الخلود ,, عذاب لا يُطاق - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الخلود ,, عذاب لا يُطاق

  نشر في 26 يوليوز 2021 .

الخلود ,, عذاب لا يُطاق

ربما أكثر من يدرك اليوم أن المستقبل أحجية عظيمة هم علماء الفيزياء , العالم كما نعرفه اليوم وبالأمس وما يمكن أن نتخيله في الغد , هو مغاير تماما لما يمر ببال علماء الفيزياء , قد يدرك البعض منا من البسطاء صورة ولو مشوشة لذلك المستقبل الغير متوقع , ولكن العارفين بالفيزياء ينظرون إليه بصورة نتمنى صدقا ألا ندركها , عالمنا كما نعرفه اليوم وبالأمس بسيط جدا , يسير بخطوات رتيبة يحكمها المنطق والتوقعات المنطقية , ومسلمات لم نجرؤ على التمرد عليها أو مناقشتها وليس لنا إلا القبول بها .

بالأمس القريب (بالنسبة لهذه الحقبة التاريخية التي نعيشها) , نرى الشاعر زهير بن أبي سلمى يقول :

سَئِمتُ تَكاليفَ الحَياةِ وَمَن يَعِش

ثَمانينَ حَولاً لا أَبا لَكَ يَسأَمِ

لقد سئم زهير من الحياة عند الثمانين , ولو تأملنا تلك البيئة التي عاشها زهير ربما نجد مبررا لذلك السأم , فحياته الثمانين تمضي بين الرمال والارتحال والجلوس بالساعات أحيانا تحت ظل خيمته , أو يقطع الفيافي على راحلته لا يملك إلا أن يدندن بشعره أو يتحدث لراحلته , من الصعب جدا أن نتخيل اليوم أن نعيش بتلك الطريقة ونحن يسرقنا الوقت تماما اليوم ويغرقنا في كل تلك الحياة المدنية بكل تقنياتها ومشاغلها ووسائلها الترفيهية , هل يتخيل أبناؤنا اليوم كيف يقضي زهير ساعات نهاره وبعض ليله بدون أن ينحني على جواله أو أمام القنوات الهائلة أو يجلس في مقهى يستمع للموسيقى الصاخبة ويقلب بصره بين المتواجدين على اختلاف مناحيهم , هل يدركون كيف يقضي زهير وقته دون أن يجلس في مطعم يلتهم الهمبورجر ويثرثر مع أصدقائه عن عشرات المواضيع التي لم يسمع بها زهير يوما , ربما عاش زهير طفولته الطويلة يراقب الأيام والساعات وهي تمر ببطء قاتل , ولكن من المؤكد أنه ابن بيئته كغيره من أبناء ذلك العصر , هذه حياتهم ولا يرون غيرها فيتقبلوها , هل تعتبر فترة الصبا التي قضاها زهير هي نفس فترة الصبا التي يقضيها أبناء اليوم ؟

وهل يشعر أبناء اليوم بالملل والرتابة بالرغم من كل تلك الوسائل والتقنيات ورفاهية الملبس والمأكل والمركب وتقارب العالم لحجم كف اليد الواحدة ؟

أكاد أجزم أننا لو سألنا شباب اليوم تحت العشرين , ماذا تذكر من طفولتك حتى هذه اللحظة , لقال كلمات قليلة وكأنه يتحدث عن قصة قصيرة لم تتجاوز الدقائق , نعم فالرتابة التي يعيشها جيل اليوم بكل صخبها وتقنياتها لا تختلف كثيرا عن الرتابة التي عاشها زهير بن ابي سلمى ذات زمن .

الإنسان لا شك ابن لحظته , ويمكن أن ينظر للماضي في ثواني معدودة ويرصده في لحظات قليلة , فشاب العشرين سيفيق فجأة وهو ابن الأربعين , ثم يفيق فجأة وإذا هو ابن الستين , ثم لا يلبث أن ينتبه وهو ابن السبعين والثمانين , وتظل فكرة السأم بيننا وبين زهير معقدة , فزهير قضى تلك الثمانين بين رمال وخيمة وترحال ورعي إبل وغنم وربما غزوات وإنشاد الشعر , ونحن اليوم نكاد ندور في نفس الدائرة وربما اضيق كثيرا من دائرة زهير رغم اختلاف العصر والبيئة والتحضر والتقنية , فجيل اليوم سيفيق ويجد نفسه قد أمضى جُلّ الثمانين حولا وهو يحني رقبته فوق كفيه التي تحمل العالم بين يديه , وقد لا نبالغ في هذا , فانظر حولك في كل مكان ابتداء من بيتك وانتهاء بخارج منزلك من مناسبات وأسواق ومستشفيات ومقاهي ومطاعم وحتى الجامعات والمدارس , والأدهى والأمر أننا نلاحظ هذه الظاهرة ولا ننتبه أنها ظاهرة تعتبر وليدة نسبيا خاصة في مجتمعنا الذي كان منه ذات زمن زهير بن أبي سلمى ,

فالكثير ممن جاوزوا الأربعين يتذكرون أن الجوالات لم تكن بأيديهم وهم شباب , فتخيلوا معي هذا الجيل الذي نراه ونربيه وقد غرقوا في بحره وهم لم يتجاوزوا ربما العشر سنوات , كيف نتخيل هذا الجيل بعد مرور أربعين عاما أخرى وقد انطوت سنوات عمرهم وهم ناكسوا رؤوسهم فوق أكفهم يتجولون في عالم افتراضي أدمنوه بشكل مرضي غالبا , ما هو القدر الممكن اختزانه من ذكريات حياتهم بعد أربعين أو خمسين عاما من تلك الحياة ؟

هل سيتسلل السأم لحياتهم ذات يوم وهم يصحون عند أعتاب الثمانين ؟

لقد كانت الساعات والأيام تُطوى من بين أيديهم ولم يتوقفوا لحظة لمشاهدتها تمر أو ماذا تعني لهم , إن شهرا عاشه زهير يُقدّر بتلك الثمانين حولا التي سيعيشها أبناء اليوم .

( فلنتخيل) , ما هي الصورة التي يمكن أن تمر بخيالنا لو أن عالم الفيزياء تدخل ليطوي لنا فكرتنا عن الحياة والموت ليدخلنا في حقبة زمنية تختل فيها الموازين المعروفة , سواء بالوصول لفكرة الخلود أو الانتقال لعوالم متوازية كلما كبر الإنسان فيختار العمر الذي يريد والحياة التي يرغب وربما عالم تختلف فيه كل القوانين التي نعرفها , هل سنواجه ذات السأم الذي تحدث عنه زهير ؟

هل يمكن أن نجد الإثارة والتشويق والتغيير في مراحل الحياة المختلفة وإن طالت ؟

هل نستطيع التسلل من قبضة التقنية التي تفصلنا عن إحساسنا بالوقت في حيوات أخرى ؟

الإنسان ومنذ فجر تاريخه تعايش مع الموت وتملكه الرعب من ذلك التحول الذي يحول البشر من طاقة تنبض بالحياة والسعادة والمشاركة والحركة , إلى ذلك الشيء الممدد على الأرض كجذع شجرة شاحب الوجه ثم تنبعث منه رائحة كريهة ثم يتحلل ويتحول إلى تراب , عندها بدأت أفكاره تبحث عن خروج من تلك الحالة الغريبة , فحاول بالسحر ثم التقرب للآلهة لتحميه من الوصول لتلك الحالة الغريبة , ثم ظهرت محاولات إيجاد الحلول عن طريق الأعشاب والخلطات المختلفة , فمن الفراعنة والصينيين والهنود إلى بقية شعوب الأرض تكررت المحاولات لإيجاد ما يُعرف ب(أكسير الحياة) , وقد حاول العديد من ممارسي (الخيمياء) إيجاد ذلك الأكسير , ولكن محاولاتهم ذهبت أدراج الرياح .

ربما وأشدد على (ربما) , سنقف غدا على مشارف عالم أخر , عالم لا يمت لعالمنا بصلة من قريب أو بعيد , عالم تحملنا فيه الفيزياء لما يشبه الخلود ( وهذا لا يعني عدم الموت لأنها سنة كونية كتبها الله على البشر) , ولكن قد تعني حياة طويلة جدا أو مجموعة حيوات تنتقل من عالم موازي لآخر , ذلك العالم قد لا ندركه نحن اليوم , ولكن قد يدركه أبناؤنا غدا , فهل ستكون تلك الأبدية مقترنة بالسعادة والرضا والراحة الروحية , هل ستكون تلك الحياة الطويلة خالية من ممارسات البشر الحتمية من حروب وتنافس وظهور الكثير من الأمراض والأوبئة والفقر واضمحلال الموارد والانفجار السكاني الهائل ؟

هل ستحل العوالم الموازية كل تلك المخاوف أم ستزيدها سوءا على سوء ؟

ربما نحن اليوم نخاف من أن تطول بنا الأعمار لما يقترن ذلك بالتقدم في العمر وتسلل العجز إلى أجسادنا وعقولنا مع كل عام يمر , وبعد أن كنا مسيطرين على قراراتنا ونرعى من حولنا فجأة نصبح حملا ثقيلا عليهم ونحتاج لمن يرعانا ويواسينا , حتى يأتي وقت نتمنى الموت قبل أن يتمناه لنا من نحبهم .

ربما يكون (الخلود أو امتداد العمر) مقبولا في حالة استمرار الشباب و الصحة وظروف بيئية وصحية واقتصادية وسياسية حسنة , وربما يكون عبئا نفسيا ثقيلا لاستمرار الحياة بلا نهاية , ومن المؤكد أنه سيكون عذابا لا يطاق لو وُجد في ظل حياة مليئة بالصعاب المختلفة .

ولكن مهما طالت بنا الحياة سيأتي وقت ونتمنى أن نغمض أعيننا لنرتاح .



   نشر في 26 يوليوز 2021 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا