سقط الطبشور... قصة تهجير العفرينيين قسرًا - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

سقط الطبشور... قصة تهجير العفرينيين قسرًا

  نشر في 25 نونبر 2021 .

لعله لم يكن آخر سقوط للطبشور حينما انتهى بهما المقام في منفيهما، ليس الأخير على الأقل في المدى المنظور في غرفة أشبه بالزنزانة، إلا أنهما يمتلكان مفتاحها، والسجان فقر وفاقة، إلا أن ضجر ولديهما وبكاءهما يجبران الوالد ليخرجهما فيستنشقا بعضًا من الهواء العليل، فيهرول بهما في أزقة كوباني، عسى ألا يقع عينيهما على ما يشتهيه أي طفل بعمريهما.


الأبنية، الشوارع، الساحات، الوجوه، اللهجة الكرمانجية هنا، لا تشبه كالتي في عفرين، فهناك العشب في ثنيات الجدران وخرير الأنهر والينابيع في الآذان، والنبي هوري يناجي مار مارون في سمعان.


غريبًا يعود إلى زنزانته محملًا بوعود مؤجلة لطفليه في طريق الإياب، يحث طفله ذات الربيع الثالث بالإسراع في خطاه، فلا يكترث لوالده متسائلًا عن وعوده له.


لماذا لم تشترِ لعبة حصان؟ فيرد عليه سأصنع لك واحدة في المنزل أفضل من تلك التي في السوق، حتى بإمكانك أن تسند عليه رأسك حين تخلد للنوم.


عبثًا يحاول الوالد إقناع طفله بأن مخدة النوم تصلح لأنْ تتحول للعبة حصان.

الطفل: أريد حصانًا.

نعم يا ولدي غدًا سأبتاع لك واحدة واليوم ستمتطي تلك التي في المنزل، ولكن أسرع قليلًا.

بابا أريد موزًا فأنا أحب الموز...

فيراوغه: ألم اشتره لك.

لا لم تشترِ.

بلى البارحة ابتعت لك كيلوين.

مستنكرًا ذلك: لا لم تشتر.

بلى اشتريته.

وعندم نصل إلى الدار سأريك إياه، وسترى كيف تبدل لونه إلى الأخضر.

الطفل: هييييه كله لي.

بلى كله كله لك.


سريعا يخطو الوالد خطاه ساحبًا بيد طفله، أما طفلته الصغيرة فلم تكد تكمل عامها الأول، تتلفت يمنة وشمالًا والدهشة ترتسم في عينيها، زهرة للتو تفتحت الأوراق عنها.


ولكن يا صغيرتي لستِ وحدك من تشعرين بالاغتراب فوالدك أيضًا غريب في هذا البلد.


مرهقًا يصل الزقاق الترابي ليقف أمام الغرفة الملعونة، والعرق يتفصد من جبينه لا ملجأ سواها، ينزوي في ركن من أركانها يخرج علبة التبغ فيدخن سيجارته الواحدة تلو الأخرى؛ ليحلّق مع دخانها المحبوسة تحت السقف المتهالك.


يحضّر كأس من المتة، مشروبه المفضل، فيشعر بسكينة مؤقتة ليطلق العنان لمخيلته فيستحضر ما تسعفه ذاكرته بمنزله وبلدته التي هجرها، فمع كل نفس من التبغ يحيله السراب المشكل من الدخان لحيوات عاشها غريبًا أيضًا لكن باختياره أما غربته هذه فقسرية.


مقلتاه تجودان بأدمع باردة... فتسأله زوجه ما خطبك أو كأنك تذرف الدموع.


متلعثمًا: لا لا إنها دخان السيجارة تحرق عيني، ممرًا أنامله من فوق حاجبيه لأسفل جفنيه، محولًا نظره من الأعلى إلى الأسفل... آه لقد نسيت أن أرتشف كأس المتة، ما ألذه اشربيه معي فالمته مشروب يتشارك فيه جميع الجالسين في المنطقة الجنوبية إنه عادتهم.

عرفت أنه يراوغها.


صمتٌ كئيبٌ يسيطر على الغرفة المعتمة بعد أن استسلم طفلهما للنوم، فتعود ذات الأسئلة المتكررة عن الوجهة الأخيرة.


وحيدًا كان يفضل الظلمة، فلا يريد أن يرى حدود غرفته الصغيرة فلا بهو ولا مطبخ أو حتى حمام.


وما زالت رحلة البحث عن الضفة الأخرى مستمرة... ومازالت سقطات الطبشور تتوالى.



   نشر في 25 نونبر 2021 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا