أيلول.. ورسائلي المنسية.. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أيلول.. ورسائلي المنسية..

  نشر في 06 شتنبر 2017 .


أبي..

"لا تخبرهم أني امرأة رزينة،، دع الأقنعة تسقط.. وأخبرهم الحقيقة...

أخبرهم أن امرأة تخاطب الفراغ مثلي.. وتعتزل العالم في سبيل فكرة واحدة.. حظها من الوجود عانس..

أخبرهم بالذي نثرته هنا من أجلك.. ولا تحاول الدفاع عني .. ولا تجعلني ألعب دور بطولة مزيفة بعد رحيلي.. وأنا لم أفعل ذلك حتى وأنا أحاول أن أكتب شيئا يشبه رواية وليس برواية.. لم أكن يوما بحضرة نصوصي تلك البطلة البريئة والجميلة، والأنيقة.. بقدرما حرصت دوما أن أبدو خلف حروفي بليدة وغبية.. لم أتخل عن قطعة القماش التي توحي للجميع أني ناقصة دين وعقل.. ارتديتها في كل المناسبات وتزينت بأكسسواراتها... كي لا أبدو مختلفة عن سائر نساء العالم والمحيط الذي أصارع فيه الحياة من أجل الحياة .. وإنما كي أبدو أكثر بلادة وغباء من الكل... مادام المجتمع في نهاية المطاف لا يرحم...

أخبرهم بكل شيء ولا تنس شيئا... قل لهم أني ضعيفة وضعيفة جدا... قل لهم ذلك بكل فخر و اعتزاز فأنا في عز لحظات قوتي كنت أعترف بضعفي بكل ثبات وجرأة... لم أكن أخاف شيئا ولو أن الخوف في الحقيقة كان يؤدي مناسك الحج والعمرة بأعماقي مرة كل صباح... لكني لم أحاول أن أظهره أبدا.. وعلى الرغم من كل الآلام الذي كنت أتكبد عناءها... لم أجرؤ يوما على الإستسلام... والذي يربطني بالحياة أقوى من كل هاجس يعترض سبيلي..

وإني أحب الحياة يا أبي... لكن الحظ يخونني.. ولا يحالفني.. بل ولا يقف بصفي... حتى أضحت حياتي غير متوازنة إطلاقا... وكلما عبرت عن ذلك ببضع كلمات.. أحاول من خلالها الترويح عن نفسي ونسيان عذابي ما استطعت... يربطون المسألة بالبعد عن الله... والله في قلبي حي لا يموت... لوجوئي إليه عزائي الوحيد بهذا العالم.. وبحضرته فقط أشعر بالسكينة والطمأنينة... لكن ما بال العالم لا يفهم يا أبي..؟ ما بال هذا الوجود يصدق الترهات دوما ويسعى لتأييد الباطل و وإقبار الحق؟ ... ما باله يذكرنا نحن الفقراء إلى الله به ونحن أعلم بوجوده ووحدانيته منهم..؟

أخبرهم يا أبي أني على طريق الله أسير... وأشهده أنه الحق سبحانه...و أخبرهم بكل الذي كان مني هم الذين لم يكلفوا أنفسهم يوما عناء السؤال عني...

لا تخفي عنهم شيئا.. فهم متلهفون لمعرفة أسراري.. أخبرهم أني كنت فاشلة عاطفيا.. وبحضرة الحب تحطم قلبي مرة باسم الجبن والجنون والغباء.. ومن وقتها وأنا أحمل الحب بأعماقي.. انثر بذوره هنا وهناك... تلك البذور التي تنبث بتربتهم ولا تفعل بتربتي . فأي ذنب ذاك الذي ارتكبته حتى أصبحت اليوم لا أرجو شيئا.. غير أن أنعم براحة أبدية.. تقطع كل روابطي بهذا العالم... لا أريد أن تكون تفاصيلي متاحة للجميع.. ولا حتى أشيائي لا ينبغي لها أن تصير ملكا لأحد.. أريد أن تموت ذكراي كما يموت الجسد... و حتى هذه الأوراق التي تطالع الآن أحرقها.. ولا تهتم.. بل وأحرق كل نصوصي وكومة الأوراق التي تحمل يومياتي.. أحرق ألامي يا أبي.. دع الحسرة تحترق.. ودع الحلم يودع غرفتي لآخر مرة.. فأنا لن أعود لأكون روائية كما طمحت دوما.. ولن يكون اسمي اسما يتغنى به العرب والأمازيغ... لن أنثر هموم المرأة الأمازيغية بعد الآن .. ولن أدافع عن هويتي كما يحلو لي... لن أرفع بوجه الأجانب تلك الشارة التي ترمز لثقافتنا التي لا نعرف عنها غير لغة غير سليمة ابدا... كلمة بالأمازيغية وأخرى بالعربية وأخرى بالفرنسية.. فعن أي لغة إذن نتحدث..؟ أ عن تلك التي سلبت منا غصبا.. أم تلك التي سلبناها من أنفسنا بكل ثقة وقناعة تامة.؟

لم تعد الهوية ولا اللغة بالإشكال الكبير بالنسبة لي.. ما دمت قادرة على القول بأني أمازيغية... لكني لا أستطيع أن أقدم لهذه الهوية شيئا ولا أن أناضل في سبيلها كما الحال بالنسبة للكثيرين .. وأنا مجرد امرأة فاشلة.. تحول كآبتها دون بلوغ منتهى سعادتها.. أنا امرأة محايدة على الرغم من تمردي يا أبي... حتى أني لم أعد تلك الطفلة التي كنت تمسك بها من يدها بقوة كي لا تضيع منك.. وأنت ترافقها إلى حيث تريدان أن تذهبا سويا.. لم أعد تلك الطفلة التي كانت تأكل أكبر عدد من قطع الجبن والشوكولاتة.. ولا حتى تلك التي كلما وبختها أمها ارتمت بحضنك تسألك الآمان وتسألك العدل ... كنت الرجل الوحيد الذي أشعرني أن عباءة الحب تليق بها مقاساتي أيضا... ولا تزال... على الرغم من كل الحواجز التي وضعها الزمن بيننا... ففي الوقت الذي كان فيه غيري من النساء يعانقن أمهاتهن كنت أعانقك أنت أبي... وفي كل الأماكن التي تتواجد فيها النساء كنت ترافقني ولا تبالي.. وإن اقتضت الضرورة أن ترافقني امرأة... كنت تجازف بكل شيء كي لا أشعر بالحرمان أبدا... وكيف لا تفعل ذلك وأنت أول الأوطان وآخر المنافي؟.. فهل تراك ستخبرهم بهذه التفاصيل الصغيرة؟ هل تخبرهم بالذي كان بيننا من حب وصداقة؟ أم تراك ستلتزم الصمت معلنا الحداد على روحي..؟

أخبرهم.. فأغلبهم لبناتهم ظالمين..."


  • 1

   نشر في 06 شتنبر 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا