إمرأة عربية بشرف القيادة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

إمرأة عربية بشرف القيادة

هيام فؤاد ضمرة

  نشر في 08 نونبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 17 نونبر 2018 .

امرأة عربية بشرف القيادة

""""""""""""""""""""""""""

هيام فؤاد ضمرة

"""""""""""""""""

لقد أوصل إلينا التاريخ الإسلامي سيرة شخصية نسائية مثيرة جداً للإعجاب تجعلك تقف أمام اسمها طويلا بكل اهتمام، هي سيدة في قومها، شريفة في حسبها ابنة سيد في قومه، تملك زمام نفسها وتقبض على قرارها، بحكمة عالم خبير ومدبر قدير، قامة في أهلها وبني جنسها، قوية معتدة بنفسها، شامخة بثقتها بذاتها، وبامتلاكها مبادئ ساطعة ومواقف نافعة، لها الأثر الواضح والخطو الفالح والمركز الساطع.

هي هند بنت عتبة بن ربيعة، وربيعة سيد من سادات قريش وبني كنانة، عرف والدها بحكمته وسداد رأيه فأورث هذه الخاصية لإبنته، عاشت ردحا من حياتها في الجاهلية وأسلمت بعد زوجها من ابي سفيان في أعقاب فتح مكة، وهي والدة معاوية بن أبي سفيان الذي بشرها به كاهن اليمن.

اشتهرت بلقب آكلة الأكباد حيث التصقت بها تُهمة الانتقام من حمزة ابن عبد المطلب عم الرسول عليه الصلاة والسلام ولاكت كبده بعد استشهاده في معركة أحد انتقاماً لوالدها وعمها وشقيقها، وإنْ كنت لا أعتقد بصدق هذه المقولة بالطريقة البشعة التي وصلت فيها إلينا؛ والعلم عند الله في هذا الأمر، وعذري في ذلك أنّ القتل خلال تناحر فريقين في الحرب أمر شائع في العرب، ولا يتم الانتقام لأجله بالصورة الشخصية البالغة، فالأطراف المتناحرة لا يفصل بينها إلا السيف البتار، فإما غالبة أو مغلوبة تبعا لقدرتها على المناورة والمقاتلة، فهذه المواجهات تعتمد على قدرات المقاتل الشخصية، أي تقابلهما بالقتال تقابل عادل لا غش ولا دلس فيه، ثم إن ساح الحرب تموج بالمقاتلين وحركة تلويح السيوف الحادة بكل صوب، وتردد خطوات الخيل بين كر وفر، ولا يمكن لامرأة أن تستطيع اختراق ساحة الوغى وسط صليل السيوف وهدير الصياح ودوس حوافر الخيل متجنبة الرماح والسهام للوصول إلى جثمان شهيد ملقى على الأرض مضرجاً بدمائه، ولا يمكن لها ذلك أيضاً بعد انتهاء المعركة، وأرض المعركة لا تفارقها الفرق المسؤولة من الجانبين لاستطلاع القتلى من المصابين، وتحديد هوياتهم وحصر أعدادهم، وإلا لوجدت هذه المرأة من يزجرها من طرف المسلمين، خاصة أنَّ حمزة ليس بالشخص العادي الذي لا يسارع قومه إلى نقله بالسرعة الممكنة، فهو قائد وبطل مغوار لا يشق له طرف ولا تهمد عنه غبار، كما أنه عم الرسول شقيق والده، القائد الذي يحمي حمى ابن شقيقه وينصره ويناصر دينه، فهو ليس بالجيفة حتى يترك بالأرض لتخوض بجسده الطاهر الوحوش أو أيدي الكائدين.. فرحماك ربي كم تناقل العرب قصص ليس لها أساس أو ألصقت ببعض الشخصيات من باب التوقع والتمكن، وتهويل هذه التوقعات.

ولو فكرنا قليلا لايجاد مبرر فيم لو أنها فعلا ارتكبت مثل هذا الفعل الوحشي اللا إنساني، الذي لا يليق بامرأة ذات طبيعة أنثوية تملك عاطفة الأنثى ومشاعر لينها مهما بلغت من الصلابة فلا يمكن لها أن تصل حد أن تلغ بالدماء الحارة لترتكب جريمة أكل كبد رجل له مكانة كبيرة في قومه من بني قريش كبرى قبائل الجزيرة آنذاك وأعظمها مكانة، حتى لو أن حمزة قتل أباها وعمها وشقيقها كما تذكر الواقعة، فقد قتلوا جميعاً في منازلة عادلة حدثت على رأس الأشهاد، ولأني يجب أن أسأل السؤال المبررالذي يتبادر إلى نفس كل انسان إذا ما جرد القصة من عوالقها.. ألم يكن هناك غير أهلها المقربين كأبيها وعمها وأخيها من يملكون القدرة على منافسة هذا البطل ليقتلوا جميعا على يده الشريفة؟

لكني أجزم؛ بل أوقن أن هذه المرأة لم تكن بالمرأة العادية التي لن تلاحقها الأقاويل وتوقعها خيالات المتنطحين بل كانت امرأة استثنائية لا تكسرها المكائد ولا توهنها الأحداث، وهي المرأة البارزة بشخصها وقيمتها ومركزها، والتي يطلبها أعظم الرجال زوجة ورفيقة درب تليق برفاهية القصور.

فحين زوجها والدها من الفاكه بن المغيرة بن عبدالله المخزومي القرشي وكان لديه بيت للضيافة يغشاه الناس كل حين، فنام هو وزوجته فيه وقام هو وخرج عنها وهي نائمة فجاء أحدهم البيت ورأى امرأة نائمة فخرج فرآه الفاكه ساعة خروجه واتهمها بالزنا معه مما اضطر والدها لأخذهما إلى كاهن في اليمن ليقضي بينهما بحكمته، وعرضوا عليه مجموعة من النساء هي بينهن، فكان يضع يده على رأس كل واحدة ويصرفها حتى وصل هند، فوضع يده على رأسها وقال: قومي غير رحساء ولا زانية وستلدين ملكاً أسمه معاوية، فلما خرجت أخذ الفاكه بيدها فنفضتها وقالت: والله لأحرصن ألا يكون هذا الولد منك. وطلقت نفسها منه بلا أسف.

تقدم لها أبو سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو فقال لها والدها

أتاك سهيل وابن حرب وفيهما== رضاً لك ياهند الهنود ومقنع

وما منهما إلا يعاش بفضله== وما منهما إلا يضر وينفع

وما منهما إلا كريم مرزاً== وما منهما إلا أغر سميدع

فدونك فاختاري فأنت بصيرة==بل ولا تخدعي إن المخادع يخدع

فاختارت أبو سفيان بن حرب ووصفته بالبعل الخريدة القادر على حماية الزوجة الشريفة الحرة لا تغيره المواقف ولا يميل مذعوراً للأوهام.

وفي روايتها مع الخنساء ما يفيد قدرتها على المنافسة والمجابهة على رؤوس الأشهاد.. حيث كانت الخنساء تسوم هودجها براية وتشهد الموسم بعكاظ وتعرض شعرها بعظم مصابها بين العرب، ففعلت هند ذات فعلها ووسمت هودجها براية ودنت بسوق عكاظ من هودج الخنساء، فسألتها الخنساء عمن تكون فأجابتها: أنا هند بنت عتبة أعظم العرب مصيبة وقد بلغني أنك تعاظمين العرب بمصيبتك، فبما تعاظمينهم؟ فقالت الخنساء: بعمرو بن الشريد، وصخر ومعاوية ابني عمرو.. وبما تعاظمينهم أنت؟ قالت: بأبي عتبة بن ربيعة وعمي شيبة بن ربيعة، وأخي الوليد..فأجابتها الخنساء: أوا سواء هم عندك؟.. وأنشدت

أبكي عمراً بعين غزيرة== قليل إذا نام الخل جحودها

وصنوي لا أنس معاوية الذي== له من سراةُ الحرتين وفودها

صخراً ومن ذا مثل صخر إذ== غدا بسلهبه الأبطال قبا يقودها

فذلك يا هند الرزية فاعلمي== ونيران حرب حين شب وقودها

فأجابتها هند وكانت كالخنساء تجيد الشعر:

أبكي عميد الأبطحين كليهما== وحاميهما من كل باغ يريدها

أبي عتبة الخيرات ويحك فاعلمي== وشيبة والحامي الذمار وليدها

أولئك آل المجد من آل غالب== وفي العز منها حين ينمي عديدها

حين بلغ الرسول عليه الصلاة والسلام أمر لوكها كبد حمزة (أنكر الحادثة وأنها ما أكلت كبد حمزة) وهذه غالبية الروايات، فلم يكن وحشي غلامها بل كان غلام جبير بن مطعم وقد يكون هو من فعل ذلك وألصقها بهند ليأمن على نفسه انتقام قريش.

ففي عشية ليلة فتح مكة، عاد أبو سفيان بن حرب إلى قومه يصيح " يا معشر قريش ألا إني قد أسلمت فأسلموا، إن محمداً صلى الله عليه وسلم قد أتاكم بما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن"، فتفرق الناس إلى داره وإلى المسجد، فيما تنتفض هي تصرخ فيهم ألا يخضعوا ويهربوا متخلين عن القتال، وأغلظت القول على زوجها وهي تدعوهم لقتله لأنه أسلم بين يدي محمد، لكن الله شاء لهذه المرأة أن يخشع قلبها حين مشاهدتها المسلمين وهم يصلون لله شكراً وامتناناً ويقضون ليلهم متعبدين شاكرين وكلمات الله من قرآنه العظيم تتردد على مسمعها، فتتخلل عقلها وكيانها.

أذهل هند رؤيتها المسلمين وهم يقضون الليل متعبدين في بيت الله، والناس في مأمن ليس من يؤذهم أو يلومهم، فقالت: (والله ما رأيت الله عُبد حقّ عبادته في هذا المسجد قبل الليلة، والله إن باتوا إلا مصلين) فحبب ذلك إليها الإسلام وأحست بعظمة تأثيره على المسلمين لدرجة المسامحة والغفران، فرغبت بشدة أنْ تعلن إسلامهما وتبايع محمداً، وهل كانت امرأة عادية تجرؤ أن تتخذ قرارها بالمبايعة مع رسول الله مواجهة وتكون فعلاً آكلة كبد عمه؟

والزمن كان جديراً في إثبات أنّ هذه المرأة تحمل قراراً واصراراً، وقدرة مكينة على المواجهة والحوار، والمحاورة والمناورة، ومقدرة كامنة على اتخاذ قرار تغيير مواقفها حين قناعة وإيمان راسخ، فما اهتز لها جانب وهي تقف في مواجهة النبي عليه الصلاة والسلام حين أصبح منتصراً وقائد أمة بعد فتح مكة ورضوخ قبائل الجزيرة له، وقالت في حضرته بجرأة وشجاعة وقناعة وبيان وهي تعلم أنه أحلم الرجال وأعدلهم وأرفعهم منزلة: (والله ما كان على الأرض أهل خباء أحبّ إليّ من أنْ يذلوا من خبائك، ولقد أصبحت وما على الأرض أهل خباء أحبّ إليّ مِن أنْ يَعزوا من خبائك) فأجابها النبي (وزيادة) وحين سألته المصافحة على ما تبايعوا عليه قال: (إني لا أصافح النساء إنما ما أبايع عليه مئة امرأة هو كما أبايع عليه إمرأة واحدة)، وقيل أنهما وضعا أيديهما في وعاء مملوء بالماء، وقيل أيضاً أنه مملوء باللبن (الحليب).. وهجرت بعد الإسلام الأصنام وعجزها، ووجهت وجهها صوب الواحد الأحد القادر على كل شيء، فأحسنت إسلامها وأوفت عهدها مع الله ورسوله وكتابه وهذا دلالة على تخلقها بخلق الصدق والوفاء، حتى أنها شاركت زوجها في معركة اليرموك تشد أزر المقاتلين، وتضمد جراحهم، وتخدم مطعمهم.

عندما خرجت ذات يوم من مكة متوجهة إلى الطائف ومعها معاوية صغيراً، رآه رجل من الأعراب فأعجب بنباهته وتخلقه، فقال لها: "أي أخية شدي يدك بهذا الغلام وأكرميه فإنه سيدُ كرام" فقالت هند: "بل ملكٌ هُمام، كِبارٌ عِظام، ضَروب وهَام، ومفيِّضُ أنعام".. فلعمري هذه المرأة المؤمنة بقدرات إبنها الذي بُشرت به ملكاً أشعُرها وهي تكاد تقبض على الحلم بكلتا يديها، شعور باهر لأم عظيمة على ما أعدت عليه إبنها ليكون قائداً.

فأشعرت مفتخرة بإبنها قائلة في وصفه:

إنَّ إبني معرقٌ كريمٌ محببٌ في أهلهِ حليمُ

ليس بفحاشٍ ولا لئيمُ ولا بطخرورٍ ولا سئيمُ

صخرُ بني فهر زعيم لا يخلفُ الظن ولا يخيمُ

كانت تجلس بين جمع من النساء حين دخل عليهن ولدها معاوية وهو شاب غر، فقالت النسوة (سبحان الله.. لدخوله هيبة كأنه سيد قومه) فردت هند (ثكِلْتُهُ إنْ ساد إلا قومه، فمعاوية سيكون سيد الأقوام) فقد ربت به شخصية السيد القائد، وزرعت به أخلاق السادة العظام، وأورثته حكمتها وميزان عقلها ورجاحة فكرها، واهتمت بتعليمه وتثقيفه،  حتى أصبح من كتبة الوحي في عهد النبي ومن صحب رسول الله، فقد كانت بينها وبين نفسها تنتظر له تحقيق نبوءة العراف اليمني،

وعندما ولى عمر بن الخطاب شقيق معاوية الأكبر من أبيه يزيد بن أبي سفيان على الشام، سأل أبو سفيان زوجته هند: "كيف ترين وقد صار إبنكِ تابعاً لإبني؟" وهو يعلم أنها ما زالت تتوقع الحكم لمعاوية وتنتظره بكل الشوق، فقالت: "إنْ اضطرب حبل العرب، فستعلم أين يقع إبنك مما يكون عليه إبني!" .. وهذا والله منتهى الثقة بالذات وقناعاتها بالحلم المعشعش في عقلها وما أعدت عليه ولدها.

وحدث حين توفى يزيد بن أبي سفيان وهو على ولاية الشام، أن قال بعض المعزين لهند: "إنا لنرجو أنْ يكون معاوية خلفاً ليزيد"، فقالت بكثير تحد: "مثل معاوية لا يكون خلفاً لأحد، فوالله لو جمعت العرب من أقطارها ثم رمي به فيها لخرج مِنْ أيِّ أعراضها شاء".

وبعد وفاة يزيد بن أبي سفيان ولى الخليفة شقيقه الأصغر معاوية ابن أبي سفيان مكانه، فأسعد ذلك والدته وجعلت تنصحه بما ينفعه، فقالت هند لمعاوية: "وإنه والله يا بني لقلَّ ما ولدتْ حرةٌ مثلك، وقد استنهضك ابن الخطاب، فاعمل بموافقته أحببت ذلك أم كرهت".. وكانت تدعوه للوفاء والإخلاص والاجتهاد، فيما والده وقد كان يحلم بأكثر من ذلك فقال: "يا بني إن هؤلاء الرهط من المهاجرين سبقونا، وتأخرنا، فرَفعَهم سَبْقهم، وقصُرَ بنا تأخرنا، فصاروا قادة، وصرنا اتباعاً، وقد ولوك جسيماً من أمورهم، فلا تخالفهم، فإنك تجري إلى أمدٍ فنافس فيه، فإنْ بلغتْ أورثتَهُ عَقبك!...

من هنا تولدت لدى معاوية الرغبة بالوصول إلى موقع القيادة الرئيسة، كما تولدت لديه إرادة قلب الحكم توريثاً، مُوقفاً بذلك نظام انتخاب الخليفة الأجدر، ومستأثراً بالحكم في بني أمية.


  • 3

  • hiyam damra
    عضو هيئة إدارية في عدد من المنظمات المحلية والدولية
   نشر في 08 نونبر 2018  وآخر تعديل بتاريخ 17 نونبر 2018 .

التعليقات

لطالما أعتقدت أن للأم الفضل الأول في إعداد القائد ، كنت أجهل هذه المعلومات عن هند بنت عتبة. مقالك ثري جدا أستاذة هيام ، و أسلوبك في الكتابة رائع ، سلس و مشوق ، دام ابداع قلمك .
1
hiyam damra
ويظل لحضورك على نصوصي امتشاق قامة وسطوع إقامة.. فلاسمك وهج النور الذي يزهر النبض في ربيع دائم من الاحساس الجميل.. دمت ودام قلمك الذهبي
Salsabil Bouba Djaou
ردك الرائع ابداع بحد ذاته ، و دمت و دام سحر قلمك استاذتنا الفاضلة .
طرح مفيد
0
hiyam damra
بورك مرورك المشرق بالأمل.. تحياتي ابتسام

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا