الأسَدُ والحِمار - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الأسَدُ والحِمار

(حكايةٌ رمزيَّةٌ عربيّة من القرنِ الخامس عشر الهجري) سلآمٌ من صَبا بردى أرقُّ ودمع لا يُكَفْكَف يا دمشقُ أحمد شوقي

  نشر في 07 ديسمبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 11 ديسمبر 2018 .

جاءَ في أمثالِ العرب "على أهلِها جنَت براقِش".

واختلفوا في براقش  فظنّها بعضهم كلبةً لقومٍ وجعلَ منها آخرون امرأةً لأحدِ الملوكِ وقال فريقٌ بلْ إنّها امرأةُ لُقمان بن عاد ولكنَّهم أجمعوا على أنّها جلبتْ الشَّنارَ والدَّمارَ لنفسِها ولأهلِها لِقلّة حيلتها وسوءِ تدبيرها وعدم تبصُّرها بعواقب الأمور ومَثَلُ براقش هذه مَثَلُ الأسدِ والحمار.

الأسدُ معروفٌ والحمارُ هو في الحقيقة غيرُ واحدٍ إنّهم أحْمِرَةٌ وحُمُرٌ وحٌمْرٌ وحُمْورٌ وحُمُرات ومَحْمُوراءُ وحَمائِرُ وحَميرٌ (والعامة تنطقها بفتح الحاء أو تسكينها وتسكين آخرها) وهم الذين تَنَصَّبوا على "أبواب الحارةِ" وساقوا القُطعان و"الفَصَائلَ" (جَمْعُ فصيلٍ وهو وَلَدُ النّاقة إذا فُصِلَ عن أمه) إلى التَّهْلُكَة.

يذكُرُ مُظَفَّر النَّواب - أعانَتْه شياطينُ الشِّعرِ وطيَّبَت ثراه إذا الموت وافاه والموتُ حقٌّ- أنّ من كان يَحْضُرُ "القِمَمَ مِعزى على غَنم [...] وحِمارٌ بالقِدَم" وإن كان الأمرُ على ما ذَكَر صاحبُنا فالحميرُ في تلك النواحي على ضَرْبَين منها ما هو أصيل ومنها ما اكتسبَ "حَمْرَنَتَه" بعَرَقِ الجبين وكدِّ الحافرين أي أنه كما تقول العامةُ "حمار شُغْل"

وعاشَ في تلك الأجَمَةِ إلى الأسد والحمير سِباعٌ كثيرةٌ (والسَّبعُ المُفْتَرِسُ من الحيوان أيَّا كان) مِن ذئابٍ وبناتِ آوى وثعالِبَ وفُهودٍ ونُمورٍ ومن جميع الحيوان مِمَن طار أو زحف أو هامَ وكان فيها من الازدهارِ والنَّماء ورَغدِ العيش ما تُحْسَدُ عليه وكان الوِئام سَيِّدًا بين الأسدِ والحميرِ حتى أنَّ كثيرًا منها دخلَ في جُنْدِه أو صار من أعوانِه فكان القيِّمُ على شؤون القصر حِمارًا كما زعَم جان لا فونتين ويذكرُ شوقي أن كبيرَ وُزراءِ الأسدِ يومًا كان حمارًا مُقَرَبًا منه ولا ندري أكان حمارًا أصيلًا أم أنَّه اكْتَسَب حَمْرَنَتَه بالقِدَم والمثابرةِ على خدمة سيِّده وأرجحُ الأقوالِ الثّاني.

وكان لا يُنَغِّصُ على من أَوَى إلى تلك النّاحية إلا أنَّ ذلك الأسدِ كان فيه بعضُ جَوْرٍ "وكان مُنْفَردًا برَأيه دون أخذٍ برأي أحدٍ من أصحابِه" على ما يَنْقُلُ ابن المقفع وكان في الرَّعِيَّةِ توْقٌ إلى الحُريَّة فهاجَتِ الحيواناتُ وماجَتْ تعتَرِضُ على سَيْرِ الأسدِ فيها فجَمَعَ هذا أعوانَه وبطانتَه وسألَ فأشاروا فقامَ وقال أنا الأسدُ العظيمُ لمْ أزَلْ* فقامَتْ فِتنةٌ وخرجَت الحيوانات مُقْتَفِيَةً أثَرَ من سبقها إلى هذا الدَّربِ في الأجَماتِ المجاورة وهي تُرَجِّعُ صدى الثائرين في "جحيم" الزهاوي "غَصَبوا حقَّنا فلم يُنْصِفونا/إنَّما نحن للحقوق نثور".

  وإذ "فلَتْ المْلَقْ" كما تقول العامة "واختَلط الحابِل بالنَّاِبل" قامت في الحيوانات الثائرة الحُمُرُ والحَمائِرُ المختلفةُ الأهواءِ والمشاربِ المُتَبايِنَة المقاصِدِ تخطُبُ وتَسوقُ القُطْعان والفَصائِلَ "يا قومُ لا تخافوا فما فَوقَ ما تُكابِدون شرور [...] اجْسُروا فما نالَ بعيدَ الآمالِ إلّا الجَسور" وهبّتِ الحيوانات من كل حدْبٍ وصوب "نَشْوى بمَوْعِدِها البَهي" تتبع حُمُرًا بعضها كان قد ترك خِدمةَ الأسد وبعضُها تَسَوَّدَ عُنْوَةً وغَلَبَةً وربَّما كان آنفًا مِن الأعيان وبعضها كان أفْلَت من الحظائر والمزارِع التي كانت فيها مَأسُورَة وكان من بين الحُمر المُسَوَّدَةِ حمار ضاربٌ إلى السَّواد حَرونٌ إلى الوَحْشِيِّ منه أقرب كَمَنَ حينًا من الدَّهر في الجِوار ثمَّ انْسَلَّ إلى هذه المعمعة في غفلة عن باقي الحُمُرِ واستوطن ناحيةً من تلك الأجَمة واستقدم عددًا ومددًا من الأصقاع والبلدان ما قَرُبَ منها وما بَعُدَ وعاثَ في الأرض فسادًا مُهددًا متوعِّدًا ف"أرْهَبَ" الصَّديق والعدوَّ والقريبَ والبعيدَ.

وكانت هذه الحُمُر من كلِّ شكلٍ ولونٍ فبعضُها على ما يقول الجاحظ وَحْشِيٌّ وبعضها أهْليٌّ (داجن) ومنها "الحساوي" لأنَّها تُجْلَبُ من الإحساء في جزيرة العرب وهي بيضاء عالية الظَّهْرِ وأهلُ مِصْرَ يُفَخِّمون "السين" فينطقونها "حَصَاوي" على ما يذكر الحكيم في حديثه عن الحمير ومنها "المرّيسي" نسبة إلى مَرّيسة وهي قرية في ناحية من صعيد مِصر وهي من أجودِ الحمير وأمْشاها وهي حسَنةُ المنظرِ كريمةُ المخبرِ وعنها يقول القزويني في "آثار البلاد وأخبار العباد" بأنّها أجودُ حُمُرِ مصر ومنها "الأخدريّ" المُتَحَدِّرِ من بلاد الأفغان والتُّركستان ويذكر الجاحظ أنّ الحمر الأخدريَّة أطْوَلُها عمرًا وأحسَنُها شكلًا وزِدْ على كلِّ هذه الحمر تلك الأوروبيه الآتية من بلاد "المُسْكوب" ** وغيرُها الكثيرُ الكثيرُ مما لا يعلم مصدره إلا العليُّ القدير صاحب الشَّأن والتدبير وكان لكلِّ حمارٍ منها "مِنَصَّةٌ" يُطِلُّ منها على من تبِعَه وماشاه ووافقه على هواه فكانت هذه الحميرُ كلُّها أو جُلُّها تَرْجِعُ في "أُصُولِها" (اليوم تعني هذهالكلمة مصادر التمويل الخفية مثلا أما في ذلك الزَّمان فتدلُّ على مصدر الشَّيء وأرُومَتِه) إلى هذه الناحية أو تلك من بلاد العالم.

وكانت فتنة ما جرى بها من تقدير أرْجَفَتِ العرشَ وخامَرَ الأسدَ منها خِشْيَةٌ وريبَةٌ وكان مُقيمًا مكانه لا يبرح ولا ينشط وكان جُنْدُهُ في تقهقر وسلطتُه في انحسار فخابر صديقًا له يُدعى دِمْنَة ثعلبٌ من بلاد فارس وهو غير دِمْنَة المذكور عند ابن المقفع فهو اسم شائع في أهل فارس وبلاد ماوراء النهر إلى حدود الهند فهبَّ إلى نجدته وأرسل إليه بالعدد والمدد من الأبْعدين ومن الأقْربين ومن الأحزاب جميعا ولكن من دون جدوى.

ثم نظر الحليفان في الأمر وقرَّ الرَّأي على أنْ يبعثَ الأسدُ إلى صديقهما الدُّبّ القُطْبي والمارِقُ للمارِقِ نصير أنْ هَلُمَّ إليَّ "فإنّي أغْرَق إنّي أغرَق" (وغَلَطَ الشَّاعرُ الدِّمشقيُّ إذ زاد "إنّي أتَنَفسُ تحت الماء" فالتَّنَفُسُ شهيق وزفير وهو مُحالٌ تحت الماء بغيرِ آلةٍ) فشَخَصَ الدُّبُّ الأبيضُ بقضّه وقضيضه إلى تلك الأجمة فَسَوَّدَ البلاد وقتل العباد وزعَم أنَّه جاء ليقْتَصَّ ممن ملأ الأرض بالفساد و"أَرْهَبَ" القاصِي قبل الدَّاني وكان أنْ عَضَدَتْ بعضُ السِّباع البعيدة الدُّبَّ القُطبيَّ في غزوته تلك.

واستَحَرَّ القتلُ واشتدَّ الدَّمار وهَلَكَ اختناقًا من لم يمتْ بالنَّار وانسَلَخت عن بيوتها حيوانات واندثَرَت آثار وقامت أحلاف ودُفِنَتْ أحلاف وبَدَتْ كفَّة الحمير وكأنَّها إلى خُسْران فلمّا رأت هذه ما آل إليه حالُها تنادت إلى اجتماعٍ فكان مجلسٌ ومُثنى وثلاثٍ ورُباع وتعالى الزَّعْطُ والشَّخْرُ والزَّعيق والنَّهيق ولو سمِعْتَ هذه الأحمرة تتناهق كلٌّ مِن على "مِنَصَّتِه" لَقُلْتََ صدقَ الوحيُ "إنَّ أنكر الأَصْوات لصَوْتُ الحميرِ" (31 سورة لقمان/الآية 19) وتفرَّقَ الرِّفاق من غير اتفاق وتعاظمت الحروب بين الأشقاء كلٌّ يطْلُبُ السَّلامَة لنفسِه واستحالَتِ الجَّنَة الوارِفَة قفرًا بَلْقَعًا (القفرُ الخلاءُ من الأرضِ لاشيءَ فيه لا ماءَ ولا كلأ) وصحراءَ قاحلةً و"انْفَخَتَ دَفُّ" الثَّورة وتفرَّقَ العشاق وعادتِ الحياة تدُبُّ من جديدٍ في أَوْصَالِ الأسد وقد تُوِّجَ "مَلِك القفارِ وما تضُمُّ الصَّحاري".

صدق شاعر الملوك وأمير الشعراء.

لقد خاضتِ الحميرُ حربًا ضروسًا ما لها في كلِّ الحروب من نظير خاضت غِمَارَها ولم تُحْكِمْ فيها الرَّأي والتَّدبير.


حاشية

*حَدَثَ مِثْلُ هذا في التَّاريخ الإسلاميِّ فتَذْكُر الروايات أنَّ عثمانَ لمَّا حُصِرَ وأحاطَ به المنْحرِفون عنه "جمع أُمراءَ الأجناد وأعيان بني أمية فقال أشيروا عليَّ فإنَّ النَّاس قد تَنَمَّروا لي" وكان مترددًا في ما يجب عليه فِعْلُه فأشاروا عليه بأن يُسَوِّفَ ويُخادِعَ وأن لايَعْتَزل فنزل عندَ رأيِهِم إلى أن قُتِلَ فأورث قَتْلُهُ المسلمين حربًا إلى يومنا هذا تخبو حينًا ثم تستعر.

** هي بلاد الروسيا


كمال محمود الطيارة 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 /ليون 



  • 1

   نشر في 07 ديسمبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 11 ديسمبر 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا