من أجل سمعة الوطـــــن... - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

من أجل سمعة الوطـــــن...

  نشر في 05 أبريل 2018  وآخر تعديل بتاريخ 14 أبريل 2018 .

دعاني عميد الكلية على عجل إلى مكتبه ليعلمني بأنّ مراقب المصاريف العمومية رفض التأشير على طلبنا استضافة الوفد الأكاديمي المغربي للعشاء بأحد أفخر مطاعم العاصمة. قدم الوفد المغربي في إطار مؤتمر علمي دولي دوري ننظمه بالتناوب مرّة في المغرب ومرّة في تونس.... كان العميد في غاية الحرج خصوصا وأنّنا حضينا بكرم مغربي لا يوصف لمّا كنّا هناك، وقال أنّه خاطب الوزير ليشرح له أنّه لا يليق بنا وبدولتنا أن لا نردّ الجميل، فخيّب الوزير ظنّه واكتفى بالإشارة إلى ضروروة الالتزام بالقانون... اقترح رئيس القسم أن ندعو ضيوفنا على حسابنا، فالتفتّ إليه ساخرا من غباوته وعلّقت بصرامة: "لا قدرة لي على دفع نصف راتبي في عشاء ليلة" والتفتّ إلى العميد: "لا عليك يا حضرة العميد، سأتدبّر الأمر بنفسي... أعط تعليماتك للمسؤول المالي بحجز عشاء لخمسة عشر شخصا. واعتبر الأمر في حكم المقضي"...

قلب العميد شفته السفلى ورفع أحد حاجبيه مستغربا. ولكنّني غادرت مكتبه متعمّدا رسم ابتسامة لطمأنته...

حال وصولي إلى المكتب، هاتفني العميد ليخبرني أنّه من موقع المسؤولية الإدارية والأخلاق الأكاديمية لا يستطيع المجازفة بالذهاب في ما اقترحته عليه. أجبته بكلّ ثقة "لا عليك، سأتولّـــى الحجز بنفسي. المهمّ أن تكون حاضرا في المطعم مساء الغد، لأنّه لا يليق أن تعتذر."

كنت أوّل الواصلين إلى المطعم لأتفقّــد الطاولات المحجوزة، وأوصي ببعض الإجراءات الاحتياطية. وصل الزملاء مرفوقين بالوفد المغربي بعدما مرّوا إلى الفندق لاصطحابهم.

كانت علامات الإعجاب بجمال المكان وبرفعة الذوق في تزويقه بادية على وجوه الضيوف. أعطاهم رئيس النوادل بسطة خاطفة عن تاريخ هذا القصر التركي الذي يأوي المطعم. ووزّع عليهم كتيّبا باذخا يروي قصّة المبنى بالكلمة والصورة...

هاتفني العميد ليتأكّد من وجودنا في المطعم فأجبته بنعم وحتّى أقطع شكّه باليقين مرّرت له رئيس النوادل ليشرح له كيفية الوصول إلى المطعم الواقع في حواري المدينة العتيقة. فقال أنّه سيكون بيننا بعد عشرين دقيقة.

جلسنا في صحن الدّار المغطّى بحديد مشبّك تتمدّد فوقه شجرة ياسمين عملاقة، وحجزت مكانا للعميد إلى جانبي. كانت هناك نافورة ماء رخامية تتوسّط صحن الدار وتفصل طاولتينا عن موسيقيين مسنّين ارتدى كلاهما الجبّة والشاشية التونسيتين وراحا يعزفان سمّاعيات وبشارف من المالوف الأندلسي. تعرّفت في وجوه الحاضرين على وزير الزراعة الذي كان يبدو أنّه يستضيف وفدا رسميا رفيع المستوى. وفي زاوية أخرى كان هناك مخرج سينمائي مصري معروف مع مجموعة من الفنّانين من ذوي الشعور الطويلة المشدودة إلى الخلف.

لمّا وصل العميد وفرغ من اعتذاراته على التأخير، فتح رئيس النوادل بنفسه زجاجة النبيذ معطيا إشارة انطلاق المأدبة.

لم يتوقّف زملاؤنا المغاربة عن الثناء على الأكل وإجراء المقارنات مع أطباق شبيهة لديهم. وكنّا في كلّ مرّة نصل إلى أنّ المتشابه بيننا هو من أصل أندلسي، أمّا المختلف فهو من أصل تركي. وفي الأثناء كان العميد يرمقني بتوجّس ويدوس على قدمي دون أن أفهم قصده... وفي غفلة منه لمّا كان يتحادث مع الجالس على يساره سحبت من جيبي ورقة صغيرة مطوية بعناية وفتحتها دون أن أجلب اهتمام أحد...

عندما استدار العميد ناحية صحنه وهمّ بتناول آخر قطعة سمك لمح تلك الخنفساء السوداء الصغيرة في صحنه. تراجع إلى الخلف فزعا، ولكنّه سرعان ما تماسك وانحنى يوشوش في أذني. أشرت عليه أن يتظاهر بالذهاب إلى الحمّام، ومن ثمّة يتّصل برئيس المطعم ليعلمه بالأمر دون إثارة انتباه الضيوف، "لأنّ سمعة تونس في الميزان" أكّدت...

وسرعان ما حضر نادل ليسحب بهدوء صحن العميد وتتواصل المأدبة التي كانت قد شارفت على النهاية....

كان رئيس المطعم واقفا عند الباب يودّعنا واحدا واحدا. وفي الأخير استوقف العميد فحشرت نفسي معهما، وأخذ يشكر العميد على ضبطه لنفسه، ويعتذر عمّا حصل ويؤكّد أنّهم سيتحمّلون الفاتورة على حساب المطعم...

لمّا صرنا خارج المطعم، قال لي العميد مزهوا بنفسه: "ها قد أنقذتك خنفساء صحني من دفع راتبك لثلاثة أشهر يا أستاذ". شكرته بامتنان، وأكّدت له أنّ الدراسات العلمية تتنبّأ بأن تصير الصراصير والخنافس من الأغذية الأساسية للإنسان في السنوات القادمة خصوصا وأنّها غنية بالبروتينات ويبدو أنّها لذيذة المذاق...

من الغد، دعاني عميد الكلية على عجل إلى مكتبه ليعلمني بأنّه تلقّى ظرفا من المطعم فيه رسالة تشرح أنّ كاميرا المطعم سجّلت ما حصل وقرصا إلكترونيا يتضمّن نسخة ممّا سجّلته الكاميرا وفاتورة عشاء البارحة للخلاص...
قلت للعميد "لقد فعلت ما فعلت من أجل سمعة الوطن" فردّ مشاكسا: "من أجل سمعة الوطن، بإمكانك أن تتغذّى طيلة الشهور الثلاثة القادمة بالصراصير والخنافس فهي غنية بالبروتينات ويبدو أنّ مذاقها لذيـــذ."


  • 2

   نشر في 05 أبريل 2018  وآخر تعديل بتاريخ 14 أبريل 2018 .

التعليقات

Amin Almitwaliy منذ 8 شهر
قصه جميلة جدا .. حقيقية ام من وحي خيالك ؟
0
جلال الرويسي
خيال واقعي يا صديقي
Salsabil Djaou منذ 8 شهر
اضحكتني فعلا ، قصة راااائعة ،تحياتي.
0

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا