سلمان الفارسي...من المجوسية إلى النصرانية فالإسلام - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

سلمان الفارسي...من المجوسية إلى النصرانية فالإسلام

سلمان الفارسي رضي الله عنه

  نشر في 14 غشت 2016 .

إن للفكرة متطلبات عديدة لنجاحها، ومن أهم تلك المتطلبات هي التضحية، وفي تلك الصفة تتلخص حكاية سيدنا سلمان الفارسي رضي الله عنه في اجتهاده للبحث عن الحق والحقيقة، وتضحيته بالجاه والنسب والمال الذي كان يحيط به في سبيل الحقيقة، ولأجلها عاند سيدنا سلمان اليأس واغترب من بلد إلى آخر تاركاً وراءه دينه ودين آباءه بحثاً عن الحقيقة، فتلك الفكرة التي راودت سيدنا سلمان هي فطرة إنسانية تتواجد في كل إنسان، ولكن ليس كل إنسان كسلمان الفارسي رضي الله عنه.

عائلته ونَسَبُه

هو سلمان الفارسي " مابَهْ بن بوذِخْشان بن مورسلان"، من إحدى مدن أصفهان في بلاد فارس وتُدعى "جيّان".

لقد كان والد سلمان مشهور بنسبه (لأحد ملوك فارس) وبنفوذه وغناه، وقد جعلَ لابنه سلمان قصراً يعيش فيه. وقد وصف سلمان الفارسي إقامته في قصر أبيه فقال: لقد كنتُ من أحبّ عباد الله إليه منذ وُلدت ثم مازال حبّه لي يشتد ويزداد على الأيام حتى حَبَسني في البيت خشيةً عليّ كما تُحبس الفتيات.

صفاته

اتَّصف سلمان الفارسي رضي الله عنه  بالذكاء والفطنة، فلا يترك شيئاً يجهله، بل يسعى وراءه حتى يفهمه، كما كان على خبرة كبيرة بالأمور العسكرية والتخطيط، وقد كان طويل الساقين، عريض الصدر، صاحب بُنية جسدية قوية، غزير الشعر في الرأس و البدن.

من المجوسية إلى النصرانية

لقد كان سلمان الفارسي رضي الله عنه من أتباع دين المجوسية كآبائه وأجداده ( قبل دخوله الإسلام)  وقد اجتهد في دينه حتى تولّى مسؤولية النار التي كانوا يعبدونها، وحمل زمام أُمورها. إلى أن جاء ذاك اليوم الذي أرسله فيه والده إلى بُستانهم ليدير شأنه، وذلك لانشغال والده عن البستان. وفي طريق سلمان إلى هناك، مرَّ بكنيسة للنصارى، ولفت انتباهه أصوات الصلوات داخل الكنيسة. ليعود إلى والده بعد أن انهى عمله ويخبره بما رأى وبأنه معجب بذلك الدين. فخاف أباه أن يرتد عن دين آبائه، فحبسه وقيَّده بأصفاد من حديد.

كتب سلمان للنصارى، وسألهم إذا قدِمَ ركب من الشام أن يُخبروه ليرجع معهم. وبعد ذلك خرج سلمان الفارسي مع الركب ووصل إلى بلاد الشام بعد أن حطَّم الأصفاد وخرج متخفياً من مكان حبسه بمساعدة بعض الأشخاص الذين كانوا يحبُّوه، ثم ذهب إلى  الأسقف راعي الكنيسة وبلّغه بأنه يرغب في النصرانية ويحب أن يلزمه ليخدمه ويتعلم منه.

وظلَّ يخدمه ويُلزمه حتى تبيَّن له بأنه رجل سوء، يجمع الصدقات ويُخبئها لنفسه بدلاً من توزيعها على المحتاجين. ثم مات، فتولّى مكانه رجل مُحب لدينه زاهد، مواظب على العبادة. فأحبّه سلمان حباً شديداً، وقبل أن يُدركه الموت، سأله سلمان: فيما تأمرني؟ وإلى من توصي بي؟ فأشار إليه أن يقيم مع رجل صالح يعيش في الموصل. فذهب سلمان إلى هناك وأقام مع ذلك الرجل إلى أن حضرته الوفاة بسبب كُبر سنّه. فسأله سلمان: إلى من توصي بي؟

فدلّه على رجل صالح يُقيم في (نُصيبين) وهي مدينة تقع ضمن الحدود التركية في زمننا هذا، فذهب سلمان رضي الله عنه وأقام معه إلى أن حضرته الوفاة، فأمره قبل وفاته أن يذهب إلى مدينة (العمُّورية) في بلاد الروم. فذهب سلمان إلى تلك المدينة وأقام مع العالم الصالح إلى ما شاء الله. وعندما بدأت تتنزّل سكرات الموت على ذاك الرجل، سأله سلمان الفارسي رضي الله عنه: إلى من توصي بي؟

فقال له: (يا بُني، ما أعرف أحداً على مثل ما كُنا عليه آمُرُك أن تأتيه، ولكنه قد أظلّك زمان نبيٍّ يُبعث بدين إبراهيم حنيفاً، يهاجر إلى أرض ذات نخل، بين حَرَّتَين (الحرَّة: هي أرض ذات حجارة سوداء مدببة يُصعب السير فوقها) فإن استطعت أن تُخلص إليه فافعل. وإنَّ له آيات لا تخفى، فهو لا يأكل الصدقة ويقبل الهدية وإنَّ بين كَتفَيه خاتم النبوّة إذا رأيته عرفته).

إسلامه

بقي سلمان الفارسي رضي الله عنه في (العمورية) يتدبّر أمور معيشته من بضع بقرات وغنمات يمتلكها، إلى أن قرر الذهاب إلى جزيرة العرب، وكانت هنالك قبيلة تُدعى (كلب) من جزيرة العرب عائدة إليها. فاتفق سلمان على أن يصطحبوه معهم مُقابل ما يملك من بقر وأغنام. وفي وادي القرى (شمال جزيرة العرب) غدروا به وباعوه لرجل من اليهود، ثم ما لبث أن باعه ذلك الرجل ليهودي آخر من بني قريظة.

وبينما كان سلمان مُتسلّقاً رأس نخلة، وصاحبه (مالكه- لأن سيدنا سلمان قد أصبح عبداً عنده) يجلس تحتها هو وابن عمه، سمعهم يتبادلون أحاديث تفيد بأن هناك رجل في مكة، يتوافد إليه الناس ويزعمون بأنه نبي. وفي تكملة ما حصل مع سيدنا سلمان قد قال: (فأقبلت على عملي. ولما أمسيت جمعت ما كان عندي ثم خرجت حتى جئت رسول الله عليه الصلاة والسلام (بقباء) فدخلت عليه  ومعه نفر من أصحابه فقلت له:

إنكم أهل حاجة وغربة، وقد كان عندي طعام نذرته للصدقة فلما ذُكر لي مكانكم رأيتكم أحق الناس به فجئتكم به).

وظلَّ سيدنا سلمان يراقب النبي حتى انتهوا أصحاب النبي من الطعام والنبي لم يقربه. فيكمل سيدنا سلمان فيقول: (ثم رجعت وعدت إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام في الغداة أحمل طعاماً وقلت له: إني رأيتك لا تأكل الصدقة، وقد كان عندي شيء أحبُّ أن أُكْرِمكَ به هدية).

فأكل النبي هو وأصحابه من الطعام، فتأكد بذلك لسيدنا سلمان بأن النبي لا يأكل الصدقة ويقبل الهدية، وكان عليه أن يتأكد من خاتم النبوة، وقد وصف سلمان الفارسي كيف تأكد من خاتم النبوة فقال: (ثم رجعت فمكثت ما شاء الله ثم أتيته فوجدته في البقيع قد تَبِعَ جنازة وحوله أصحابه وعليه شملتان (ثوبان مفتوحان) مؤتزراً بواحدة مرتدياً الأُخرى، فسلّمتُ عليه ثم عدلتُ لأنظر على ظهره فعرف أني أريد ذلك. فألقى بُردته عن كاهله فإذا العلامة بين كتفيه، خاتم النبوة كما وصفه لي صاحبي. فأقبلتُ عليه أقبّلُهُ وأبكي. ثم دعاني عليه السلام فجلستُ بين يديه وحدّثتهُ حديثي كما أحدّثكم الآن، ثم أسلمت.

لم يستطع سلمان الفارسي رضي الله عنه المشاركة في غزوة بدر و غزوة أُحُد لأنه كان عبداً رقيقاً

غزوة الخندق

وضع المشركون من حلفاء قريش وبني غطفان وقبائل عربية أُخرى من جهة، وبني قُريظة والقينقاع من اليهود من جهة أُخرى، خطة للتخلُّص من النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، وذلك بمحاصرتهم في المدينة المنورة، وقد استعد المشركين لهذا القتال بأربعة وعشرين ألف مقاتل.

وعندما علم الرسول بالأمر، تشاور مع أصحابه في كيفية التصدي لهم، وفي أثناء ذلك، انسحب سلمان الفارسي رضي الله عنه من بين الحضور، وأخذ يتجوّل في المدينة المنورة ليدرس طبيعتها الجغرافية. فما وجد مكاناً يسهل على المشركين غزو المدينة من خلاله، إلَّا واحداً كان بين الجبال. فعاد إلى مجلس الرسول عليه الصلاة والسلام، واقترح عليه بحفر خندق يصل بين تلك الجبال.

إنَّ فكرة حفر الخندق تبيّن لنا مدى عبقرية وذكاء سيدنا سلمان وحنكته العسكرية في ذاك الزمان

استمر النبي والمسلمين بحفر الخندق دون توقف إلى أن انتهوا منه، وعندما وصل جيش المشركين، وقف حائراً يراقب الخندق، وعاجزاً عن غزو المدينة. فأقاموا فترة محاولين فيها محاصرة المدينة، إلّا أنّ الخندق المحفور والرياح القوية التي كانت تُعمي عيونهم حالت إلى هزيمتهم. أضف إلى ذلك تخلُّف اليهود عن الخطة التي وُضعت لقتال المسلمين. فانتصر النبي وانتصر المسلمين وانتصر رأي سلمان الفارسي، ليقف المسلمين من الأنصار فرحين مسرورين من سلمان، فهتفوا له: سلمان منّا ..ثم هتف المسلمين من المهاجرين قائلين: بل سلمان منّا ..

عندها، وقف النبي عليه الصلاة والسلام أمام تلك الجموع من المسلمين وقال: ( سلمان منّا آل البيت )

وقد تقرّب سلمان الفارسي من الرسول عليه الصلاة والسلام لدرجة، وصفتها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فقالت: ( لسلمان مجلس من رسول الله بالليل حتى كاد يغلبنا على رسول الله ).

يقول سلمان الفارسي عندما ولّاه عمر بن الخطاب إمارة المدائن بعد الإصرار عليه:

( إنْ استطعت أن تأكل التراب ولا تكون أميراً على اثنين فافعل )

مواقف تجسد زهد سلمان الفارسي

صُنع السلال ..

خمسة آلاف دينار هي حق سلمان من بيت مال المسلمين، عندما ولّاه سيدنا عُمر بن الخطاب رضي الله عنه إمارة المدائن. لم يكن يصرف منها ديناراً واحداً على نفسه، بل كان يوزعها ويتصدّق بها لِما في نفسه من زهد ورفض لمظاهر الدنيا وزينتها. فقد قال رضي الله عنه واصفاً مصدر رزقه: ( أشتري خوصاً -نبات تُصنع منه السلال- بدرهم، فأعمله ثم أبيعه بثلاثة دراهم، فأُعيد درهماً فيه، وأنفق درهماً على عيالي، وأتصدّق بالثالث ولو أن عمر بن الخطاب نهاني عن ذلك ما انتهيت ).

أين الخادم؟

في أحد الأيام، زاره صديقه وهو في بيته يعجن بنفسه. فسأله متعجّباً: أتعجن بنفسك؟! أين الخادم؟، فأجابه سلمان قائلاً: لقد بعثناها في حاجة، فكرهنا أن نجمع عليها عَمَلَين.

وفاته

بعد أن انتهت مدة ولايته على المدائن، ذهب سلمان الفارسي رضي الله عنه إلى العراق، ليبني فيها بيتاً بسيطاً، ويعيش على تلك البساطة، مُعتمداً على صناعته للسلال كمصدر رزق له ولعائلته. إلى أن دنا الأجل، وعندما شعر بذلك، خاطب زوجته قائلاً بعد أن طلب منها إحضار زجاجة فيها مسك: ( اتضحي-رُشّي- الماء من حولي، فإنه يحضرني الآن خلقٌ من خلق الله، لا يأكلون الطعام وإنما يُحبون الطيب ). ثم فارق الحياة

قال الرسول عليه الصلاة والسلام:

( إن الجنة تشتاق إلى ثلاثة: علي وعمار وسلمان )

علي بن أبي طالب كرم الله وجهه

وعمار بن ياسر رضي الله عنه

وسلمان الفارسي رضي الله عنه











  • 3

  • غزوان الحمصي / Ghazwan al-Homsi
    شاب مُحب للمطالعة و البحث و القراءة، أعيرُ اهتماماً خاصّاً بسير الصحابة والأئمة والعلماء من المسلمين ، يتركَّز جهدي بتبسيط المعلومة للعامّة، كاتب لدى مقال كلاود.
   نشر في 14 غشت 2016 .

التعليقات

قمر بدران منذ 4 شهر
رضي الله عنه وعن صحابة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ وأرضاهم.
وبارك الله بك على هذه المقالات القيمة أخي غزوان.
1
غزوان الحمصي / Ghazwan al-Homsi
العفو أختي قمر وشكراً لمرورك الكريم

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا