عَنْ الحَماقَةِ وَالجَمالْ.. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

عَنْ الحَماقَةِ وَالجَمالْ..

أتَستحقُ الحَياةُ أن نَحياهَا؟ أم أنّ الحُبّ والموتَ سَواء؟

  نشر في 28 يونيو 2019  وآخر تعديل بتاريخ 20 يوليوز 2019 .

كان هذا الذي كتبتُه جرّاءَ ما اعتراني من وعكةٍ خَلوصةٍ ألمّت بجُسماني ولم تبرح خاطري.. 

آن تعثّرت أنفاسِي وزَافت رُؤيتي واختلجت الجريات خافقي.. لم يهنأ جسدي باضطجاعه هنيهةً ولي ظهر يستصرخهُ من الألم كعود قصبٍ لم تقصم السكين متنه بتمامه.. وقد عاودني الجفاف وأخلص العود ملبّيًا دعوة الصيام اللحوحة وغمرة التعرق وفيض الارتشاح.. حتى غارت المقلتان في كهفيهما كشعلتي سراجين ينضب منهما الزيت.. وَأَضْحَى مذاق فمي الأشبه بوجبةٍ من الرصاص والقصدير المذاب بجانب استتار لعابه من كل النواحي - مماثلًا لمخدّرةٍ خجول تستحي الظهور - واجتماع ذلك مع اختفاء تحسّس الشم تماما بأنَفِي زَاجِرًا منيعا يكفي لصدي عن أقرب مُطعَمٍ ومَشرَب إلى قلبي.. وما بت ليلتي إلا وقد أيقظتني صبيحة العيد سيمفونيةٌ غامضة تأبى شِعابي إلا عزفها.. كأنها نوتة لكمان معذّبٍ أو ساكس مسدود.. فكان العيد ملتقى المتباعدين حقَّا.. فلم ألبث طويلا برفقة الزملاء حتى آنستنا الحمّى التي هي للإنصاف أشد خلوصا منهم جميعا.. وأشد غيرةً أيضا.. فإنها لا تألو جهدًا في امتلاكك لها وحدها.. حتى تتناسى وجودَهم أجمع.. بل تتناسى وجودك أنت.. قابعًا بحضرتها.. تتحسس كل شئ ولستَ تحس بشئ.. كأنك في غرفة من الزجاج على شاطئ مهتاجٍ في يوم مشمس.. تلاطم الأمواج العاصفة جدران غرفتك لكنك لا تدرك برد الماء ولا نسيم الصّبا ولا دغدغة الرمال.. بل تصطليك الشمس وأنت موجه لها كقربان نصرٍ إلى وُيتسلُوبوتْشِتْلِي.. إلا أنني أفقت لحظيةً من عويل واصطراخ وانتحاب ونداء وهزهزة من حولي ثم أبت لغفلتي..

ولم تكن تلك المرة الأولى التي أشعر فيها أنني شارفت الموت.. كانت الثالثة.. سوى أن كل واحدةٍ كانت تباين الأخرى في تساؤلك عن حياتك وما حصلته وما عانيته لأجل ذلك التحصيل وما كنت ترجو لو حصلته قبل موتك وعن رضاك وسخطك.. ثم عن الحياة ذاتِها وعن معنى كل تلك المعاناة وعن إلى أين وماذا بعد؟ 

على أنه لا تكون التساؤلات دومًا حكيمة - كتلك المرّة التي كنت أتساءل فيها: أيموت المرء هكذا! وليست له الحبيب التي تعقل خمسه بخمسها فترجفه الخفقات من قلبها كأنما تمنح قلبه المجهد الحياة.. وتُسند رأسها إلي حاجبيه.. فتستضيئ صفحته الباردة لدفء تنهّدها ورقّة أدمُعها.. وتستقر مقلته الهائجة لحمامَتي لحظها.. وتهمس في أذنه اليمني بصوتها المتهدهد الشّجي: ألست زادي وكلّ حالي وكلي! فأنّي يا فتنة الروح تذرني! - ولكن يبدو لي أن المرء يكون أكثر تحققا من حقائق الأمور في مرته القادمة للإشراف على الموت.. إذا تعلم كيف يتعلم من مرات موته الغابرة.. لأنه بتعلّمنا الموت فإننا نستبصر جوهر الحياة ومُجداها.. ونحن إنما نبحث عن تبصّر للحياة وجدواهَا.. لكي نتعلّم بآخر الأمر كيف نموت.. وإلا فإن المرء بالطبع لن يسلم من حبائل الحماقة.. 

وما ضيرُ الحماقة على كل حال؟

لم تكن الحماقة سُبّةً في أصل دلالاتها الفلسفية - أو التّفلسفيّة حسب زعمي - فإنها جملةً تتسم لحالة يفوّت فيها المرء أمرا أو يضيّع فرصة أو يُغيّب إدراكا أو يفعل خلاف الأولى والأعقل والأقرب والأعهد.. وأن ذلك الذي فوت ربما كان أوجب مما استنفذ جهده فيه أو أنه كان يستحق على الأقل رؤية أخرى أو اهتماما أَجلّ.. 

ونحن بهذا نتعلق بحماقاتٍ.. ونقترف حماقاتٍ أخرى.. وتمنحنا الحماقات ما قد يهون القسوة والبؤس.. أو يزيد الضّلِّةَ والبأس.. وفي كل يهدينا طريقا لم نهتديه لولا التّحامق.. وحين نجاهد كي نمتنع عن الحماقة.. فإننا نمتنع بحماقةٍ أكبر..

وذَا دَيدن الحياة.. لا تستقيم دون حماقة.. من وجهٍ أو آخر..

فالذي انساب منّا في ترحالها يَذرُ روحه لحلقاتها المفرغة.. يرى لذّة الحياة حيث يكمن الفعل.. ولو دون اكتراث أو حيطة أو درب.. فليس سوى أحمق عظيم من وجه..

والذي نظر وحلل وتريّث واستبصر.. فخاضها باتزان وعقل ودراية.. يرى لينظر.. وينظرُ ليرقب.. ويرقبُ فيبصر.. قناعةُ  جوهرها أن لذة الحياة في الفكر.. لأن خال أنه يفهمها ويعرفها ويفقهها.. حتي أخلدَه البشر بحكمته معظّما.. فهو وإن كان عظيما بحق.. فإنه عظيم أحمق من وجه..

الحياة لا تروض.. لا تصادق.. ولا تعادى.. ليست جائرةً أو عادلةً في ذاتها.. لا توصف بجمال ولا قبح.. لكن أنصف ما يقال فيها.. أنها غريبة.. غريبةٌ بحق.. فلا تنتظر مع الغريبة في عيشها أو فهمها وجها مألوفا.. فإنها غريبةٌ أشد إخلاصا لغربتها.. تجدد اغترابها كلما أوشكت أن تألف وجها لها..

فقط لتعشها.. في حكمةٍ أو عبثٍ أو تخبّطٍ أو تيهٍ أو سكن.. لا تفاضليّة في الكيف.. التفاضل في العلة..

محكومٌ عليك في كل احتمالاتك أنك أحمق من وجه.. وجل الفارق.. إما أحمق عظيم.. أو عظيم أحمق.. وليس ما بين الجملتين من تلاعب باللفظ.. إلا كما بين صروف الحياة من تلاعب بالدرب..

قد تؤلمك غرابتها.. وقد تنتشيك.. ما يهم ألا تبالغ أو تتعجل الإطلاقات بلحظات اندفاعك وانسيابك وانسياقك وغرقك في ثنايا الجزئيات.. أنت كائن محدود موقوت.. لا تتحمل المطلق ولا تقوى على الأبد.. لا تبرح عن فكرة الحرية.. والرِّق يحيطك في كل ترحال.. فلا تُحمّل محدوديتك مالا تطيق أيها البشري المتأله بهوس الخلود وحرية الإرادة وكلية الفهم..

فربما لا تستحق هذه الحياة أن نحياها.. على سبيل غلبة الشّك.. لكن الموت أقل استحقاقًا من أن نختاره.. على سبيل غلبة الظّن..

وليس منطلقنا هو الجبرية الثنائية البحتة.. فالمفكر يفعل والفَعِيل يفكر.. والفكر في ذاته فعل العقل.. فهو فعل من وجه.. كأنه فعل بين واقع أصغر.. والفعل بتحريكه الأشياء بالواقع يماثل تحريك الأفكار بالعقل.. فهو فكرٌ من وجه.. كأنه فكر بين عقل أكبر.. إلا أنه يغلب على الإنسان طابع منهما.. يَصبغ مطامحه ومخاوفه.. مبتعثاته ومثالبَه.. أنداده وحلفاءه ووجهته وتردده..

ولا يستحق الجدل أن يطول مقامه بين الفكر أم الفعل؟ ..

إننا نحتاج أن نفعل كذا وكذا وكذا كي نحصّل مقومات البقاء.. ونحتاج أن ندرك كذا وكذا وكذا كي نحصل معنى ذلك البقاء.. ويتفاوت البقاء الجسماني والاجتماعي والمدني والأخلاقي والوجودي.. فاسم البقاء يشترك ومدلولاته تطرد وامتثالاته في حياة كل بشري تختلف.. ولا يقوى مفتاح واحد مهما بدا صالحا.. أن يفتح جميع الأقفال.. ومن هنا تبدو الحقيقة مطلقة في أصل وجودها بعالمها الكلي وحده.. في مركزية خيالية تفرضها الضّرورة المنطقية.. لكنها محتومة النسبية الظنية في إدراكها بهذا العالم الجزئي.. سوى أنه لا مناص لمعتنقها أن يلزم نفسه فكرا أو فعلا برتبة التّيقّن.. لأنه في أمس الحاجة لليقين وإن أنكر أو لم يعي ذلك عن نفسه.. وإذا لم يقتنع تماما بالفكرة اليقينية الجزئية أو الكلية.. فإنه يستسلم بأفعاله لها.. ثم ينساق باحتياجاته عنها أو نحوها.. ولا يزال الإنسان مطّردًا مضّطرب الماهيّة والوجود.. لأنه كثيرًا ما ينسى: أنّك لا تستطيع أن تجيب سؤال من أنا؟ بمعزلٍ عن سؤال ما أنا؟ 

وقد أدرك كل بشري على تفاوت ذكائه أن هذا العالم المشهود وحده لا يكفي.. فاحتاج إلى التجريد والإيحاء والتعالي.. ولم تسلم عوالمه المجرّدة من الوهم.. وهل كان الإنسان ليطيق الحياة من دون وهم؟ فالوهم يهوّن مأساة الواقع وأرق التّمنطُق.. بل أنه أحيانا يكون الباعث الوحيد على تغيير ذلك الواقع واستطابة ذلك المنطق.. لا أخجل أن أقول أننا حقًّا نحتاج الوهم.. وأن أوهام البشر النزاعية الكبرى في مجملها تتفق وتلتقي من حيث يتوهم أصحابها أنها لا تتلاقى أو تهتدي.. ولا يفوت الذكاء أحدهم.. لكن الأسى أن الذكاء لا يطّرد لأصحابه في كل صروف الحياة كما يطرد في اختبارات الذكاء.. فالذكاء الفعلي يمكن صاحبه من استقراء وتعيين وانتقاء الأنماط التي تهم.. وإهمال الأنماط التي لا تهم.. حسب معتقد صاحبها المسبق عن الأهمية.. ومن هنا.. فكم من ذكيٍ أبلهٍ في غير بابه..

هكذا تتشابك المفاهيم.. لأننا نحتاج أن نفعل كذا وأن ندرك كذا.. لكن لا يلزم أبدًا أن نفعل كذا أو ندرك كذا كليةً بعينه.. الحياة احتياجات تتفاوت ويتباين كفافها بين البشر.. لكنها ليست لوازما قاطعة تطّرد في قوالب مصمتة فوق مجموعة من ألواح الخشب.. كل بشري له معادلته الخاصة.. وكل بشري يحتاج الحريّة بقدر ما يحتاج كفاف لقمة العيش.. ولا مقابلة بين أحديهما والآخر.. فالحرية احتياج اجتماعي.. والكفاف احتياج فردي.. ولا استقرار لوجود أحدهما دون الآخر.. فإذا غاب الكفاف كان وجود الحرية الفعلية هشًّا أمام دوافع التعدى وذُلّ الفاقة وانعدام قدرة الاستقلال.. في مجتمع لا ينتمي لقيمة الفرد بقدر انتمائه لاقتصادية المجتمع.. وإذا وجد الكفاف وغابت من لا تسمى.. كان الخوف والاستبداد والنفاق والمحاباة واستحياء العدالة إزاء تقديم الولاء على الاستحقاق.. في مجموعة من الأفراد لا ينتمون لقيمة المجتمع بقدر ما ينتمون لمدنيّة الفرد.. وإذا غاب الاثنين.. كانت مجموعات وأفراد من الهمج والأوغاد يكبحهم الخوف عن التقاتل على فتات الكفاف والحرية ويكيدون ويتخابثون ليظفر كل بصاحبه..

فالخوف كثيرا ما يكون سلطة الإلزام الفردية الأكثر فعالية وامتثالا.. الخوف سلطة الإلة ودرع السلطان.. والقهر صولجانه.. فإذا أُسر الخوف بمجتمع حديث عهد بالجرأة.. لا توشك الفكرتان أن تمتثلا للمحاكمة.. ولكن كذلك.. لن تلبثَ كثير من المعايير الأخلاقية أن تنقلب رأسا على عقب.. لا لشئٍ أكثر من أنها كانت تستمد شرعيتها من الخوف.. الذي كان يكسو الحياة بالشحوب من فرط أسترة الموانع والزجر.. وفي مجتمعيّةٍ تمكّنت من أسر الخوف ذاته فإنها تبحث عن تلك الجمالية التي نزعت منها بأن تنتزع كل الأستار عن كل جميلةٍ مُخدَّرة.. فيتعرى الجمال.. حتى يصبح الجمال في التعرى.. ولا يلبث أن تَشتّتَ هنالك التعريفات والدلالات ودلالات الدلالات.. حتى يجمل فيه القبح ويقبح فيه الجمال.. ثم تتعدى الحرية الفردية إلى حرية تحديد دلالات الأشياء بل والتحرر من دلالاتها الموضوعية.. فيصبح الجمال والقبح اسما ذَاتيّ المسمى عند كل فرد.. لتتعدد التعريفات بتعدد أفراده.. ألا أنهم يشتركون من وجه أو آخر.. فليس هنالك ألف رأيٍ بالمعنى الحرفي.. بقدر ما هنالك رأي واحدٌ وألف مُقلِّد..

وأما ألوان الحياة الجميلة في تشبعها وعمقها.. وألوانها المقيتة في دكانتها واحتراقها.. فإنها في واقع الأمر أقل تشبعا وأكثر شحوبا وأقل أحتراقا بكثير بكثير مما تبدي لنا العقول..

فالجمال في عقولنا أجمل من جماله.. والقبح أقبح.. نحن نصنع العين التي تبصر الحياة.. وما تصنعه تلك العين يرسم لنا شكل الحياة.. فإذا انتهى مخيالنا مات الجمال واندثر القبح..  

فالمرأة مثلا.. مخيال اصطنعه الرجل.. رَقّــًا لمِخيال شعره.. فهو لا يحب الأنثى لمجرد أنها أنثى -وهنا أتكلم عن الحب لا عن الرغبة.. فبونٌ بين الرغبة بلذتها القصيرة المتقطعة الآخذة التي تخضع لمنطق الحاجة والنفع.. وبين الحب بحالته المستطالة المستغرقة الباذلة التي تخرق كل تمنطق- فهو يعاينها كما يعاينها غيره سوى أنها لا تشغل بال غيره.. أو على الأقل بتلك الدرجة والكيف.. ينجذب لها لأنها امرأة وينجذب لها غيره لأنها أنثى.. فإنه وإن اشترك مع غيره في الرؤية فقد تباينا عند البصر.. وحده من يبصر فيها الممثلَ الأقرب لفكرة المرأة التي شكلها دهرا برأسه.. فهو بطبيعته يرغب بمادتها.. لكنه لا يحب مادتها.. بل يحب فكرته عن مادتها.. حتى إذا تعلق بأنثى أكثر مما اعتاد كانت مجادلته لنفسه: هل هذه "هي" أم ليست "هي"؟.. فإن أراد مقامها أمسى وأصبح يقنع نفسه أنها هي.. وإن أراد ارتحاله حاج بكل منطق يملك أنها ليست هي..

والمرأة كذلك.. هي اصطنعت فكرة الرجل.. جِسرًا لتقريب مِخيالها.. سوى أنها على النقيض لا تحب مجرد فكرتها عنه.. هي تعرف جيدا عن نفسها.. أن أفكارها سريعة التقلب والتعدد والتبدد.. وإن أعجبت بجسمانه أو اقتداره المالي أو مقامه الاجتماعي أو حتي بأفكاره أو بلسانه.. قد تعجب بغيره على السواء.. أو تتحول فجأة فتسلب الإعجاب عنه.. ويحملها على ذلك طبيعة الرغبة عندها.. فهي كذلك ترغب بمادته.. لكنها لا تحب مادته.. بل تحب الواقع المنطبع عليها من مادته.. من أمان وقدرة واستقلال وإراحة ووجاهة وإرضاء.. حتى إذا تعلقت بأحد الذكور أكثر مما اعتادت كان تيه أفكارها: هل "هو" خير لي من "هو" أم هنالك من "هو" خير لي منهما؟.. فإن كان واقع "هو" أقرب للمنطبع الذي تريده هي في تلك اللحظة.. كان "هو" بالطبع.. لكنه لن يكون "هو" في كل وقت..

فهكذا كل من المرأة والرجل.. بحكم طبيعة الرغبة يتعلق كل واحد بالكثير.. وحصرُ التّعلق تحت أمثولة الحُبّ هو ضرب من المحال.. وحِيلةٌ للتّملك والامتثال.. وأشد استحالة أن يتوهم الالتزامَ به طرفان.. ولكن التعلقات بعالم كل منهما تتفاوت في الدرجة والكيفية.. ويتباين كذلك سؤال الاختيار عند كليهما.. ما بين المرشحة الأقرب لتمثيل الفكرة عنده.. والمرشح الأقدر على طبع الواقع عندها.. فهو يريد تحقيق الفكرة ليستقر واقعه.. وهي تريد تحصيل الواقع لتستقر أفكارها.. فالمرأة يمينية جدا إذا تعلق الأمر بثورتها لأجله.. يسارية جدا إذا تعلق بثورته لأجلها.. حتى عندما تثور.. تثور بطريقة آمنة.. فإذا صرحت بحبها كانت تلك أقصى مخاطرة تقدم عليها وكان الباقي عليه وحده.. لتكون موضوع قصيدته ومطلب ثورته وغاية بُغيته.. ولا يطمع رجل أن تكون امرأة له كما هو لها.. أو تطمع امرأة أن يكون رجل لها كما هي له.. إلا أحمقٌ كبير وحمقاء أخرى.. هو يترقب محبرة وهي تنتظر مِعولا.. فالرجل إن تجاوز مادّة الأنثى فأحب فكرة المرأة خالصا..فإنه يفنى لها بكله.. وكم من عظيم أغفل ارتحاله وهجر نضاله حين تَزحلَقَ برَوضِها.. أما المرأة حين تخلص.. فإنها تفنى له بجزئها.. وتفنى بكلها لمشروعها الأكبر.. الذي تحتل غريزةُ الأمومة منه قدرا.. وتستغرق نزعةُ المجتمعية والمدنية منه قدرًا أكبر.. ولا تفاضل هنا بظاهرية الأرقام.. فإن جزءها له لربما كان أخلص من كله لها.. هي تخلص للوجود الذي هو جزء منه.. وهو لسذاجته.. لا يكتفي بأن يجعلها كلّ وجوده فيجعلها وحدها كل الوجود وينتظر المثل - وهنا نتكلم عن غفوة الحب لا عن محض الرغبة - وأما الحكايات التي تهرب فيها امرأة من حياة آمنة مستقرة برفقة الحبيب المختار.. فليست سوى أساطير منبعها مخيال الأدباء الرجال..

ألا ترى كم يبدو الأمر مدعاة للاستنكار والاستهجان حين نبصره بتلك الطريقة؟.. ولهذا فكثيرا ما يكون الوعي عدو الجمال.. ألا ترى الحبّ يحتضر إذا أتمّ مُقامه بعالم اللاوعي وأشرف على زيارة الوعي..

فعلّنا نحب في المقام الأول.. لأن هالة الجمال التي نوحي بها فوق ذلك الحبّ تأسرنا.. فكرة الجمال في حد ذاتها تأسرنا.. لأننا نتوق الاستسلام المستساغ والذل المستطاب.. ولا عجب أن نكره الضعف في جملته ونستطيب انكسارنا للجمال الذي يجعلنا ضعفاء مستسلمين لحد الهشاشة.. 

سوى أن الجمال قد يكون شامخًا فنهاب وقاره ونخضع ضعفا لجلاله.. أو قد يكون مصوِّرا كأنه خط كوامن أنفسنا وسبر أغوارها التي عجزنا عن إعلانها في صورته فلا نملك إلا أن نَحِنّ ونستكينَ إلى وصاله في تَرحِه وحُبوره وسَمته وسكُونه ونعجزُ التعبير إزاء غموضه.. أو أن يكون منكسِرًا وديعًا رقيقًا يكسر استيحاشنا ويسلب كبرياءنا ويكسرنا أشد الكسر بين يديه..  وأما الجمال المُتملِّك المُسترِقّ الذي يأسرك قهرًا باحتياجك وغرائزك، فإنه أداة جسيمة لامتلاك البشر وإخضاعهم.. فبين الجمال الشامخ والمصور والمنكسر يسترقنا الضعف ويستهوينا الرق.. لأن ذلك الضعف المخدر للإدراك يجعلنا نتناسى لبعض الوقت أننا حيوانات بائسة لا تبرح البحث.. إما عن تبرير ساذج لنواصل تحمل المعاناة.. أو دافع أهوج لنختار الموت..  

      وكم يترافق الجمال والألم ولا يمتزجان.. فلا يكون الألم جميلا.. بقدر ما يكون الجمال مؤلمًا ويكون الألم نبيلا.. والبونٌ جليل بين توصيف الجمال مجرّدًا وبين إرادة حوزته.. ثمّ أنّ نوعية الحياة التي ننتهي بها.. لا تتحدد بكم وكيف التجارب والإجابات التي تقع تحت سؤال: ما هو الجمال الذي نريده؟.. بقدر ما تتحدّد بمحصّلة السؤال الآخر: ما هو الألم الذي نريده؟.. وهل ما نريده نريده حقَّا.. أم أننا فقط نستمتعُ بالرغبة؟ ..وكم يتوارى المُجَمّلُ والمقبّح والمعظّم والمخلّد بأغمار التناسي كأن لم يكن.. كأن كان عسيرًا لينسى بات عسير التّذكر.. مهما بدا حقيقيّا حينما أدركناه واقعيًّا حين عشناه.. كل المُعظّمات تخشع لطيّات الوقت.. ولا يَنج منها سوى الأسماء..

وهكذا يكون الحب محض إيحاء آخر منا.. فلسنا منزوعي الإرادة عن ميل الفؤاد حقا كما نميل إلى التصديق الذي يبعث مبررا لطيفا لاستمرار تهاوينا وتمادينا المستساغ.. بل إنه بهذا يمكننا حقًّا أن نحب أي شئ أو ننزع الحب عنه.. حسب اطّراد أفكارنا حوله.. لو تجرّدنا حقا لذاك.. لكن يبدو أننا نحتاج ذلك الضعف الذي يبعث الجمال فينا أكثر ما نريد ذلك المنطق الذي يقتله.. فهو ذُلٌّ مستطابٌ وكبرياءٌ مستجاد.. وعهد البشر أن يتذللون باسمه تارة ويذلون به أخرى ليشبعون في الحالتين احتياجهم.. وفرقٌ هنا بين دافع الحب الفردي المجرد عن الالتزامات المستنِدِ للإدراك وبين دافع العلاقة التبادلية المليئ باللوازم المصحوب بالرغبة.. فالأول ذل مستطاب.. والأخير حاجةُ إثبات لفرضيّة الاستحقاق.. ثم أن الجانب العلاقاتي التبادلي يمثل جسد العلاقة بمقومات بقائه الواقعية.. والجانب الشعوري الفردي يمثل روح العلاقة بمقومات بقائه الإدراكية.. وقد تعيش الروح دون جسد.. لكنها لا تصلح للحياة في جسد ميت.. - ولا تتعب عينك بإعادة قراءة هذه الفقرة فإنها تشبه حبّة قمحٍ في أحد مكيالين من التّبن.. تضيع يومك بأكمله بحثًا عنها.. فإمّا أن يضيع هباءًا بالمكيال الغلط.. وإما أن تكتشف إثر عثورك عليها أنّها لم تكن تستحق العناء   ولكن المُحبّ النَّضوجَ نبيل.. نبيلٌ في اعتناق حبّه.. ونبيلٌ في انعتاقِه عنه.. على أنه إن كان الحُبّ النّضوجُ بذاته أو لوازمه فضيلة.. فلا فضيلة لعاجز.. ولو لم يكن كذا -أو بات مشاعًا لكلّ البشر- لما كان فضيلةً لأحد.. وإنّما يتغنّى جُلّ البشر بفضيلةٍ لم يفقهوها ولا استشربوها.. مِثلما يتغنّى الجُبناء بأبيات الحماسة.. وليس لهم من الشّجاعة إلا اسمًا على أسنّةِ أقلامهم..

فهكذا يحتاج الواقع إلى الخيال ولا يكفي في حد ذاته.. إنّه المخيال.. وكله المخيال.. خادع عقلك إن أردت.. فإنه خادعك على كل حال.. أو دافع الوعى المؤرّق بما فوق الوعي.. وفي كل الأحوال.. لا تكثرنّ التعقل إن أردت أن تذوق الجمال.. ولكن احذر.. فالجمال يستبِدُّ بالحقّ.. والأعمى يجتهد.. فإذا تحيّر.. قلّد بصيرا..

كتبهُ أحد المحكومِ عليهم بالحمَاقةِ من وَجه..


  • 2

  • مُحَمّدْ عَبْدالمَعْبُودْ (زَادْ)
    قضيّتي هي المُعاناة حيثُما تجلّت.. أَن تَحيى بالمُعاناةِ وأن تحيَى منها.. أن تَحيى لهَا وأن تَحيى عنهَا.. أن يكونَ الموتُ رفيقًا لا مُعاناةَ تُلاقِيه.. ولا خَلاصَ من المُعاناة فِيه.. فمن مُعاناة الجَسد لِمعاناة الفِكر وال ...
   نشر في 28 يونيو 2019  وآخر تعديل بتاريخ 20 يوليوز 2019 .

التعليقات

عين دال منذ 2 شهر
مقال كأنه كتاب ..لا يقرأ ليحفظ فيفهم من بدايته حتى نهايته لأول وهلة . إلا أن القارئ لا يسلم من الخروج منه مصابا بالحكمة من أول وهلة . .وإذا كان كاتبه "محكوم عليه بالحماقة من وجه" فقد جاز لي أن أقول : " خذوا الحكمة من أفواه الحمقى" عوفيتم .
لقد أذهلني أن أكون ممن قرؤوا هذه الفقرة وأعادوا القراءة : " وقد تعيش الروح دون جسد.. لكنها لا تصلح للحياة في جسد ميت.. "
ملاحظة : هناك جملة إما أنه لا يستقيم فيها إعراب كلمة "أبلهٍ " بحسب ما فهمته أنا، وإما أنه غاب عني ما تقصده أنت أخي الكريم : "فكم من ذكيٍ أبلهٍ في غير بابه.." فرجاء التوضيح .
سأعود حتما لقراءة المقال مرات ومرات.
1
مُحَمّدْ عَبْدالمَعْبُودْ (زَادْ)
لقد أصاب ظنّك.. فكان الأَولى أن أكتب "أبلهٌ" مرفوعةً على أنها خبرٌ لمبتدأ محذوفٌ مقدّرُه "هو/كائن".. سوى أنها لم تقارب جزء المعنى الذي أقصد.. فكان المدلول أشبه بالصفة العارضة أو الإضافة الملحقة.. فآثرتُ "أبلهٍ" مخقوضةً على البدليّة لأنها أقربُ لتمام المعنى عندي.. في استواء وصف الذكاء واستواء وصف البلاهة ولزوم كليهما وتلازمه.. فضلًا عمّا يُوقَع في النّفس من تلفّظُ الكلمة المخفوضة في هذا السياق..
أمتنّ حقًّا لكلماتِكم ومروركم الطّيب..

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا