المنزل ذو السقف الأحمر - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

المنزل ذو السقف الأحمر

الجزء الثاني

  نشر في 27 يونيو 2020 .

  في الليلة التي تشاجرتُ فيها مع روز، كان آدم عرض علي الزواج، وكنت قد رفضت، أذكر الصدمة التي تجلّت بعيني روز حين أخبرتها ما فعلت، أذكر كيف كانت منكسرة مني ونظرة الشفقة التي رمتني بها، قالت لي إن كنت غير قادرة على المناضلة ضد جراحي القديمة فعلي إذاً التوقف عن الكتابة لأجل النساء الأخريات، لأنني سأكون خذلت واحدة منهن وهي أنا! قالت لي أنني أجيد التكلم فقط وأستخدم أكثر الكلمات البراقة لأجمع الناس حولي لكنني في الحقيقة كائن ضعيف ومهمش! أحاول أن أهرب وأجري دون أن أواجه ولهذا ليس من حقي أن أطالب غيري بفعل ذلك! شعرت كأن أحدهم صعفني على وجهي وأدار المرايا المختبئة نحو الشمس فكان انعكاس ضوءها ما أعماني وجعلني أستجمع الرؤية، كانت محقة، أنني مررت بتجربة مخيفة في الزواج سابقاً لا يعني أنه قد يتكرر الأمر، الزواج ليس نفسه في كل الأحوال! ماري التي واجهت ذاك الزواج الجائر كانت أكثر قوة مني! أما هذه التي أنا عليها الآن فقد اختنقت بكل الكلمات التي كانت تريد قولها في الحقيقة لكنها صمتت عنها، هذه التي أحمل وجهها الآن تبدو لي عديمة الملامح وكان لا بد لي من أعيد رسم ملامحها من جديد!

  بدأت الحكاية في الأصل حين بلغت العاشرة وارتأى أبي في النهاية أنه لا فائدة ترجى من التحاقي بالمدرسة الصغيرة في وسط القرية، وأنه يجب علي تعلم حرفة تقيني في المستقبل الفقر والحاجة، كان هنا أول اصطدامي به، لا يمكن لأحد أن يقرر بشأن حياتي، ولا يمكن لأي كان أن يسلب مني حقي في الدراسة والتعلم، كانت معارضتي بالطبع مقرونة بالتعرض للكثير من الضرب، لكنني لم أتراجع، مهما كان الثمن الذي سأدفعه لم أكن لأتخلى أبداً، كان أبي دائماً يخبرني بأن رأسي حجر صوان وسيكسره يوماً! الجميل في الأمر أنه لم يستطع حتى الآن! كلما أظلم علي كنت بطريقة ما أقتاد الأمل نحو دروبي، عمتي تخبرني أنني أشبه أمي، كانت عنيدة جداً، ومرحة كذلك، ورغم كل الظروف الصعبة التي عانت منها كانت تبدو دوماً قادرة على الابتسام والنهوض بعد كل كبوة، وفي الأصل لولاها لما وصل أبي لما كان عليه ذاك الوقت، حقل واسطبل وبقرة وحيدة كانت تغنينا عن النزول لوسط القرية كون منزلنا يأخذ الطرف الشمالي البعيد، وحين ينفد منا بضع الأصناف من الطعام ولا يود أبي فتح كيس ماله الضيق نبادل القليل من حليبها بما نريد.

  لم تستطع أمي أن تنجو من حمى الولادة التي عانت منها بعدما وضعتني، لهذا كبرت دون أن أدري كيف يكون الشعور بأن تستقبلك أم آخر النهار! تفتح لك باب البيت وتلفك بأدعيتها، تسهر فوق رأسك حين تمرض، عمتي لم تقصر يوماً، لكنها بعد وفاة زوجها تغيرت كثيراً وباتت امرأة أخرى وجل همها كيف تحمي طفلها. كبرت وأنا فقط أدري أمي من روايات عمتي عنها، كيف كان شعرها الكستنائي ينسل من تحت أغطيتها البالية ويتلون مع الشمس فيغدو كأنه بحر من القهوة، كبرت وأنا أدري بأني أملك عينين تشبهان خاصتيها، وكثيراً ما كنت أقف أمام زجاج المحلات وسط القرية لأنظر لعيني وأتخيلها تحملهما في وجهها وتبتسم لي، لكنني عجزت دوماً عن رسم وجه يليق بوجه أمي، لهذا بقيت طيفاً لا ملامح في ذهني! ولكم كان يشقيني هذا الأمر، كل الأطفال الذين فقدوا أمهاتهم وهم يعرفونهن يستطيعون في أواخر الليل أن ينادوا أطيافهن ليأخذن الأشباح بعيداً عنهم، لكنني لم أكن أقدر على هذا! من كنت لأنادي أو كيف أنادي من لا أعرفه! كانت تبدو الليالي لي أكثر الوحوش قسوة! ولكم كنت أمقت ليالي الشتاء الطويلة، حيث يختبأ الأطفال بجانب الموقد، وتمرر أمهاتهن أرغفة مليئة بالحب بينهم، ويسرحن شعر فتياتهن ليستسلمن للنوم في أحضانهن الدافئة! 

لكنني عرفت أياماً أكثر قسوة من هذه الأيام، بعد أن استمر الحبس المنزلي الذي فرضه أبي علي إثر عدم تركي للمدرسة، طرحت عليه فكرة أن أعمل وأدرس، هو لن يكون بحاجة ليصرف على متطلباتي المدرسية مقابل أن أستمر، بالطبع لولا مساعدة عمتي ذلك الوقت لم يكن ليوافق ويلين، لكنه استطمع قليلاً، أخبرني بأنه يجب علي فوق ما وعدت أن أجلب بعض المال للمنزل! لعنت في سري كل الذين يشبهونه، أي طمع هذا! لكنني وافقت مضطرة ومجبرة، لن أنسىى تلك النظرات في عينيه، أي مكر هذا وأي قسوة تلك التي تخولك أن تدوس على كرامة فتاتك الوحيدة! كان يتوقع مني استسلامي لكنني لم أجعله ينل مراده في النهاية! 


  • 1

   نشر في 27 يونيو 2020 .

التعليقات

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا