الإنسانية.. جوهرة الإنسان ولؤلؤته - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الإنسانية.. جوهرة الإنسان ولؤلؤته

الإنسان لا يرى في الغالب الجوهرة المخبوءة في داخله

  نشر في 27 غشت 2019  وآخر تعديل بتاريخ 29 غشت 2019 .

نعيش في عالم يُفني قدرتنا على الحبِّ والعطاء والبذل اللامشروط، ومن ثمَّ يقتل فينا النقاء الفطري الَّذي يولد معنا أو ما نسميه "الإنسانية". ذلك الجدار الكبير المنيع الَّذي يحول بيننا وبين طغياننا، ويذوب على أعتابه تنوع ألواننا وألسنتنا واختلاف انتماءاتنا. الجدار الَّذي ظاهره جمال وباطنه تعايش ووئام.

وهذا المقال ما هو إلا لبنة صغيرة أضيفها لهذا الجدار الآيل إلى زوال وانهيار، وبقعة ضوءٍ أسلّطها على ثقوبه ومواضع عيوبه التي أحدثناها لنتعاون على رتقها معاً.

الإنسان لا يرى في الغالب الجوهرة المخبوءة في داخله

لو أعطاني اللَّه مع قلبي الَّذي وهبني عدة قلوبٍ أخرى، لأنفقتها في حبِّ أخي الإنسان أكثر، في حبكَ أنت أكثر، أكثر من هذا الحبِّ مَسلوب الجوهر والمعنى الذي نتداوله على ألسنتنا كلما ألتقى أحدنا بالأخر.

يحدجُ الأخ أخاه بابتسامةٍ باردةٍ.. ميتة كطقسٍ من طقوس الصباح، تقول: صباح الخير.

"ألقي عليه السلام ثم أمضي..

حاول أن لا يراك فترتاح من عبء السلام..

لا تعتذر أنت أكبر من أن تخطئ فتعتذر..

تجاهل ما عليك من حقوق تجاه من صنفتهم في رتبةٍ أسفل منك، وجالس أهل رتبتك"

هذا ما تخبرك به نفسك التي علّمتها أن النَّاس يتفاوتون في القدر والقيمة، وعلّمتها أن تحبَّ وتكره بناءً عليه.

ما الَّذي يدفع الواحد منا ليكره غيره أو ليعلو عليه؟ ما هذا الدافع الخفي؟

المكانة الإجتماعية ؟ اللون؟ عراقة العرق والمنشأ أم الحسد؟ أول خطيئةٍ عُصي الله بها.

دوافع كثيرة وأسباب عدة، كثر مُدركوها وقلَّ مُتداركوها.

لقد خلقنا الله ولا فروق ولا تفاوت ولا رتب، ولا فضل ولا رفعة بنسبٍ أو حسبٍ أو بدراهم تملكها كلَّما كثرت كَبرتَ في عين نفسك، وفرضت على النَّاس طقوس تمجيدٍ إضافية، و وضعت نفسك بنفسك على عرشٍ عالٍ من سراب.. حيث لا رعية ولا راع إلا الوهم وغرور الذات.

وصَغُر الأخرون أمامك، وتهاوت أقدارهم وكراماتهم على صخرةٍ صلود نسجتها في خيالك فاندثروا.

الكِبر والشعور الخُلَّبي بالعظمة أو التفوق العرقي ومن ثمَّ التفرد بالإنسانية وسلب الأخرين حق الحياة، كان الشرارة التي أشعلت نار حروبٍ لم تنطفئ، إلا وقد أتت بالدمار وبحار الدماء على البشر والحجر، والكبير والصغير بلا تمييز.

أفسدت الأرض وأتعبتها بالكثير من الركام والخراب يثقل كاهلها، وبالكثير من أجساد أبنائها تمضغهم في أمعائها، وهي تبكيهم بحرقةٍ مع كلّ قطرة دم تسقط لترتطم بترابها منذ قطرة الدم الأولى.

فلو نطقت لصاحت فيهم: ويلكم ماذا تفعلون؟ وبأي حقٍ تَقتلون وتُقتلون؟

ثمَّ إذا أمعنت النظر بكلِّ هذا يتبين لك السبب.. سبب تنافر "الجنة والكِبر" تنافر الأضداد والماء والنار.

حديثٌ نبوي يقول: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر".. نعم لكي لا يفسدها، الجنة ما كانت لتكون جنة لو لا صفاء مَن يدخلونها، فالدّار بأهلها لا بزخرفها.

الفروق الإجتماعية التي تنتج عن النظم الأقتصادية اليوم، تكوم المال عند البعض وتعدمه من عند الأخر، ثراءٌ فاحش وفقرٌ مدقع.. نهجٌ يساهم في توسيع الردهة بين طبقات المجتمع، ويخلق فواصل وحواجز كثيرة تمنع تدفق الدم الإجتماعي في عروق المجتمع على النحو السليم.

التدفق السليم، هو التواصل المبني على الحبِّ والأحترام والتعاضد بين الَّذين يقطنون في ذات البقعة من الأرض، ويتشاركون الهواء والماء والتراب والثقافة الواحدة، وبينهم وبين من يجاورن تلك البقة وبين من لا يجاورن من إناسٍ ربما يختلفون عنك في بنية أجسامهم، وألوانهم، وألسنتهم وحتَّى في معتقداتهم عن الله والحياة والموت والبعث بعده.

ولكنهم يشكلون معاً عائلةً كبيرة واحدة، عائلة الإنسان والجنس الواحد والمصير المشترك.

النَّاس بمعظمهم لا يعرفون جوهر الحياة

فما الحياة وأنت لا تحترمني لأنني أختلف عنك لوناً وفكراً ونطقاً؟ ما الحياة وأنت تسلبني إنسانيتي لتبيح دمي في الحرب المقبلة؟

ما الحياة وما تعني بدون نظرة حبٍ حقيقية تتلقاها من أخٍ أو جار أو صديق، بلا أي أطماعٍ خفيةٍ تنساب من تحتها؟

ما الحياة بدون ابتسامة ودٍّ وشوقٍ تمنحك إياها زوجك عند عودتك في كلِّ مساء؟! وهي نابعةٌ من اعتقادها بإحسانك وإحساسك المرهف بقيمة وجودها في حياتك واعتمادها عليك.

ما الحياة بدون تقبل الأخر بعيوبه ومحاسنه؟

وما الميزة في أن تقبل الجميل فيه وترفض القبيح؟

كلّنا فُطرنا على حبِّ الجمال بدون تكلُّف.. فأين البطولة؟

ما الحياة بدون "أسف" تخرج من قلبك اللئيم ثم تعبر قضبان شفتيك إذا أخطأت؟ .. تعبّر بها عن أسمى جوانبك وعواطفك، وما استودعك اللَّه من جمال، تواسي خاطر مَن آذيته بطبعك السبعي.

ما الحياة وما معناها وأنت لا تفكر في أخيك؟!

كيف نام؟ أو كيف قام؟ وأي شَّيءٍ في انتظاره مع الغد، فضلاً عن أن تفكر في مَن يشترك معك في جوهرك.. في إنسانيتك.

ما الحياة وأين إنسانيتك إذا لم تربت على كتف اليتيم بيد الأخ المشفق الحنون؟ وأنت على مشارف الأربعين.

ولم تحض على طعام المسكين وأنت قد تجاوزت الخمسين.

ولم تشارك جارك الحزن والفرح والدهر بتقلباته وقد تجاورتما دهرا تجاور الجدران لا الإنسان.

ما الحياة وأين جمالها؟ وأنت عند كلّ سوء فهمٍ تنشئ خصومةً تمدها بالكِبر والمكابرة، فتمدد بضع سنين، وربما تشتاح عمرك القصير.

وفي المقابل هل تُدعى حياة التي تحيا بدون كلَّ ما ذكرت؟

تفقد نفسك إذن ثمَّ سلها إن كنتَ حي


  • 5

   نشر في 27 غشت 2019  وآخر تعديل بتاريخ 29 غشت 2019 .

التعليقات

هدوء الليل منذ 5 يوم
صدقت .. واقع شنيع.
1
Malak منذ 2 أسبوع
Good
1
نريمان منذ 2 أسبوع
جميل مقالك من حيث اللغةوالأجمل انه يحمل الكثير من الحقائق
1

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا