قِدْر ضٓغط - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

قِدْر ضٓغط

رؤية تشبهنا

  نشر في 04 فبراير 2016 .

نفسُ التّقنية التي يستخدمها قِدْرُ الضّغط “فرنسيّ” الصّنع هي التي يُمارسُها القلبُ مع مشاعره الطارئة،فحينما تحتاجُ لأن تبدي شعوراً إنسانيّاً ضروريّاً في وقت معيّن ولستَ مستعدّاً لذلك نفسياً ولا بدنيّاً فإنه لا مناصَ من استخدام قِدْرِ الضّغط سريعِ الإنضاج لأدوات الطّهي والتّجهيز والمواد الأوليّة من الأحاسيس علّكَ أن تخرُج بمائدة شعور تغني عن البقاء في جوعٍ شديد قد يؤدّي للكُساح والمجاعة والتوحّش،فما عليكَ وقتَها إلا الرّضا بأسلوب السّرعة وبخار الماء الذي يتفاعل داخلك دون أيّ فتحةِ هواءٍ أو نسمةِ إشعاع لنورٍ أو مجال خارجيّ يُفسدُ التّزاحم والغليان في القِدْر ..

أحياناً تضطّرّ لأن تكونَ راضياً بدموعٍ تكذبُ وتأثرٍ مزيّف لأنّ الاحتياجَ أتى على حين غِرّة والموقف داهَمَكَ فجأة دونَ أن تملأ خزّانَ المشاعر صباحاً بوقودٍ احتياطي ينقذُكَ في هذا الموقف الصّعب،وقِدْرُ الضّغطِ هو الطريق الوحيد لعَصْرِ بقايا الأحزان وعوالق الدّموع من جدران القلب مستخدماً ضغطاً عالياً وحرارة فائقة تُذيبُ الجوامد وتصهرُ الثوابت فتأتيكَ مشاعرُ تقنيّة عالية التركيز بهيّة الإنتاج تبدو وكأنها حقيقيّة في أجواء لا يتنبّه فيها الكثير من الناس للطبيعي من الصّناعي إلا من كانَ يستخدمُ القدور العاديّة دائماً وليس في طبعه استعجال النتائج واستثارة الجينات ..

وفي الخوفُ والتردّد أكبر دليلٍ على أنّ قِدرِ الضّغط الموجود داخل قلوبنا موضوع على نارٍ هادئة منذُ أن وُلدنا وبداخله كثير من قطع الإقدام وبقايا الشجاعة وشرائح الجرأة تغلي وتطبخ وتثور بين الحين والآخر لتعود أدراجها راضيةً بما يتوفّر من سوائل النّسيان ومائيّات الإهمال حتى وقتٍ غير معلوم،وبعضُنا يكثِرُ من استخدام ذلك الإناء وتلك العمليّة مكتفياً بأنّ ما تمدّه به يسدّ أيّ فراغ في عاطفةٍ لا يحبّها ولا يعرفُ كيفيّة التعامل معها لأنه من مرتادي مراكز الوجبات الجاهزة والمعلّبات الغذائية والمستحضرات المحضّرة مسبقاً لأي راغب أو زائر ..

وآخرون لا يُرضي نهمهم ولا غرورهم إلا “البلدي” من المشاعر “والأصلي” من الأحاسيس و”التقليدي” من التفاعلات بعيداً عن قُدور ضغطٍ لا تدخل بيوتهم ولا تتجرّأ على أن تجلس على مقاعد “بوتجازاتهم” العتيقة،وبداخلِ هؤلاء قدرة عجيبة على تبديل الألبسة والأقنعة والحالات من نفس عيّنة جلدهم وملامح وجوههم وأنّاتِ قلوبهم دونَ أن يحتاجوا لكثيرِ جُهد أو بعيدِ انتظار،فهم عندَ الفرح مبتسمون وعند الأحزان عاطفيّون وفي العشق متهوّرون وفي الكره واضحون،وهم كذلك قادرون على أن يستنفذوا كامل الوقت المخصّص للعتب وكلّ الزمن المعدّ للغضب وأكثرَ السويعات الخاصّة بالحب ..

مَنْ يُجهّزُ لعمليّة الضغط والإغلاق وإشعال النّار للحصول على مولودٌ مهجّن سريع في أقل من مدّة الحمل المعتادة لا يعنيه احتراق المواد داخل قِدرِ الضّغط ولا يُبكيه غليان الماء في قلب الحدَث بل هذا هو مقصوده لأنّ العبرة بالخواتيم وليس بمتابعة العمليات ومراقبة الحركات والمراحل،فلا أحد يعلم بعد إحكام الغطاء على ذلك القدر العجيب ما يحصُلُ في بطنه من حروبٍ طاحنة وتجاذبات ساخنة وكرّ وفرّ ينتصرُ فيها أخيراً سلاح الحبس والسّجن والحصار الذي يمدّ الأبخرة بقدرة مضاعفة على إنهاك العضلات وهَرْيِ اللحوم وقتلِ القوى فلا حركة بعدَ اليوم ولا تمنّعُ بعد الضّغط ..

صحيحٌ أنّ ما يُنتجُه قِدرُ الضّغط من الأطعمة ناضجٌ وناضجٌ جدّاً،وصحيحٌ أنّ المشاعر التي نضغطُها في قلوبنا سريعاً ونحبسُها سريعاً ونطبُخها سريعاً تنفجرُ كافيةً لمن حولنا لبضع دقائق وقليل من الثواني،وصحيحٌ أنّ استخدام وسيلة التبخّر وحبس بُخار السّوائل داخل أغلفة مضادّة للتسرّب لها مفعول مؤكّد وخرافيّ،لكنّ العمر الافتراضي لكلّ هذه المصنوعات لا يساوي الطاقة الكبيرة المهدرة لتنفيذ مثل هذه العمليات ولا يساوي الجُهد الذي تبذُله قدور الضغط في المحافظة على نشاطها وحيّويّة استجابتها في سبيل إرضاء “الزّبون” فضلاً عن فُقدان مراحل كثيرة لها قيمة إنسانيّة يتخطاها الضّغط الإجباري ..

في الحياة ضُغوطات كثيرة اختياريّة تتحوّل بعد زمن لإجباريّة لأنّ الناس اختارتها طريقة للعيْش ونمطاً للسلوك،وفي الدنيا محاصرات كبيرة اختياريّة أيضاً صارت من ضروريّات البقاء نتيجة اعتياد الناس عليها وعدم رغبتهم في انتظار مواسم الحصاد وأوقات الخصوبة،فلا أسهَلَ من تلميع وجه ليكونَ صورة غلاف لأشهر المجلات في ستة أشهر،ولا أيسرَ من تجميل عيون بعدسات لاصقة لتصبحَ ثورة إعلاميّة في مجال الدعاية والإعلان في أقل من شهر،ولا أبسَطَ من إزالة طريقٍ قديم واستبداله بطريق ذي مواصفات عالميّة ومسارات واسعة وأضواء صارخة وخطوط بيضاء مرشدة وأرصفة محكمة الصّنع والتنظيم ودوارات مروعة بأشجار الصّنوبر وجوز الهند ونخيل العراق في أقلّ من أسبوع لأنّ مسئولاً سيمرّ من هذا الطريق لبضع دقائق تاركاً ورائه قدرَ ضغطٍ يأكل لحومَ المساكين طيلة فترة غيابه عنهم ..

تستطيعُ أن تحصلَ على ما تريدُ بسرعة لكنّك لا تستطيع أبداً إطالة عمر النتائج المعتمدة على سرعتك الجنونيّة،وتستطيعُ أن توهمَ الجميعَ بأنك محترفُ تدريب لكنّكَ لا تستطيع أن تُظهِرَ للناس نتائج تدريبك المعتد على سرعة في السّرد وضغط في المادة التدريبيّة،وتستطيعُ أن تحفظَ سيناريو “روميو” كاملاً وتؤدّيه أداءً رائعاً خلال عرض سينمائيّ لا يتعدّى الساعات ولكنّك لا تستطيعُ بنفس ذلك السّيناريو أن تُقنِع “جوليت” بمشاعر نضَجَتْ في قِدْرِ ضغطٍ فرنسي ..


  • 3

   نشر في 04 فبراير 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا