العلم في منظوره الجديد .. بقلم مهدي جعفر - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

العلم في منظوره الجديد .. بقلم مهدي جعفر

  نشر في 10 يونيو 2017  وآخر تعديل بتاريخ 11 يونيو 2017 .


  نظرا لقيمة بعض البراديغمات التفسيرية المعاصرة لفهم المضامين الإجتماعية و الدلالات العقدية للعلم و الفلسفة ، آثرنا الإهتمام و عمل قراءة في بعض أهم الكتب التي تعرض لهذا الإتجاه الذي يقرأ تاريخ العلم بطريقة جديد تمايز ابستمولوجيا بين فترة و أخرى فيه ، هذا الكتاب هو "العلم في منظوره الجديد" لإثنين من الباحثين الكنديين .

  من أجل عدم إنكاء جرح لم يشئ الإندمال بعد في مجتمعاتنا و مجتمعات غيرنا ، و هو الجهل بمضامين العلم و الفلسفة و مراميهما المعرفية و الفكرية ، لعل هذا ما دفع إلى تأليف هذا الكتاب الذي يتغيى تصحيح القصد و النظرة إلى عناصر المعرفة الإنسانية و توضيح مراحل تمايزها و قطائعها الإبستمولوجية ، و هو من توقيع "روبرت أغروس" أحد أعلام الفيزياء النظرية و رئيس كلية العلوم في جامعة أوتاوى بكندا ، و الآخر هو "جورج ستانسيو" أحد الفلاسفة المتضلعين في فلسفة العلوم و رئيس شعبة الفلسفة في نفس الجامعة و نفس البلد ، في كتاب أقل ما يمكن أن يقال عنه أنه آية من آيات الإبداع البشري ، آثرا فيه إلا أن يحقبوا بطريقة بسيطة مراحل تطور الفكر الإنساني و النظر العلمي في مجموعة من مواضيع العلم و الفلسفة و هي فصول الكتاب الثمانية الموزعة على الشكل التالي : المادة - العقل - الجمال - الله - الإنسان و المجتمع - العالم - الماضي - الحاضر ، كل ذلك في حجم لا يتعدى 160 صفحة ، و بلغة معانيها سهلة التلقف .

   يمكن أن أجمل أطروحة الكتاب في أنه عبارة : عن رد لإعتبار الإنسان الذي ثم تجريده من حسه الرمزي و الروحي و اختزاله في البعد المادي فقط ، من قبل النظريات المادية العلمية و المقاربات المادية الفلسفية التي تعاملت معه على أنه آلة عضوية لا تختلف عن باقي أنواع الآلات العضوية الأخرى من الكائنات الحية في الدرجة بل فقط في النوع ، ما أدى إلى الإنطلاق من مبادئ خاطئة أعقبها بناء آديولوجيات علموية -و ليس نظريات- فيها ما ثم اسغلاله سياسيا و فيها ما قام بتغبيش النظرة الصحيحة اتجاه الإنسان و الوجود بشكل عام . لذلك فالكتاب هو عبارة عن رد إبستمولوجي عن المنهج المادي في الدراسة العلمية و التفكير الفلسفي الذي يصفه المؤلفان طول الكتاب بلفظة "النظرة القديمة" .

   نُصوِّب انتباه القارئ إلى أن النظرة القديمة (المقاربة المادية) تشكلت بسبب تدخل و تداخل عدة ظروف اجتماعية و سياسية ، لعل من أبرزها استلاب الإنسان و تغريبه باللغة الماركسية المادية عن حريته و حقوقه بسبب استغلال الدين ، أو بسبب مغالطات المعرفة التي تقدمها الأديان و تداخلاتها مع الأساطير و الخرافات ما يؤدي إلى تظليل الإنسان عن الإهتداء إلى معرفة حقة صحيحة ، إذ تبلورت هذه النظرة قديما خصوصا مع الفلاسفة اليونانيين السابقين على سقراط ، مثل أنكساغوراس و أنتبيدكليس مرورا بفلاسفة القرون الوسطى و العصر الحديث مثل هوبز - هيغل - نيتشه و فريدريك إنجلز ، إذ اكتمل المنهج المادي مع نظرية تشالز داروين حول التطور البيولوجي . غير أن "نظرة جديدة" ستتبلور بحلول القرن العشرين و هو ما توضح فصول هذا الكتاب خطوطه العريضة . فما هي النظرة الجديدة و فيما تختلف عن القديمة ؟     

   نجيب باستعراض لأهم أفكار كل فصل بحياله : ينطلق المؤلفان من مدخل يفصح عن ما طرحناه قبلا ، الإضافة هنا هي أن لفظة " النظرة الجديدة" مستعارة من كتابات أحد مؤرخي الحضارات و هو "توماس بري" ، حيث أن هذه النظرة ستتفتق كذلك عن شروط علمية و منهجية و كذلك اجتماعية ، إد دفع بهذا الإتجاه الجديد أعمال و أبحاث علماء جهابذة مثل "ألبرت آينشتاين" و "وهايزنبيرغ" - "فرانكل" - "ماسلو" - "سبري" و "بنفيلد" في العلوم ، و "كارل يسبرز" و غيره في الحقل الفلسفي ، كما يظيفان أنهم لا يصنفان بطريقة ميكانيكية كل العلماء في معسكرين أحدمها يتبنى نظرة قديمة و أخرى جديدة .

غلاف الكتاب في نسخته الإنجليزية 


   وقع اسم "المادة" على أول فصول الكتاب ، بحيث يمكن إجمال النظرة القديمة في مقاربتها للمادة مع أبحاث "إسحاق نيوتن" الذي يعتبرها جسيمات كبيرة صلبة ومتحركة وغير قابلة للاختراق ، كما أن لها أحجام و أشكال مختلفة ، و كما هو معلوم عند من يعلم فإن التعريف الفيزيائي للمادة لا يستقيم دون تعريف المكان و الزمان ، لذلك يعتبر نيوتر أن هذين البعدين حقيقتان مطلقتان ، كما أنهما سيظلان كوجودين حتى لو فنيت كل الأشياء المادية في الكون ، و هذا ما وافق عليه علماء عصره و بعض من تبعهم كـ"فاراداي" و "هيرشل" ، أي أن المادة أزلية حسب التصور المادي القديم . إذا كان كذلك فما الطرح البديل للنظرة الجديدة ؟ بعد حلول القرن العشرين هدمت نسبية "آينشتاين" صَرح نظرية نيوتن ، بحيث ثم التخلي إلى الأبد عن فكرتي المكان والزمان المطلقين ، ذلك أن أينشتاين أثبت أن علاقات المكان والزمان وقوانين الحركة لا يمكن تعريفها إلا بوصفها موقف الشخصي للمراقب ولظروفه المادية ، فلم يعد في مقدور الباحث العلمي أن يعتبر نفسه متفرجا حياديا كما في نظام نيوتن . و بذلك فإن إن الحقائق الجديدة التي كشفتها نظرية النسبية وميكانيكا الكم لا يمكن أن تتواءم مع النظرية القديمة لا تتضمن إلا المادة والقوانين الطبيعية، غير أن النظرة الجديدة أضافت العقل على المادة و القانون العلمي من جهة ، كما أكدت أن الزمان و المكان غير مطلق بل لهما بداية و بذلك تكون المادة غير أزلية ، أي قلب كلي لمفاهيم النظرة القديمة .

   أما الفصل الثاني فقد دارت رحى نقاشه حول "العقل" ، فخير طريقة للبحث في العقل من زاوية النظرة القديمة هي إظهار كيفية انبثاق العقل من المادة ، يتبدى ذلك من خلال قول عالم الأحياء توماس هاكسلي (صديق داريون) "الأفكار التي أعبر عنها بالنطق ، وأفكارك فيما يتعلق بها هي عبارة عن تغيرات جزيئية مادية " ، من أبرز مستتبعات هذه النظرة أن العقل البشري لا يستطيع أن يختار بحرية لأن المادة لا تتصرف إلا بضرورة ميكانيكية ، كما أن الوعي حسب هذه المقاربة متصل بآليات الجسم كنتيجة ثانوية لعمل الجسم لا أكثر ، وأن ليس له أي قدرة على تعديل عمل الجسم مثلما يلازم صفير البخار حركة القاطرة . غير أن مفهوم جديد نحث مع "تشارلز شرنغتون" الذي اعتبر أن أنشطة العقل هي تتجاوز آليات الفيزياء والكيمياء ، يسير نفس السياق السير "جون اكلس" الذي يؤكد أن هناك شعور يتجاوز ما هو مادي عصبي إلى إدراك حسي لامادي ، و بذلك فإن حسب النظرة الجديدة عالم الإحساس لا يتوقف على عالم الفيزياء والكيمياء و لكنه ليس مقصورا عليهما ما يضفي بعدا لا ماديا على مفهوم العقل ، كما نذكر أن هذا الفصل يتضمن نقاشا غنيا بين معنى العقل و الدماغ ، و كيف أفضت الدراسات الحديثة عليهما إلى تغيير النظرة إليهما كليا و التي كانت تكرسها النظرة القديمة .

   يتواصل التحليل المقارن في فصل ثالث مميز حول "الجمال" ، إذ يقول الفيزيائي "لويس دو بروجلي" (كان الإحساس بالجمال في كل عصر من تاريخ العلوم دليلا يهدي العلماء في أبحاثهم) ، و الجمال كان ولم يزل مبدأ أساسيا من مبادئ  العلوم ، لكن المادة وفقا للنظرة القديمة ليس لها إلا خواص كمية كالوزن والحجم والشكل والعدد . حيث إن الجمال ليس من جملة هذه الخواص فالنظرة القديمة تميل إلى اعتباره خاصية من خواص المراقب لا صفة من صفات الأشياء الطبيعية ، هنا نستعير رأي "باروخ سبينوزا" القائل (بأن الجمال ليس صفة في الشيء المدروس بقدر ما هو الأثر الذي ينشأ في الإنسان نفسه الذي يدرس ذاك الشيء) كما نشير إلى أن "تشالز داروين" يشاطر سبينوزا نفس الرؤية ، أما من اعترف بوجود الجمال من أنصال هذا المنظور يقترح الصدفة و الضروفة فقط لتفسير الجمال ، غير أن النظرة الجديدة تقطع مع هذا المنظور المجحف إلى درجة اعتبارها الجمال وسيلة من وسائل اكتشاف الحقيقة العلمية ، من ذلك مثلا أن "جيمس واتسن" اهتدى بسبب تدوق الجمال إلى اكتشاف التركيب الجزيئي للـ ADN ، كما أكد "آينشتاين" أن لا علم من غير الاعتقاد بوجود تناسق داخلي في الكون ، و هو من أبرز سمات الجمال ، و عليه فالنظرة الجديدة تبينن أن عناصر الجمال غير المرئي و الذهني في الفيزياء تتماثل مع عناصر الجمال المرئي والمسموع في الفنون الجميلة و في الكون و الطبيعة ، و بذلك فإن الجمال شيء لا مادي خارج عن تصورات الإنسان الدارس للوجود ، و هو عكس المنظور القديم للجمال .

     لعل من أبرز فصول الكتاب هو ذلك الذي يناقش وجود الله من عدمه في فصل وسم بلفظة "الله" ، فبما أن النظرة القديمة اعتبرت المادة أزلية فلا يحتاج ذلك لإله خالق ، و بما أنها اعتبرت العقل ثانوي فلم تبقي حاجة لعقل فوقي ، و بما أنها كذلك اعتبرت الجمال لا يوجد له أثر إلا على انطباع الدارس للطبيعة ما يجعل أنصار النظرة القديمة يغفلون عن تتبع أبرز طريق نحو الله و هو الجمال ، غير أن النظرة الجديدة بناءا على قوانين الديناميكا الحرارية أكدت عدم أزلية المادة ففتحت على الأقل افتراض وجود خالق للمادة ، التي أكد الباحثين المعاصين كـ"ألكساندر فريدمان" أنها آخدة في التمدد بعد الإنفجار العظيم ، كما أنه سيأتي يوم و ترتد فيه هذه المادة إلى الإنكماش وفق ما يسمى "الإنكماش العظيم" و هي فكرية فيزيائية معاصرة ، "فاينبيرغ" أحد الطارحين لها و المعزز عبرها لنظريته في الكوزمولوجيا ، و بذلك فإن أبحاث هؤلاء تؤكد أن للمادة و بالتالي للكون بداية و هو ما يحتم وجود خالق نطلق عليه اسم "الله" ، و هو عكس ما كانت تصبوا إليه النظرة القديمة التي اقتنعت بأن أي شيء في الكون يفضي إلى الحياة هو من باب الصدفة و بعد ذلك الضرورة ، غير أن النظرة الجديدة اعتبرت أن البشر يلحظون يد الله في جمال الوجود ، إذ تقول "اليزابيث باريت براوننغ" قولة رائعة في هذا الصدد و هي أن "الله ذاته أفضل شاعر - والحقيقة هي أنشودته" ، و عليه ففي النظرة الجديدة نجد أن أصل الكون وبنيته وجماله تفضي جميعا إلى النتيجة نفسها وهي أن الله موجود .

   أما الفصل الخامس فقد خصصه الباحثان إلى مناقشة مفهوم "الإنسان و المجتمع" دائما بطريقة مقارنة ، إذ يوضحان أن النظرة القديمة للإنسان تختزله إلى الغرائز ، مثل إعزاء مجمل حركية الإنسان و التاريخ إلى غريزة الجنس حسب "فرويد" ، كما اعتبر "هوبز" الخوف من الموت أهم غريزة تشكل مدخل لفهم الإنسان ، فضلا اعتبار "مالتوس" الجوع هو الأهم ، إذ أن هذه النظرة يتخطف الإنسان عبرها من كيانه الرمزي و الروحي كليا ، و هذا ما يتصل مع مفهوم المجتمع في النظرة القديمة باعتباره منشئة مشيدة من طرف الإنسان ، فبما أن هوبز اعتبر الإنسان كائن خائف فهذا يدفعه لى إبعاد الخوف بشتى السبل حتى بالعنف المتوحش ما يجعل هوبز يرى ضرورة كبت هذه المسلكيات عبر مجتمع قامع يتأسس على التسلط و هو ما يتلاقى مع طبيعة غرائز الإنسان ، أما "فرويد" فلا تسير به قاطرة فكرة بعيدا ، إذ يعتبر أن المجتمع فضاء غير قابل لتحقق السعادة الإنسانية ، ما يجعل الغريزة البشرية متعارضة مع طبيعة المجتمع القمعية . غير أن النظرة الجديدة ازدرت هذه الآراء عبر اعتبار الإنسان قوة واعية هذه هي نقطة الانطلاق ، فأولية العقل هي جوهر هذا الوعي التي تصدر عنه مسلكيات لا يمكن اعبارها غرائز مثل الإبداع و الفن عند الإنسان ، إذ أن أفشل رسام أو موسيقي يعتبر أمهر من النحلة في بنائها لمساكنها و أن مغنيا أنسق من عصفور في زقزقة صوته ، لأن هذه الممارسات الحيوانية تبرز بناءا على غريزة تتشابه ، أما الإنسان فيسلك فنيا عن حس إبداعي مختلفة أنواعه جدا ، و هو ما لا تفسره أبدا المادية بشكل مقنع كما عرضنا أعلاه ، ما يؤكد أن الإنسان لا يصدر عن غرائز كما حسبت النظرة القديمة و بذلك فله قدرة إبداعية على تشكيل مجتمع تتفتق فيه كل مبادئ العدل و المساواة و الحرية و الإبتكار و الإبداع ، و هو ما تجسده بعض المجتمعات المعاصرة حسب السوسيولوجي المعاصر "مانويل كاستلز" ، و بذلك يكون المجتمع حسب النظرة الجديدة فضاءا أرحب لممارسة الإبداع و الفن و التمتع بالحرية و خلق للمساواة و ليس فقط لإذكاء أو كبت للغرائز . 

    نكون بذلك قد تهيئنا إلى فهم معنى "العالم" و هو عنوان الفصل السادس ، ذلك أن تصور النظرة القديمة للعالم ينطلق من طريقة فهمها للإدراك الحسي الذي تعتبره تغييرا ماديا فحسب ، و بذلك فإننا لا نستطيع أن نعزي أبدا شعورنا بعالم خارجي غير ما تؤكده المادة القابلة للتجربة إمبريقيا ، على أن النظرة القديمة لم تنتهي إلى نفي إمكانية معرفة العالم إلا بشكل تدريجي و بطابع لا يخلوا من ذاتية . و هو ما ناقضته النظرة الجديدة التي اعتبرت الذاتية حابسة للإنتشارية الفكرية و الثقافية ، و أن معرفة العالم ممكنة ماديا و رمزيا ، معنى هذه العبارة هو أن العالم الحقيقي (مادي و رمزي) إمكانية معرفته قائمة حتى خارج الأطر المادية .  

  نصل بعد ذلك إلى فصل يناقش معنى "الماضي" ، بحيث تنظر إليه النظرة القديمة على أنه شيء مفارق للحاضر و لا يتصل به بأي شكل من الأشكال ، يعبر عن ذلك رأي "أيرنست ماخ" القائل بأن "حضارتنا نالت بالتدريج استقلالا تاما ، محلقة بأجنحتها إلى أعلى بكثير ا بلغته العصور القديمة ، وهي تسير الآن في اتجاه جديد وتركز على التنويرين الرياضي والعلمي ، أما بقايا الأفكار القديمة التي لا تزال عالقة بالفلسفة وعلم القانون والفنون والعلوم فهي تشكل عوائق لا مزايا ، وهي على المدى الطويل لن تصمد أمام تنامي آرائنا الجديدة" ، كما يسلك علماء و مفكرين كبار نفس مسير الرؤية و أبرزهم "رينيه ديكارت" و "فولتير" و "دنيس ديدرو" ، و هو ما جعل أنصار هذه النظرة يرون في الثرات الديني و الفني و الفلسفي كل أنواع الحقر و الدونية ، لذلك فإن النظرة القديمة تَعتبر الماضي الذي سبق عصر العلم خصوصا مستودع أخطاء وافتراضات لا تقوم على أساس صحيح . غير أن النظرة الجديدة اعتبرت ذلك اختزالا لمعنى التاريخ و ماضيه ، فبناء منظور جديدة للواقع لا يستلزم هدم المنظور السابق ، فحتى الثورات العلمية تبقى على استمرارية مع الماضي ، ذلك ما يؤكده "آينشتاين" بقوله : "لا يظنن ­ أحد أن ابتكار نيوتن العظيم يمكن أن تطيح به كليا نظريتي بل تتأسس على أسسها التي ثبتت صحتها" ، كذلك نجد نفس الدعوة إلى تبصر الإرتباط الوثيق بين الماضي و الحاضر في مختلف آراء العلماء في كل من تخصصات العلم الإنسانية و التجريبية . و بذلك فإن النظرة الجديدة تأمن بأن الناس الذين سبقونا يثرون خبراتنا ويضاعفون ملكاتنا ، ونحن نستطيع أن نرى بأعينهم و نفهم بعقولهم ونحس بفضل نبضات قلوبهم وبهذه الطريقة وحدها نستطيع أن نبالغ أقصى ما في طوق البشر بلوغه من درجات الكمال .

  و بذلك نكون قد وصلنا لآخر فصل وهو الذي سلط الضوء على اعتبارات "الحاضر" ، إذ اعتبره أنصار النظرة القديمة بناء يتأسس على منظورهم للمادة و الجمال و الله و الماضي و غير ذلك ، فبسبب جمود إطارها لا تطرح أبدا أسئلة معينة تحدث ثقبا في جدار المنظور المادي يمكن أن يسع بعدا رمزيا قد يفضي إلى رؤية جديدة ، فكثير من المسائل تصبح لها نتائج مقررة محتومة و من جملة ذلك الحاضر . أما النظرة الجديدة فتشمل حقائق العالم المادي لكن لا تقتصر عليه ، بل تفسح اﻟﻤﺠال للبحث في الحقائق الروحية كذلك و هو ما يعقبه بناء نظري جديد يشكل مدخل لفهم الحاضر ، هنا نستعير رأي "هايزنبورغ" الذي يؤمن بأن تلك الجوانب من الواقع التي توصف بكلمات مثل الوعي أو الروح يمكن ربطها على نحو جديد بالتصور العلمي السائد في عصرنا ، ما يعني إضفاء بعد جديد لمنهج الدراسة يختضب بطابع رمزي ، و هو ما جعل النظرة الجديدة تختلف كليا في منظورها للحاضر بالقياس إلى النظرة القديمة .

   أخيرا على أمل أن نكون قد قربنا القارئ من أهم أفكار المؤلف ، فمن النافل القول بأن الكتاب نفيس و جد مفيد ، إذ يضم بين دفتيه أكثر من 200 اقتباس عن مختلف جهابذة الفكر العلمي و الفلسفي ، لعل ذلك ما يملك للقارئ رؤية نقدية اتجاه المعرفة العلمية حتى لا يتماهى معها كليا فيصبح علمويا أجوف أو ماديا أعمى ، عموما لا ندعي الإحاطة بكل غنى أفكار الكتاب بل ندعوا القراء لإغتراف المعرفة من جداول فصوله .



  • 2

   نشر في 10 يونيو 2017  وآخر تعديل بتاريخ 11 يونيو 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !




مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا