بلسميات - ٢ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

بلسميات - ٢

أحاديث خاصة اخترت مقال كلاود للبوح بها

  نشر في 02 يونيو 2018  وآخر تعديل بتاريخ 16 أكتوبر 2018 .

أقلّب النظر في حافظة جوّالي أبحث عن صوره وأفلامه، وهي أغلى عندي من الجوال نفسه. أحاول التقرب إليه من خلال تسجيلاته بعدما تعذّر عليّ الدنو منه طول هذه الفترة. أبحث فيها عمّا يوصلني إلى قلب هذا المخلوق الذي هو أشبه الناس بي شكلاً وأقربهم لقلبي، بعد أن حالت المسافات بيننا.

أفكر ملياً وأنا في طريقي إليه: ترى كيف سيستقبلني بلسم حين أحتضنه بعد طوال الغياب؟ أببعض الودّ الذي كان يلقاني به حين يراني عبر الشاشة أم ببعض العتاب؟

هل يدرك أنّي والده؟ أم مجرد زائرٍ دخيل يحاول أن يفرض عليه وجوده؟ هل يحسب أني أقرب الناس إليه بعد أمّه؟ أو مجرد مغنواتي وحكواتي، جاء ليسرقه من أحضان جدته وخالاته اللاتي كن يعتنين به حينما تتركه أمه عندهن؟

ترى كيف سيرى اللوازم والملابس والألعاب التي ملأتْ حقيبةً كبيرةً بأكملها؟ ربما هي بالنسبة له مجرّد رشاوي أو وسائل رخيصة أحاول الاحتيال بها على قلبه. فهو لا تعنيه الأشياء بقدر ما يتوق إلى قلبٍ صدوقٍ يحتضن أصعب أوقاته تماماً كما يتلقّى أحلاها. هو لا تعنيه الأغاني والمجاملات بقدر ما يعنيه أن يجد قربه من يحتمل عنه معه بعض آلامه أو يواسيه حين يحتاج العناق.

سارت الأمور في البداية على ما يرام. استقبلني في المطار بحفاوة وترحيب ولعبنا قليلا إلى أن تركته لأرتاح من أعباء رحلة طويلة ما ذقت خلالها دقيقة نوم. وما هي إلا ساعةٍ حتى جاء دوري لأجلس معه حين وجب على أمه الذهاب لعملها. ومن وقتها بدأت الأمور تتغير، وبدأت أقرأ في عينيه عتباً شديدا.

بدأت تسائلني عيناه السؤال تلو السؤال: أين كنت حين عندما أحتجت إلى من يقوم بتنظيفي وأمي بعيدةً عني؟ أين كنت حينما احتجت إلى من يرضعني ويسقيني؟  أين كنت حين أرهقت والدتي وهي تحاول بفارغ الصبر أن تنوّمني؟ أين كنت حينما احتارت أمّي بي أين تتركني؟ أو هل تترك العمل، حين توالت أعذار خالاتي؟ أين كنت حينما عانيت من الآلام المبرحة لِـ إبر اللقاح؟ أين كنت حينما أصبت بالحمّى فسهرت أمي معي تعالجني إلى الصباح؟ أين كنت وأنا أعاني من بزوغ الأسنان في اللثة فناديتك حتى علا الصياح؟ 

دعني أصارحك والدي: أنت أبٌ سيّءٌ لا تستحقّني. عُد من حيث أتيت فمشاعرك ليست تغنيني وأحمالك ليست تعنيني. أنا روحٌ لا استراحةً تنأى طويلاً عنها فلا تأتيها إلا حين يناسبك الحال أو يأتي أوانها. أنا كيانٌ ولست دميةً تهجرها حين تنشغل فتتوقع أن ترتمي بحضنك حيت تأتيها. أنا حلمٌ صار حقيقة لا خيال راود مخيّلتك ساعةً فأعرضت عنه حتى كدت تنساه.

بم أجبه؟ ماذا سأقول؟ ومن أين أبدأ؟ فالشرح يطول.

نظرت إليه بتمعن وفي رأسي تتصارع أحاديث كثيرة لا أستطيع البوح بها، تريد أن تخرج علّه يفهم ظروفي وما آل إليه حالي. فأشاح بوجهه عني، وكأنه لا يريد أن يكلّمني ولا يهتمّ بأعذاري.

ثمّ التفت إليّ بعد هنيهة وبدأ يهدل وميّزت في هديله لحناً يقول:

كن لي صديقاً تلقاني محبّاً. كن لي معيناً تراني سنداً. كن لي جليساً تجدني أنيساً. كن لي والداً أكن لك ولداً.


  • 11

  • أقباس فخري
    لا أكتب للناس بل أكتب لذاتي. أحاول العثور على نفسي حين أكتب. لعلّي ألملم شتاتها المبعثرة فأجمعها، أو عساني أعيد تكويني.
   نشر في 02 يونيو 2018  وآخر تعديل بتاريخ 16 أكتوبر 2018 .

التعليقات

hiyam damra منذ 4 شهر
نص مؤثر كتب بإحكام وإلمام بقراءة المشاعر.. صعوبات العيش في هذا الزمن تجعلنا نبتعد عن الأبناء في وقت احتياجهم إلينا.. لا بأس الأيام كفيلة بردم الهوة إن وجدت طالما ما تزال المشاعر دفاقة والحنين متواصل.. نص قوي ومعبر بجمالية.. لا فض فوك
1
أقباس فخري
أوووه ما عساني أقول؟ فاجأني تعليقك سيدتي الذي جاء وأنا أكتب بلسميات -٣، وشرّفني حضورك العطر. آمل أن يتاح لي ردم الهوة بيني وبين بلسم كما وصفتيها. لكن ذلك يقتضي الحفاظ على المودة قويةً من غير إفراط في الاهتمام بما قد يفسد تنشئته خاصة لأني أجتمع به شهراً بعد فراق شهور.
Abdou Abdelgawad منذ 4 شهر
كاتبنا الجميل وصديقى العزيز ذو المشاعر الانسانية الفياضة مع وليدك أسأل الله ان يحفظه ويبارك فيه وتقر به عينك، واطمئنك ياأخى بان الأولاد حين يكبرون ينسون مرحلة الطفولة مهما اقتربت وأنفقت ونزهت فى رحلات وبلاد ، المهم دائما نحاول القرب منهم واسعادهم والانفاق عليهم بأقصى طاقة يهبناالله اياها ، ونتحمل مشاكلهم وظروف حياتهم فى سن الطفولة والمراهقة والشباب ، ونحاول فى أن يكون حوارنا ديمقراطيا حنونا قدر استطاعتنا ولكنه صعب مع تطلعات الشباب واختلاف الأجيال ..حفظ الله وليدك وحفظك أبا حنونا وكافة أحبابك وكل عام وأنتم بخير .
1
أقباس فخري
جوزيت خيراَ خيراً صديقي العزيز على النصيحة وحفظ الله لك أولادك وأحبتك. فقط يعزّ لي مفارقة الوليد وأتمنى أن أشارك والدته كل همومه وأوقاته. خاصةً لأني رزقته في مرحلة متقدمة. يسعدني اهتمامك أخي الطيب وأعتز بصداقتك.
المقال به من المشاعر والاحاسيس التى يصعب وصفها.. كم هي مؤثرة... ايها المبدع
لكن بعد ان تنفسنا الصعداء جئت الخاتمة الرقيقة...
كن لي صديقاً تلقاني محبّاً. كن لي معيناً تراني سنداً. كن لي جليساً تجدني أنيساً. كن لي أباً أكن لك ولداً
حفظ الله لك أولادك واولادنا على خير وصحه وعافيه...
4
أقباس فخري
شكرا لك أخي الطيب إبراهيم. دعاءك الصادق أسعدني. أقرّ الله عينيك بأولادك وأنسك بجمعهم حولك دائماً.
ابراهيم محروس
آمين يارب العالمين.. دمت لنا جميعا ايها الكاتب الصادق ... الوافي
Salsabil Djaou منذ 5 شهر
ورغم ان الامر حينما يتعلق بغياب الوالدين يكون خارجا عن ارادتهما ،ورغم انهما يتعذبان ايما عذاب في حال البعد عن فلذات اكبادهم الا ان عذاب الضمير يقتلهم ،هو الشوق والحب والمسؤولية هي الابوة الدافئة بادق تفاصيلها ،حفظه الله لك واسعدك به شابا ناجحا خلوقا بارا ان شاء الله ، دام قلمك المبدع سيدي الكريم .
6
أقباس فخري
شكرا لك سلسبيل. كلماتك الدافئة آنستني لكن أنّى لها أن تطفئ نار الشوق إلى وليدي الذي لا يزيدني ضمه إلى صدري إلا لهفةً وحرقةً على مفارقته بعد شهر من الآن.
Salsabil Djaou
من تعلمه في حضورك وتجعله مركز اهتمامك يتعلم من غيابك ايضا ،يتعلم القوة و الاصرار و القدرة على الاستمرار دائما ، حب الابناء لابيهم الذي يتعب ويفارقهم قهرا لظروفه الخاصة يفوق حب ابناء اخرين لاب حاضر جسديا غائب معنويا ، لا حرمك الله من بلسم روحك.
creator writer
نعم اتفق معك تماما ،،،، أن حب الابناء لابيهم الذي يتعب ويفارقهم قهرا لظروفه الخاصة يفوق حب ابناء اخرين لاب حاضر جسديا غائب معنويا .
Salsabil Djaou
وهو كذلك صديقتي العزيزة ،دمت بخير

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا