انحلال إنسانية الإنسان - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

انحلال إنسانية الإنسان

انحلال إنسانية الإنسان

  نشر في 21 يونيو 2017  وآخر تعديل بتاريخ 30 يونيو 2017 .

انحلال إنسانية الإنسان

هيام ضمرة


أهو الضياع الداخلي أم الانصياع الوحشي ذلك الذي يتلبسُ نوع من البشر ليسوا بحقيقتهم بشراً؟.. لم أكن أتصور وأنا الانسان الراكد في القاع الهادئ من هذا العالم أن هناك على سطحه بشر هم أدنى مرتبةً منَّ الوحوش، فرُغت ذاتهم من الضمائر، وانسحقوا في أوعية كراهيتهم بكيد الماكرين وجنون الحاقدين، البرودة تجلِّد أفئدتهم لتحولهم إلى كتل ثلجية طافية، بكثير كثير وحشية

ضغطتُ بإصبعي على شاشة هاتفي لفتح فيديو وصل للتو على أحد جروبات الواتس آب، ما أنْ استوعبت محتواه حتى أصابتني صدمة عنيفة استثارت أعصابي وإنسانيتي، ورحتُ أصرخ مُعترضة بغضب، والطفل الصغير العاري تماما يتلوى ألما من أثر صعقات آلة كهربائية يدوية، مما يستخدم بالعادة لرد عدوان اللصوص، كانت يد مجنونة لرجل يافع تصعقه بها في كل مكان قد لا يتصوره عقل إنسان سليم، وبشكل متواصل بلا توقف، والطفل ابن العام الواحد يتلوى ألما ويحاول بفطرته الدفاع عن نفسه بيده وهو يكاد يسقط اعياءاً من طول فترة التعذيب، يحاولُ بيديه اتقاءها وصراخه يَشي بأنه مُنهَكٌ تماماً، كانت يدُ الغادر الغاشمة تصيبه بالصعقات في أذنِيهِ وخلفهما تلك المنطقة الخطرة خلف الأذن، وأنفِهِ، وخدِهِ، وعنُقِهِ، ورأسِهِ وأصابعِهِ وصدرِهِ وبطنِهِ وساقيهِ ويديهِ والأماكنُ الحساسةِ من جسمِهِ بصورةٍ جنونيَّةٍ تخلو من كل معاني الإنسانية وتؤكد جنون هذا الرجل المفتري على الطفولة، حتى وصلَ الحالُ بالطفلِ للانهاك التام، ومال مرتميًا على جانبه على الأرض المبللة بالماء امعاناً بأذى الصعقات الكهربائية، ارتمى الطفل مستسلما للإغماء أو للموت، لينتهي شريط الفيديو بالجريمة الانسانية الفظيعة بحق طفل رضيع لا ذنب له إلا أن والديه القتيلين مسلمين، وكل جسمي ينتفض كصدر طير يوشك أن ينفجر، وقلبي الهاوي من عليائه يشارف على الارتطام

ما طبيعة هذا الوحش البشري الذي طاوعته نفسه تعذيب طفل حتى الموت، وكم من الوقت تعرض هذا الطفل للتعذيب قبل أن يرحمه ملك الموت وينتشله من براثن هذا العذاب الوحشي، وكيف لطفل أن تستقبله الحياة بوحوش لا قلب لها ولا ضمير ولا حس انساني، كيف لحقد الانسان وعنصريته أن يتحول إلى ما هو أقسى من الوحشية

ظللتُ أعتصِرُ وجهي بينَ كفيَّ ألماً، فيما دُموعي تهربُ منْ مآقيّ وتنهال مدرارا، أين تُرَاها تسحبتْ مروءة ُالإنسان ليخرج عن إنسانيتِهِ بهذهِ الوحشية؟.. لقد أمعَن هذا المخلوق القميء بعنصريته البغيضة مُنتهكاً حق طفولة لا تعي من عالمِها شيئ يُذكر ولا ذنب بعد ترتكبه في مرحلة طفولتها الأولى فلو أخذ هذا الطفل وربي في حضن الكفرة لنشأ على ملتهم وعلى كفرهم فلماذا هذا التعذيب لمجرد طفل لا يعي من أمر عالمه شيئا ولن تستطيع ذاكرته أن تحمل مما يحصل حوله من مآسي حتى لو كانت عبارة عن مجازر بشرية راح ضحيتها والديه المسكينين وآلاف البشر، ولا يجوز أنْ يتحملَ ذنب عداوة الكبار ويُعامل مُعاملة همجية منَّ اليافعين، فليس هناك تكافؤ بين طفل طاهر النفس مسلوب الإرادة لا يعي المجريات مما حوله؛ وناضجٌ مجنونٌ حاقد محاصر بهمجيته.. رحماك إلهي منْ فئةٍ تتوارث الحقد على الخلفية الفكرية لتُصيب بكيدها طفلا سُلب منْ حِضن أمه ليُستخدم طُعمًا لتفريغ سوداوية الأحقاد وظلامية الرؤى.

وما استطاعَ مرورُ الزمن على الأحداث التاريخية أنْ يُزيحَ الصورة الاجرامية من ذاكرتي، واللحظات تتراءى لي في طولها مدٌ منْ أمواجٍ عاتية ترتطم بجدار إنسانيتي ، ونفسي تُسائِلُ نفسي بجلفِ الجِراح أتموت الضمائر والأحاسيس البشرية وتُنعى على جسد طفولة بائسة

وما جَرُأَتْ يدي على إزالةِ الفيديو أو إعادةِ مًشاهدتِهِ، أسْتَدْرجني للتشبث بالقوة، فتهوي مني شجاعتي، يخورُ بي العزم فاتحاً مجرىً إلى كآبةٍ تُفرِّغ روحي من روحي

لستُ أدري كم من الأيام مرت وأنا أتمزق على قارعة حزني وتألمي، فقد توقف تجوالي داخل نفسي، كنت أتحاشى الاصطدام بذاكرتي وقد فارقتني آخر ابتسامة، إلى أنْ كان ذات ظهيرة ناداني فيها كتاب بالتنمية البشرية، فالتاريخ حمل إلينا كثيرا من ذاكرة العنف والنزاعات إلا أنها ذاكرة اجتياح وعوز وتحديد قوة ولم تعرف البشرية عنف التعصب والتعنصر إلا حين دخلت أوروبا مرحلة الخروج من حكم الامبراطوريات التي اجتاحتها ومارست على شعوبها شتى أشكال العنف والاستبداد والفقر، وبيّن التاريخ أن نماذج الاجرام كانت دائما متغيرة في كل مرحلة وفي كل عصر، وأن الطبيعة البشرية في حقيقتها تميل للعنف لولا أن القوانين الوضعية الانسانية تحد من انفلات الانسان نحو العنف وتقيده بالقوانين المرتبطة بالعقاب والثواب لضبط الوحشية فيه، كما يلعب الدين دورا حاسما في ضبط ميول الانسان التهور، كون التهور طبيعة بشرية يفقد بها الانسان قدرته على التوازن والشعور بعذاب الآخر وفقدانه حقوقه

وتذكر نظرية ممفورد حول مسألة انغماس البشر بالحروب والنزاعات وسقوطهم الذريع في حمأة الاقتتال العنيف وميلهم للقتل وربما للتعذيب وارتكاب الجرائم حين بدأت تتكون المجتمعات البشرية المتعددة وتتخذ لها بقعة جغرافية تمارس فيها صيدها وزرعها وطرق عبادتها، وبدأت تنظر بعين الحسد والطمع إلى بعضها وتفكر بالاستيلاء على ماتملكه الأخرى من امتيازات إن كان بالموقع الجغرافي أو بالمواد العينية، من باب الاستئثار بالأفضل ، والمصفوفات الأثرية السومرية المعثور عليها بالعراق منحتنا قصة الحرب الأولى المسجلة تاريخيا على حجارة الآجر المشوية، أن تلك الحرب كانت نزاعا على حدود وطمعا في توسيع رقعة الأرض للاستفادة من خيراتها، وهو الذي لا يمكن حصوله بين مجموعات الطيور ومجموعات الحيوانات، التي كانت تلجأ للقتل بهدف الغذاء والبقاء على قيد الحياة، وهنا تتأكد نظرية أن التوحش البشري غير توحش الحيوانات، وأن ميول الانسان للعنف حد ترهيب الآخر ما هو إلا صورة حقيقية لواقع استخرج الطبيعة البشرية المتوارية خلف محاولات قهر حقيقته بالقوانين الوضعية والإلهية، ولا يمكننا أن نغفل تلك النصوص السومرية نفسها التي تركت لنا تراثا عظيما في خلو المجتمع آن ذاك من السادية والوحشية وعدم ميل الانسان للقتل والتعذيب بالصورة التي تطورت عليها الحالة البشرية في وقتنا الحالي، وان أول محاكمة وصلتنا من النصوص السومرية كانت محاكمة ثلاثة أشخاص قتلوا خادم الآلهة في سومر عام 1850 قبل الميلاد وقرروا ايقاع القصاص بهم بالقتل لأنهم لا يستحقون الحياة وقد حرموا خادم الآلهة من الحياة

هذا يثبت أن المجتمعات القديمة كانت مجتمعات رحيمة وإنسانية بالتعامل الإنساني أكثر من المجتمعات الحديثة التي تأخذ قرار القتل الجماعي الضخم ببرود دم وأعصاب دون أن يهتز لها جفن، وربما بدأ التحول عند الانسان في الألف الثاني قبل الميلاد في ممارسة القوة دون كابح ، مستخلصاً النتيجة من فكرة الحاجة لاستعراض القوة بالقسوة وكان ذلك في زمن سرجون الأكادي الذي مارس العنف لترهيب الثائرين على حكمه الظالم فأصابه الخوف من فقدان موقعه كملك،

ويظل السؤال قائما.. لماذا الانسان وحده من يقتل ويعذب إنسانا من نفس جنسه، وكيف وصل الأمر بمشاعر هذا الانسان لأدنى درجات الحضيض ليعذب طفلا صغيرا وطفلا رضيعا لا حول له ولا قوة ويسلمه لموت محقق..؟ ما الذي كان سيمنحه ذلك الفعل اللا انساني من نفع غير اطفاء لغليله المريض واستخراج ساديته البليدة والتربيت على احساسه الجامد جمود الثلج، فما أسهل من أن يخلع الانسان عن نفسه غلالة انسانيته ليتحول إلى وحش بشري تأنف منه نفوس الوحوش نفسها، فعلام التأسي على إنسان هذا العالم المتوحش

المحللون الاجتماعيون والنفسيون يرون أن هناك مؤشرات لتحول انسان العالم الحديث إلى العنف غير الاعتيادي وبتزايد غير طبيعي بشكل مضطرد، خاصة مع توجه السينما والاعلام الأمريكي إلى بث أشكال من صور العنف وحالات الاجرام الانساني غير التقليدي وغير الانساني مما يبرمج هذا العقل أنّ بإمكان قدرته أن تحتمل على استيعاب وتحمل مناظر العنف والدم واللحم البشري المتفتت إلى درجة غياب المعالم

ولما كانت ظاهرة العنف تلج في نطاق الظاهرة السيكولوجية المرتبطة بالناحية النفسية للفرد وبيئته القريبة والبعيدة ومحيطه الانساني العام، فإن نمط تفاعله الشخصي يتشكل من خلالها كل هذه دون أن يكون له سلطة بتقويمها، فتبزغ فيه ملامح تفاعلاته الشخصية خلال المواقف العنيفة والصراعات المتفلتة عن الأنظمة القانونية الفاعلة، فتظهر عليه ملامح برمجيات عقله على ما تعود أن يشاهده على شاشات السينما والتلفاز، لأنه يرى نفسه محاصرا ذاتيا قبل أن يحاصر فعلياً، ولأن ما تبرمج عليه عقله خلال فترة طويلة من الرخاء يخرج منه بشكل خبرات وهو ما يتملكه من احساس خلال ارتكابه الجرم ضد الانسان الضعيف بالغالب

ولارتباط مكونات العقل بعضها ببعض فإن اعتماد كل جزء بالعقل على الجزء الآخر مما يجعل البرمجة العقلية سرعان ما تطفو وتصبح بقوة الخبرة وهنا تكمن الطامة الكبرى في تحول الانسان للعنف وللتعنصر، ولأن العقل الاستعماري بالأمريكان بالذات يحصد فوائد مصالحه من خلال تفقير الشعوب المهيمن عليها، فإن امكانية تزايد الاضطراب السلوكي والعنف سيكون بديهياً في هذه الحالة بالمراحل القادمة، لأن العنف استجابة سلوكية دالة على هبوط في مستوى سلامة العقل وقصور البصيرة وفي مستوى التوازن الفكري فتنشأ التفسيرات المنحرفة والمتطرفة وتتخلى النفس عن انسانيتها

ويعزى العنف أيضا لنواحي تربوية يشترك بها التوجيه التربوي في البيت والدين والمجتمع والبيئة العامة 


  • 2

  • hiyam damra
    عضو هيئة إدارية في عدد من المنظمات المحلية والدولية
   نشر في 21 يونيو 2017  وآخر تعديل بتاريخ 30 يونيو 2017 .

التعليقات

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا