أماكن من الصاج - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أماكن من الصاج

  نشر في 04 يناير 2018 .


بعد انتهاء وردية الليل أكون متوتر دونما سبب .. عيناي يؤذيهما ضوء النهار .. تنبثق في عقلي أخيله سرعان ما تزول لتنبثق غيرها أحياناً من الليلة الفائتة أحيانا من الماضي البعيد .

يختلط الحاضر بالماضي في هوة تنفتح في عقلي كل صباح .

حاله ليست بنوم ولا يقظة .. قئ وسعال ونزيف.. وجه( نشوى) .. طالبات التمريض يضحكن لبعضهن عندما يروني .. أسألهن عن( نشوى ) لما لا تأت ؟ (ألتوزيعه تغيرت) يجبن و في أعينهن ضحكات مكبوتة.. عيناي نصف مفتوحتان .. ترى مرتفعات ومنخفضات وهمية وأنا أقترب من السيارات .. أتخذ مكاني في صندوق السيارة.. غالباً ما أجلس في الركن الأخير ربما أخذت سنة من النوم حتى يكتمل العدد.. الصندوق بارد من اثر الليل ما يزال .. من الخارج عليه كلمات لدرئ الحسد .. بصمات أيدى بدم الأضحيات .. وفى الداخل تجرى عيناي للمرة الألف على تلك الملصقات .. دعاء السفر .. المقاطعة .. الحجاب .. صور لأطفال الانتفاضة.

وعند تدقيق النظر تظهر خطوط متعرجة للذكرى الخالدة .في الأماكن التي تخلو من الملصقات يظهر الصاج على حقيقته كالح وصدئ.

الصبيان يقفون خلف سياراتهم ينادون بأسماء البلاد التي سيمرون عليها .. أصواتهم وسبابهم يخترق عقلي المجهد أصلا .. استند براسي على جدار الصندوق .. أشتم رائحة الصدأ والبويات القديمة .

الصبيان أيام الجمع يغسلون سيارتهم يحاولون إزالة تلك الصور.. تبدو صور المرشحين القدامى متآكلة وباهته ولكن لا تنمحي بالكلية .. السائقين ينتظرون الدور .. يشربون الشاي ويدخنون.. يتضاحكون بكلام وقح دونما خجل.

صعد الكثيرين للسيارة .. لا أتذكر العدد ولا حتى الوجوه.. ما حدث بعد ذلك لم يترك إلا خيالات باهته كتلك الخيالات من أثر السهر

نسوة راجعات من السوق ... شاب وفتاة ..رجل كبير يستند على شمسيته

ربما كانت الفتاة جملية ربما لم تكن .. ولكنني تذكرت( نشوي)

كل البنات يستحضرنها ولا يبعدونها .

النسوة يتكلمن بصوت عال ... ضجيج الأسواق يحملنه معهن أينما رحلوا ... يتحدثن عن المكسب والخسارة .. يحصين فلوسهن ... يحملنها في أكياس يحفظونها داخل صدورهن

( الضابط )

انطلقت لا تعرف من أين ... تتكرر بلهجات ودرجات صوت متفاوتة

( الضابط )

تري تأثيرها واضحاً..المكان الذي يملؤه الضجيج والنداءات يصير فارغا في ثوان .. حتى بائع الشاي يلملم أكوابه في توجس

يغسل الأكواب... يسكب المياه بجواره ... حوله نصف دائرة من المياه المختلطة بتفل الشاي وحبات الحلبة

لم تكن المرة الأولي.. تأتي سيارة المرور ... يرونها من بعيد .. يفرون.. هذا الصباح .. أصر الضابط علي الفوز بأحدهم.. أرتج الصندوق بعنف والسائق ينطلق بسرعة وكان الضابط وراءه ... صوت سيارة المرور أكسب السائق المزيد من الجنون .. فرملة وسرعة ورائحة الجاز محروق .. النسوة يصرخن.. يضربن بشدة الزجاج الفاصل بيننا وبين السائق أنه لم يلتفت ..لم .. يهدأ .. طلبن من الله السلامة .

هذه السيارة التي تأتى من بلد المنشأ لنقل البضائع ..يركب لها هذا الصندوق وتصير لنقل البشر ..خليط من الصاج والزجاج والخشب ..العقول كلها تحتفظ بحكايات عن هذا الصندوق الذي يتحطم أو ينبعج أو حتى يطير بمن فيه للحقول القريبة .. تعبت الأيدي من دق الزجاج واستسلام للمصير ..الصبي الأسمر من فعل الشمس يقف بالباب يدارى بجسده لوحة الأرقام كما علمه السائق من قبل .

الضابط في جلسته يبدوا وسيما ومهيباً أيضا يضع على عينيه نظارة شمس سوداء تمنحه بعض الغموض.. يستند بذراعه على باب السيارة .. لم أكرهه .. لم أحبه .. فـقط رغبة خفية في تحديه .. هدأت الأصوات إلا من الدعاء .. على الطريق الدائري زاد كلا منهما سرعته .

شق خيوط الخوف حولنا صوت ( أنا بربي يتامى ) وبكاء بدأ عاليا ثم هدأ حتى ضاع تدريجيا في زحمة الأفكار.

هؤلاء يستيقظن مع الفجر .. يحملن أحمالهن الثقيلة .. أسماك أو فواكه أو حتى بيض الدجاج يأتي.. رجال البلدية يسكبون ما أمامهن.. يبعثرونه .. يخطفونه ممن يحاولن الفرار .. يمرون عليه بأحذيتهم كي لا يصلح للبيع مرة أخرى.

الآن أتيح لنا فرصة الهرب ولو لثوان.. دون تدبير .. نتمرد .. نجرى في اتجاه عكس ما يريدون .. كل القلوب هنا رغم الخوف تتحرك بالسيارة أسرع قليلا للأمام .. كل الأفكار جماعية فلا داعي لطرحها والكلام فيها .

في كل مطب وفرملة .. نستند على بعضنا .. نتضاغط .. نسير ككتلة بشرية واحدة ..جسد واحد له قلب كبير.. لم يكن لنا حينها أن نفهم انفعالاتنا تحديداً .. ربما الرغبة في التحدي على شيء ما غير عادى .. السعادة في أن شخص يرتدى نظارة سوداء ويمسك اللا سلكي يلهث ورائنا.. كنت أعرف ما ينتويه السائق .. حكي لي أحدهم هذا من قبل .. سيجرى حتى أقرب قرية يدخل من الحواري والبيوت التي تشبه لعبة المتاهة وحينها سيعود الضابط منهزم .. ولكن واضح أيضا أن الضابط كان يعرف ذلك وجه كلمات للسائق الذي بجواره.. كلمات بدت لي قاسية .. لحق بنا .. سبقنا .. أنحرف سائقنا بشدة نحو الحقول .. دخلت الأغصان الصغيرة من النوافذ .. ضربتنا على ظهورنا كالسياط .. لم يتحسس أحدنا ظهره و لم نتكلم .. امرأة من بين النسوة حاولت إخراج رأسها من النافذة ولكن سبقتها معدتها .. تطيرت محتويات معدتها في كل اتجاه .. في عينيها دموع ووجها يبدو بلا دماء .. بحياء تمتد الأيدي لتمسح ما تناثر .. أحسست بطعم مر في فمي .. سبقتنا السيارة مرة أخرى .. توقفت عرضياً على الطريق ، توقف سائقنا تدريجياً على الطريق .. نزل الضابط من سيارته .. مشى نحونا .. حبات عرق تلمع على جبينه .. كأنما كان يجرى على قدميه .. مال السائق برأسه ليخرج .. قابله الضابط بقبضته في وجهه .. ارتد مكانه ثانياً وخيط رفيع من الدماء يعبر منطقة وجهه ببطء

البيوت هناك تفتح زراعيها تنتظر القادمين .. مد كلا منا يده .. يمسح ما حسبه دماء تحت أنفه قبل أن تصل لأسفل وتلوث الباقي.



   نشر في 04 يناير 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا