شادي خضر يكتب : هل تذوقت الفقد يوما ؟ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

شادي خضر يكتب : هل تذوقت الفقد يوما ؟

في رثاء الغالي

  نشر في 04 غشت 2016  وآخر تعديل بتاريخ 27 شتنبر 2016 .

                                      (١)

"الموت مصير كل حي ، العمر حين يطول يقصر، والجسد حين يكبر يشيخ ، والثمرة تستوي ناضجة ثم تفسد وحين يقدم النسيج يهترئ."

رضوي عاشور-ثلاثية غرناطة.

                                     (٢)

أصعب لحظة تمر بها هي تلك التي تستقبل فيها خبر وفاة شخص محبب إلي قلبك ، حينها تشعر أن جبلا من الهموم ألقي علي عاتقك دون هوادة أو رحمة، تتمني لو أن عقارب الساعة توقفت عن الدوران ، تحاول جاهدا أن تبدو متماسكا تغالب دموعا تنهمر كفيضان لم تعتده من قبل ، البكاء ليس من شيم الرجال لكن ماذا نفعل في أنفسنا وقد خلقنا من طينة الضعف، بكاؤنا ليس لفقدهم بقدر ماهو بكاء لأننا سنكمل حياتنا بدونهم ، حسنا فالموت هو الحقيقة الوحيدة التي لامفر منها علي هذه الأرض.

                                    (٣)

"تبدو المصائب كبيرة تقبض الروح ثم يأتي ماهو أعتي منها وآشد فيصغر مابدا كبيرا وينكمش متقلصا في زاوية من القلب والحشا."

رضوي عاشور-ثلاثية غرناطة.

                                    (٤)

يرتبط الإبن الاكبر بوالده بعلاقة مميزة ، في مرحلة ما يتعامل الأب مع إبنه الاكبر كصاحب وصديق بل انه يشركه في قرارات ويشاركه بعض هومه وآلامه ، مازلت أعتقد انني اتمتع بذاكرة قوية تساعدني احيانا علي سرد الماضي بتفاصيل دقيقة تدفعني لدوامة من الذكريات تدور بي حول أطيافه الكامنة في حنايا القلب ، مازلت أتذكر والدي ضاحكا بشوشا مفعما بالحماس للسفر والترحال ، أتذكره قويا يقود دراجته الزرقاء بخطي وئيدة محاولا التغلب علي المطر والشتاءالقارس كعادته في مواجهة أعتي الأزمات ، اتذكره مستيقظا في الصباح الباكر منكبا علي آلته الكاتبة مدققا في حروفها كأنه جراح شرع لتوة في جراحة قلب مفتوح ، أتذكره معدا لحقيبة سفره مثابرا مجتهدا باحثا عن رزقه في أرض الله الواسعة، أتذكر التماع عينيه التماعا فرحا عندما أنعم الله عليه بالعمرة وبالحج ، أتذكره بسيطا مخلصا ناصحا أمينا عنيدا في تحقيق رغباته ، كثيرة هي ذكرياتي معك ومؤثرة الي حد الدموع يامن كنت لي نعم السند.

                                    (٥)

"ولكن التأمل لايدوم في حومة تعذيب وروع يحيل الصور والافكار الي مزق وشذرات ، بينما البدن مجروح والروح كالطائر الذبيح تنتفض."

رضوي عاشور- ثلاثية غرناطة.

                                     (٦)

تعلمت منه مالم أتعلمه في المدارس والجامعات ، تعلمت القدرة علي الثبات في أعتي الازمات كان يقابلها ضاحكا بشوشا ، تعلمت ألا أخشي من الوقوف ضد التيار مدافعا عما اعتقده صحيحا ، تعلمت عدم اليأس والمثابرة حتي اللحظة الاخيرة ، تعلمت الرضا بقضاء الله ورزقه وعدم التطلع الي ما في يد غيري ، تعلمت مسامحة الغير حتي تصفو النفس كما المرآة وتنجلي .

                                  (٧)

"ليس الجحيم ان تصطلي بنار جهنم ولكن بنار قلبك وهو مروع ،مضطرب ، وواهن."

رضوي عاشور-ثلاثية غرناطة.

                                 (٨) 

أصعب فترات العلاقة بيننا كانت فترة مرضه ، كنت أشعر أنني الأب وهو الابن في مسيس الحاجة للرعاية ، مشاعر مضطربة تختلج في جنبات الصدر ، لكن أصعب تلك اللحظات علي الإطلاق حين تمكن المرض منه ووقف الطب عاجزا عن أي شئ ، شعور بالعجز ينتابك عن مساعدة أحب الناس لقلبك بينما تراه متألما معذبا ، تحاول أن تغالب مافي قلبك فيزداد اتقادا وتوهجا، ماهون علي هو صبره علي مرضه وتقبله لأقدار الله برحابة صدر بل ان آخر مانطق به لسانه كان الدعاء لأبنائه وهو علي فراش الموت ، عفا الله عنك يامن أكرمنا الله بشرف خدمته ومرافقته وتمريضه ورزقنا حسن برك بعد رحيلك.

                               (٩)

وهل أبكيك ام أشدو بفخر 

وكلتا حالتي لها دليل

ومانفع البكاء ولا التباهي

 إذا كان الرحيل هو الرحيل.

نزار قباني.

                             (١٠)

رحل الغالي ، لكن ماذا عسانا أن نفعل فلا الدمع يخفف آلام الرحيل ولا الوجع الضارب في أعماق النفس يخفف لوعة الفقد، عزاؤنا اننا نجد في طيب سيرته التي جعلت تلامذته يتسابقون مسرعين لحمله إلي مثواه الاخير صبرا وسلوانا ، رحمك الله رحمة واسعة يامن انطلقت الالسن بالدعاء لك عند وفاتك.

                             (١١)

"اعمل عملك ياصاحبي ، فان لم تزد شيئا في الدنيا كنت أنت زائدا عليها ، وإن لم تدعها أحسن مما وجدتها فما وجدتها وما وجدتك ."

مصطفي صادق الرافعي.


  • 13

   نشر في 04 غشت 2016  وآخر تعديل بتاريخ 27 شتنبر 2016 .

التعليقات

حنين ذكرى منذ 4 شهر
و لحزنك لسان مبين يا أستاذ...
رحم الله أباك.. و كل أموات المسلمين...
حسبنا جنة .. حسبنا جنة...
1
شادي خضر
شكرا جزيلا لحضرتك ، اللهم امين
أخي أحس مرارة الفقد و المصاب من كلماتك، و لا أصعب في هاته الحياة من أن تفقد أحد الوالدين
أسأل الله أن يغفر له و أن يتغمده بواسع رحمته
2
شادي خضر
اللهم امين ، شكرا جزيلا استاذ عبد الله
رحم الله والدك و رحم جميع الموتى الذين تركوا حزنا عميقا في قلوبنا ...
موفق أخي مقالك رائع
1
شادي خضر
شكرا جزيلا استاذة زينب
Islam Elbakry منذ 4 شهر
رحم الله والدك وهون عليكم عذاب فراقه .. مقال جميل وأسلوب رائع
1
شادي خضر
شكرا جزيلا استاذ اسلام
استمتعت بقراءة مقالك ..يا شادي
1
شادي خضر
شكرا جزيلا استاذ سعيد

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا