العائلة العثمانية وعذابات النفي - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

العائلة العثمانية وعذابات النفي

هيام فؤاد ضمرة

  نشر في 02 أبريل 2022 .

العائلة العثمانية الحاكمة وعذابا ت النفي

********************************

هيام فؤاد ضمرة

*************


نرجو صلاحَ التُّرْكِ قد

خابت أمانينا الكواذب

هي دولةٌ ظَلمت وليس

العدل عن ظلم بذاهب


في الثالث من آذار/مارس من العام 1924م صادق مجلس الأمة الكبير على قرار نفي أفراد العائلة العثمانية الحاكمة خارج تركيا، وأرسل القرار إلى حيدر بيه ليُعلم السلطلن عبد المجيد الثاني في قصر دولمه بهجة بالقرار، وكان تم عزل العائلة بالقصر ومحاصرته من قبل الشرطة، وفي اليوم التالي تمت عملية نفي الرجال فيما منحت النساء فترة عشرة أيام لتجهيز أنفسهن، وبلغ تعداد العائلة المنفية 158 شخصا بينهم أطفال ( الشهزادة أي الأمراء) وأشخاص طاعنين بالسن وأصهارهم وأنسباؤهم.. لا أظنها إلا نكبة كبرى لآل عثمان بعد نكبتهم بذل خسارة الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا.

كانت بين هؤلاء السلطانة سنيحة بعمر 78عاما ابنة السلطان عبد المجيد الأول وشقيقة السلطان عبد الحميد الثاني فأرسلت رسالة إلى مصطفى كمال أتاتورك قائد الحركة التركية الوطنية، والقائد العام للجيش، تستعطفه لكبر سنها وضعف صحتها حتى أنها لا تستطيع مغادرة غرفتها، لكن لم تجد رسالتها منه أي اهتمام أو صدى، فقد كانت القلوب تمور باسودادها حد الحقد الدفين، وطبق عليها النفي كما أفراد أسرتها، فانتقل السلطان عبد المجيد الثاني إلى نيس في فرنسا والتحقت هي وإبنها إليه حتى وفاتها في العام 1931م، قضوا فترة طويلة بالمنفى حتى العام 1952م حيث مُنحت نساء العائلة الحاكمة فقط حق العودة إلى تركيا، فيما سمح للرجال حق العودة عام 1974م دون حق استرجاع جنسيتهم.

ولم تسلم العائلة العثمانية الحاكمة من متابعتها بالمنفى من قبل المخابرات التركية في عهد الرئيس مصطفى كمال أتاتورك والعهد العسكري، وجمع التقارير عن نشاطاتهم بدول المنفى المتفرقة بين أوروبا وجنوب إفريقيا ومصر وإسبانيا وأمريكا وغيرها، ولم تسلم تقاريرهم من المبالغة والتلفيق لأنَّ هذه التقارير كانت مصدر رزق لكاتبيها ومفتعلي مضمونها، كمثل قولهم أن العائلة تملك أموالا طائلة بالخارج وأنهم يسعون إلى تشكيل جيش بالمنفى للترتيب لعودتهم إلى سدة الحكم، ومن مثل هذه الاتهامات غير الحقيقية الكثير.

كان واضحا أن هناك حقدا دفينا عند جماعة كمال أتاتورك على الأسرة العثمانية الحاكمة، استغله المستغلون أبشع استغلال، فمنذ تفكك وسقوط الدولة بين عامي 1908-1922م التي انتهت بطلب السلطان عبد المجيد الثاني بطلب اللجوء السياسي من بريطانيا وحملته بارجة بريطانية في 17 نوفمبر 1922م بدأ مع اندلاع ثورة تركيا الفتاة التي أستعادت دستور عام 1876م العثماني وأدخلت علية التعديلات بفرض النظام الديمقراطي الجديد والسماح بتعدد الأحزاب في ظل نظام انتخابي نيابي وتحديث المؤسسات وحل التوترات الطائفية، وإنشاء المحكمة الدستورية، وكان السلطان عبد الحميد الثاني عين 28 عضوا لتعديل الدستور

وصول الرئيس رجب طيب أردوغان إلى سدة الحكم كان بمثابة الرحمة للعائلة المنفية، فرفع عنهم القيود ومنحهم حرية الحركة والعيش بسلام، بل إنه دفع الحكومة لأن تحسن معاملتهم، وتبلغ البعثات الدبلوماسية بالخارج بضرورة الاهتمام بهم وخدمة أمورهم ومعاملاتهم كأي مواطن تركي,

وطلب الرئيس من شركات الانتاج أن تحسن صور سِيَر أفراد العائلة العثمانية الحاكمة في المسلسلات والافلام التي تصور سيرة خلفائهم، بل كان يتخذ أسلوب الثناء والمديح الذي راح يسبغه الرئيس أردوغان ورجاله على الأسرة العثمانية

فمنذ عثمان بن أرطغرل أول سلاطين العثمانيين ومؤسس دولتهم، وحتى محمد السادي آخر السلاطين وعبد المجيد الثاني آخر الخلفاء حيث استقرت العاصمة في اسطنبول بعد سكود وبورصة وأدرنة، وعلى مدار قرابة الخمس قرون عاش العثمانيون في قصور باذخة وترف عجيب، ولم يأتي ببالهم أن يوما ما سينقلب الحال ويفقدوا السلطان.

بعد خسارة الحرب العالمية الأولى على يد الحلفاء، اضطر محمد وحيد الدين السادس مرغما إلى توقيع الهدنة عام 1918م على ظهر بارجة انجليزية ترسو في ساحل مدروس، نصت على استسلام الدولة العثمانية دون قيد أو شرط

وفي عام 1922م طلب وحيد الدين حق اللجوء السياسي إلى بريطانيا ونقلته بارجة بريطانية وهربته إلى الريفيرا الايطالية، وتوفى بعد أربع سنوات في سان ريموبعد أن كتب بيديه نهاية حكم آل عثمان.

أعلن كمال أتاتورك قيام الجمهورية التركية في 29/أكتوب1923م كان وقتها عبد المجيد الثاني يتولى منصبا شرفيا تحت اسم خليفة آل عثمان فيما كان كمال أتاتورك الحاكم الفعلي، فخرجت مظاهرات حاشدة في تركيا تطالب بعزل الخليفة العثماني وطرده من تركيا متهمين إياهم بأنهم السبب الرئيسي بجلب الهزيمة والعار لتركيا وتوقيعهم معاهدات الذل والعار

بدأت في مطلع العام 1924 تتناثر شائعات حول رغبة الدولة الحديدة بنفي كافة الذكور من الأسرة العثمانية الحاكمة خارج حدود تركيا، فنشط هؤلاء باتخاذ التدابير للحظة التطبيق، حتى كان اليوم الذي أصدر فيه البرلمان التركي برئاسة عصمت إينونو قرارا بسحب الجنسية التركية من جميع آل عثمان ذكور وإناث ونفيهم خارج تركيا.. كانت هناك مؤامرة كبرى بالاجماع على ايقاع أقصى العقوبات الذليلة على الأسرة العثمانية، وهو أمر ما كان سيحدث لولا جهود أتاتورك ذات نفسه، مطلقا عبارة قذرة لتعميق إهانتهم، على أنهم إنما يطهرون اسطنبول من القذارة والنفاق والفسق، لصنع جمهورية تركية قادرة على انتاج الإنسان المواطن العصري.

أما خلفية الرئيس الأول لتركيا مصطفى كمال أتاتور فهو كان قائداً عسكريا في جيش الامبراطورية العثمانية حتى قيام ثورة التغييرالتي قادها بنفسه، وكاتب سياسي وعسكري قدير، ألف العديد من المنجزات حوالي 30 مجلدا حول الاستراتيجية العسكرية، والتعليم، والتدريب العسكري، والتربية المدنية، والهندسة الرياضية، والفلسفة السياسية، وعلم الآثار، وعلوم الأديان، والتاريخ، إضافة لمذكراته الشخصية، لهذا يبجله الشعب التركي.

تم اقتحام القصر على الخليفة عبد المجيد الثاني في قصر دولمه بهجة فجرا في تمام الساعة الخامسة والنصف فيما كان منكبا على مكتبه يطالع كتابا، دخل عليه رئيس الشرطة وبصحبته أربعة ضباط وبلغه بقرار الجمهورية طرد آل عثمان وحرمانهم الجنسية التركية، فتفجرت أسرته بالبكاء والنحيب، وخرج الخليفة بصحبتهم صامتا ومعه كامل أسرته تتبعهم ثلاث سيارات تحمل أمتعتهم حتى محطة القطار تشالجا، ومشاعر الاحباط والحزن والذل تنتابهم من هاماتهم حتى أخمص أقدامهم، كان موكبا حزينا في غاية البؤس، كانت تواجههم وجوه الناس الفرحة بانتهاء حكمهم لما أذاقوا الناس من ظلم وفقر.

المؤسف أن مدير محطة القطار اليهودي، الشخص الوحيد الذي استقبل آل عثمان بحفاوة معبرا على أن يهود تركيا ما زالوا أوفياء لمن أنقذهم من جبروت الإسبان حين استعادتهم الجزيرة، ومنحهم الأمان والحرية والكرامة في وطن آل عثمان.

حاكم اسطنبول سلمهم التأشيرة والجوازات، وخصصت عربتان لآل عثمان بقطار الشرق السريع المتجه إلى المنفى في فرنسا ومنها توزعوا كل باتجاه، في الوقت الذي كانوا يودعون وطنهم بالبكاء، كان المسافرون بالمحطة يتضاحكون شماتة غير هيابين من قصاص، هكذا هي الدنيا تقسو على المتساقطين عن عليائهم على حد المثل القائل حين تسقط الشاة تكثر السكاكين.

فقدوا قصورهم وأطيانهم ومزارعهم وأثاثهم ومجوهراتهم وممتلكاتهم الثمينة، والممتلكات العينية التي تخص ذكرياتهم، خرجوا بالقليل الضروري من حاجياتهم بمعدات فارغة وقضوا وأطفالهم يومهم وبقية من اليوم التالي بلا طعام، لتنتقل مقتنياتهم بين أيدي السارقين والناهبين، والقليل منها تحول للمتاحف التركية.

في البداية وأمام الحالات الإنسانية لبعض الأرامل ممن لم ينجبن من آل عثمان قبلت الدولة استرحاماتهن للعودة لأرض الوطن وذلك عام 1949م، وفي العام 1952 سمح بعودة البعض الآخر من النساء والانجال دون الرجال، حتى العام 1074م أعادوا الرجال دون عودة الجنسية التركية إليهم.

منذ العام 2002م حين وصول حكومة حزب العدالة والتنمية وترؤس أردوغان أعاد للعثمانيين كافة حقوقهم ورفع عنهم كانة القيود التي فرضتها حكومة أتاتورك، وأظهر الحقيقة الدامغة بإرثهم التاريخي المشرف، وأمجادهم التاريخية عبر ستة قرون كان لهم فيها القوة الأولى على العالم وحفاظهم على الدين الاسلامي وانتشاره.

من اللافت للنظر أن آل عثمان اتبعوا نهجا تقليديا بتولية أكبر رجال الأسره رئيسا لها يتابع أمور أفرادها في أي قطر كانوا، مما جعلهم عونا لبعضهم ودعما لبقائهم بسلام وتماسك وهو ما جعل كتاب التقارير يتهمونهم بالغناء الفاحش، وبتنظيم جيش لاستعادة ما فقدوه.

ورغم أن حكومة حزب العدالة والتنمية قدمت الجنسية التركية لكبيرهم الذي يترأسهم في المنفى السيد دوندار أوغلو حفيد السلطان محمد سليم والابن الأكبر للسلطان عبد المجيد الثاني، ودعته للعودة إلى تركيا مع وعد بتنصيبه في حكومة الحزب، إلا أنه آثر البقاء مع عائلته في دمشق لأسباب خاصة.. وكان داوندار ترأس الأسرة العثمانية خلفا لعثمان بايزيد عثمان أوغلو بعد وفاته في نيويورك عن عمر يناهز 92 عاماً.. فيما حظي عثمان أرطغرل عثمان حفيد السلطان عبد الحميد الثاني حين عودته لتركيا بحفاوة كبيرة عام 1992م لكنهم لم يمنحوه الجنسية إلا عام 2004م وتوفى فقيرا بأحد مستشفيات اسطنبول عام 2009م بعد خمس سنوات من استعادته جنسيته، ولف جثمانه بالعلم التركي ومشى بجنازته ثلاثة من الوزراء كلفهم أردوغان بذلك، وربما لهذا السبب رفض داوندار العودة، وكانت أغلب عائلات الأسرة العثمانية قد عانت الفقر والحاجة في المنافي الأمر الذي أربك حياتهم.

وظل آل عثمان يطالبون بميراثهم من ممتلكاتهم ويلجأون للمحاكم التركية لاستعادتها، والمعلوم أن عدد السلاطين العثمانيين الذين تناوبوا على عرش السلطنة 36 سلطانا، وامتدت امبراطوريتهم على ثلاث قارات في أوج عظمتها وقوتها، وتنقلت عاصمتهم في أربع عواصم أولها بورصة وآخرها اسطنبول، وتفاوتت أسباب الوفاة بين الطبيعية، والمرض المميت، والموت اختناقا، وبواسطة السم، والإكتئاب الشديد، وهناك على الأقل سبعة سلاطين عثمانيين ثبتت عليهم حالة القتل المتعمد إن كان خنقا أم سما أو اغتيال مباشر .

والمعروف أن الأسرة الحاكمة العثمانية ارتكبت الكثير من الأحداث الغريبة، والمكائد العجيبة التي في كثير منها كانت تؤدي للموت، من مثل الموت بالسم والإختناق والغرق والغدر داخل القصور وخارجها، ووصفت الدولة بأحكامها القاسية على مرتكبي الجرائم، كما وصفت سجونها بغير الانسانية.

وارتكب في عهد العثمانيين عددا من المذابح، منها مذبحة الأرمن عام 1915م وضحاياها مئات الآلاف، ومذبحة التل في حلب عام 1516م ضحاياها 90 ألف قتيل، ومذبحة القاهرة عام 1517م وضحاياها عشرة آلاف قتيل، ومذبحة كربلاء عام 1842م وضحاياها عشرة آلاف قتيل، ومذبحة قتل التجار المسيحيين في جدة عام 1858م وتم قتل العشرات من الأجانب وزوجة قنصل فرنسي، ومذابح سيفو في سوريا عام 1915م بلغ ضحاياها 250-500 ألف قتيل وهي سلسلة من المذابح استهدفت الأشوريين والسريان والكلدانيين ولم يتعرض العراقيين منهم لأي ضرر مما يفسر استهدافها للسوريين منهم لإخكاد ثوراتهم ، وهناك مذابح اليونانيين في الأناضول وقبرص،

وأعدمت قواتها عددا كبيرا من العسكريين على الخازوق وهو أبشع طريقة للإعدامات، حيث يحدث الموت بطيئا جدا وأليما جداً.


  • 2

  • hiyam damra
    عضو هيئة إدارية في عدد من المنظمات المحلية والدولية
   نشر في 02 أبريل 2022 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا