عدد 23 ماي 1995، ص: 12

26- الميلودي شغموم، حوار مذكور، ص: 12

27- الميلودي شغموم، " شجر الخلاطة" الطبعة الأولى 1995 ، ص: 98/ 99 مطبعة فضالة، المحمدية

28- نفسه

29- عبد العالي بوطيب، مستويات دراسة النص الروائي مقاربة لنماذج مغربية، ساسلة دراسة وأبحاث، 2006 ، ص: 103

30-  G.Genette,OP. Cit, 1972 P : 187

31- C.Kerbrat- Orecchioni : l’enonciation de la subjectivité dans le langage. Armand colini, 1980, P : 118





   نشر في 23 أكتوبر 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا