بصيص أمل الجزء الثاني - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

بصيص أمل الجزء الثاني

  نشر في 09 مارس 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

أشرقت شمس يوم صيفي دافئ، ارتفع صوت الحاجة وهي تنادي خادمتها ذات الأربعة عشر ربيعا: فاطمة.. فاطمة .. أين أنت يا هذه، ابتعدي عن تلك النافذة واتركي روح " سي دريس" تنسل مع أول شعاع شمس، ثم دخلت الحاجة في هيستيرية بكاء، فقد تذكرت ابنها البكر الذي صدمته السيارة وتوفي أمامها، ما أقدمت عليه الحاجة كان سنتها كل يوم اثنين منذ أربع سنوات مضت. على صوتها وصراخها استيقظ عبد الله من فراشه في الغرفة التي يكتريها في سطح العمارة: على بركة "سي دريس"، سأجهز حالي لأتصل بالفتاة، توجه في حيوية إلى الحمام اغتسل وحلّق ذقنه وارتدى احسن ما لديه، قابل المرآة وابتسم: كأنني فرنسيا واعد لبنانية في شرم الشيخ، هكذا ظن حاله.

نزل مسرعا تغازل ذاكرته سيناريوهات كثيرة، توجّه إلى المقهى المقابل للعمارة من الجانب الاخر للشارع، طلب فنجان قهوة إيطالية ودخّن سيجارته الأولى .. الساعة الآن تشير إلى الثامنة صباحا، تعود الحياة إلى الشارع تدريجيا، فتحت أغلب المحلات التجارية أبوابها في وجه الزبناء.. لم تفارق عيناي عبد الله الساعة.. مرت ستون دقيقة ثقيلة موجعة كأنه ينتظر عزيزا أمام غرفة العمليات، أخرج هاتفه الخلوي من جيبه وبطاقة الزيارة من جيبه الثاني.. تعرقت يداه وارتعشت أنامله .. ركّب الرقم ووضع سماعة هاتفه على أذنه لتتسارع دقات قلبه، رنّ الهاتف ثلاثا لتجيبه الفتاة بذلك الصوت الخجول الذي لم يفارق أذنيه.

-ألو .. ألو.. من معي؟

ارتبك في الإجابة: أ أ أ أنا ذلك الشخص الذي التقى بك في الحافلة رقم -9- وسلمت له بطاقة الزيارة؟

-نعم تذكرتك مرحبا، سأنتظرك بعد الثالثة زوالا في العنوان المكتوب على ظهر بطاقة الزيارة.

-إن شاء الله، شكرا.. شكرا.

انتهت المكالمة، فشهق عبد الله شهقة عميقة كأنه تخلص من تعب أمسٍ شاقٍ، وكل آثام الماضي. عادت نبضات قلبه إلى الهدوء تدريجيا وهو متكئ على الكرسي باسطا رجليه إلى الأمام واضعا كفيه الغلظتين على حافتي الكرسي يفركهما بلطفٍ كأنه يتحسس نعومة نهدي سميرة التي يتوق أن يزوره طيفها كل ليلة.. ركز نظره بعيدا: ربما ابتسمت أيها الأمل من جديد.. ربما أمسكت بناصيتك للمرة الأخيرة.

دخل بائع الجرائد إلى المقهى، وعلى وقع الانتشاء طلب عبد الله جريدة وهو الذي لم يسبق له أن اشتراها، تصفّح الصفحة الأولى، ثم بدأ يُقلّب الأوراق ذات يمين وذات شمالٍ كمن يبحث عن خبر مقصود بذاته، استوقفته صور الفنانات والممثلات والراقصات في الملحق الفني للجريدة، انكب يبحث عن أيّهن تشبه الفتاة التي اتصل بها حسب الصورة التي رسمها لها في مخيلته .. وحيداً يتعثر كل مرة في الاختيار.. هذه .. لا هذه .. ربما هذه..، وأخير نطق عبثا دون تفكير: لا واحدة تشبه سميرة، فجأة انتفضت أوراق الجريدة بين يديه وسقط من حياته كل شيء يعيشه اللحظة ليعود به الحنين إلى الوراء وينبض قلبه بالحب.. بالعشق الذي يكنّه لسميرة وحدها دون غيرها. شبك أصابعه.. يحرك ابهميه في حركة دورانية، شارد الذهن يكرر في قرارة نفسه: لماذا خُلقت يتيم النبض.. يتيم الحظ، أشعل سيجارته يتأمل تلاشي الدخان كلما تجاوز جبهته.. هكذا هي آلامي ستتلاشى مهما كثرت.. ستتلاشى كلّما غرقت فيها.


  • 2

   نشر في 09 مارس 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا