ما علينا انتظاره بعد انخفاض مستوى النيل - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ما علينا انتظاره بعد انخفاض مستوى النيل

ما شهده أجدادنا سنشهده نحن...

  نشر في 16 فبراير 2016  وآخر تعديل بتاريخ 20 يونيو 2016 .

رئيس الشركة القابضة للمياه والصرف الصحي قال أن سعر المتر المكعب من المياه لم يزد منذ سنة 1995 عن 23 قرشًا، وأن هناك انخفاضًا في مستوي نهر النيل علينا الاستعداد له بسبب سد النهضة، وتقرر رفع اسعار فواتير المياه منذ يناير الماضي ويتوقع زيادتها.

المجاعة الأولى في عصر الخليفة المستنصر الفاطمي

بدأت مجاعة رهيبة مع انخفاض مستوى نهر النيل عام 457 هـ / 1065 م، واستمرت بشكل متواصل لسبعة أعوام حتي 464 هـ / 1072 م، وصلت فيها البلاد إلي أقصى درجات البؤس. لم يجرؤ الفلاحون علي مواصلة عملهم خوفًا من العصابات المسلحة التي اجتاحت الأرض، فاستمر الأثر المعتاد لانخفاض مستوى النيل لأعوام متعاقبة. وصلت المجاعة إلي أقصى درجاتها في العاصمة، حيث فقدت اتصالها بالأقاليم فبيعت كسرة الخبز بخمسة عشر دينارًا رغم أن أردب القمح كان يمكن أن يشترى بمائة دينار، وتم مبادلة بيت في مقابل عشرين رطل من القمح، والبيضة بدينار. أكلت الخيل والحمير واشتريّ الكلب بخمسة دنانير، وقطة بثلاثة دنانير حتي اختفت جميع الحيوانات. حوى اسطبل الخليفة علي ثلاثة خيول فقط وحين امتطى خيل خارجًا، أصيب مرافقه بالإغماء من فرط الجوع. عانى الأغنياء مثلما عانى الفقراء؛ حيث سعى رجال الحاشية أصحاب المقام الرفيع للعمل كسائسين وكناسين، فحين ذهب رجلٌ إلي الحمام سأله المسئول إن كان يفضل الحصول علي خدمته من قبل عز الدولة أو فخر الدولة أو سعد الدولة -ألقاب لا تنم إطلاقًا عن الدولة- وهم ثلاثة من الأمراء الكبار الذين اشتغلوا بخدمة الغسيل بالماء. حاولت السيدات ذوات المنزلة الرفيعة عبثًا أن يبعن مجوهراتهن مقابل الخبز، وألقين للآلئهن وزمردهن عديم الجدوى في الشوارع. وأخيرًا بدأ الناس يأكلون بعضهم بعضًا، حيث انتشل الناس من الشوارع بوساطة كلاليب مُدلاة من النوافذ، ومن ثم يتم قتلهم وطبخهم، لقد سجلت حكايات رهيبة عن فظائع ذلك العهد.
ورغم التنكيل ببعض المجرمين، إلا أن الحكومة الضعيفة لم يكن بمقدورها فعل شئ تجاه الجماهير التي اعتراها الخبل. أتي الوباء لينهي ما بدأته المجاعة، فأُفرغت بيوت بأكملها من الأحياء في غصون يوم واحد.

المجاعة الثانية في عصر العادل الأيوبي

سبب مستوى نهر النيل المُنخفض بصورة استثنائية عجزًا في المحاصيل عام 597 هـ / 1201 م وقد تكرر ذلك في العام التالي 598 هـ / 1202 م، وتلا ذلك المجاعة والوباء. وقد سجل عبداللطيف الطبيب البغدادي -الذي عاش في القاهرة لعشرة أعوام ( 590 - 600 هـ / 1194 - 1204 م )، وحضر دروس العلماء في الجامع الأزهر- التجارب الرهيبة لتلك المجاعة.
كان البلاء شديد حتي نزح الناس في حشود، وهجرت أحياء وقُرى بأكملها، أما من بقي فقد عَرَّض نفسه لممارسات وحشية، فقد ألف الناس -lk hممكن أن يكون جين توارثوه من أجدادهم الفاطميين ولا زال في العرق المصري- أكل اللحم البشري، حتي أن الآباء قتلوا وطهوا أبناءهم، وقد عُثر علي زوجة تلتهم زوجها الميت نيئًا، كَمن الرجال للنساء في الشوارع من أجل اقتناص أبنائهم، حيث كانت الأطفال المطهوة وأطباق رؤوس الأطفال أصنافًا غذائية عادية، نُهبت القبور نفسها من أجل الطعام.
واستمر ذلك في مصر من أقصاها إلي أدناها. كانت الشوارع شِراكًا مميتة، وعَم الاغتيال والسلب بلا رادع، واعتُديَ علي النساء من قبل جموع الأشرار الذين أطلقتهم يد الفوضى واليأس. بيعت الفتيات الحرائر بخمسة شلنات للرأس، وجائت الكثير من النساء متوسلات حتى يتم شراءهن.
وسنة الله تقتضي أن بعد المجاعة يأتي الوباء، ألقيت الجيف غير المدفونة في الشوارع والبيوت، وانتشر وباء فتاك في أنحاء الدلتا، تساقط الرجال عند المحاريث مصابين بالوباء. صلى الإمام في يوم واحد بالإسكندرية صلاة الجنازة علي أكثر من سبعمائة شخص، وفي شهر واحد انتقلت ملكية واحدة لأربعين وريثًا في تعاقب سريع. كان انخفاض قيمة السلع كارثيًا، فقد تدني إيجار البيت في القاهرة لسُبع قيمته السابقة بسبب تناقص عدد السكان، وحُطمت منحوتات وأثاث القصور لتقتات عليها نيران الأفران. رجّت زلازل عنيفة -لإن اللطمة ينبغي أن تكون من قلمين- بيوتًا لا تُحصى، دُمرت مُدن بأكملها، فزاد ذلك من البؤس العام.

هل سنأكل بعضنا البعض؟

المُعطيات لا تنبأ بأكلنا لحم البشر رغم استعدادنا لفعل ذلك، العصور وظروفها اختلفوا، أصبح لدينا القدرة علي تخزين الماء، بصورة أكبر من العصر الأيوبي أو حتي الفاطمي، عندنا أدوات لتحلية مياه البحرين ولأول مرة سأرى مصر تستفيد حقًا من موقعها الجُغرافي علي البحر المتوسط والبحر الأحمر، وأخيرًا عندنا أسهل وسيلة وهي تنقية الصرف واعادته للمواطنين مرةً أُخرى وهو ما لمّح اليه رئيس الشركة القابضة، هكذا سنختلف عن أجدادنا، فهُم أكلوا بعضهم، ونحن سنشرب بعضنا، القضية أكبر من مُجرد سرد تاريخيّ.


  • 3

   نشر في 16 فبراير 2016  وآخر تعديل بتاريخ 20 يونيو 2016 .

التعليقات

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا