في جزيرة الماعز .. الرغبة متوحشة والغريزة بريئة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

في جزيرة الماعز .. الرغبة متوحشة والغريزة بريئة

  نشر في 30 أبريل 2017  وآخر تعديل بتاريخ 05 ماي 2017 .

   أمــل ممــدوح 


      الذهن النهري كالنهر الحر يمتد بحثا عن الحياة/ الحقيقة؛ وخيري بشارة ذلك المخرج الذي يسكنه فيلسوف ساخر؛ نهري البحث عنها وإن كانت في أبعد أماكنها المتخيلة وبأكثر الطرق اختلافا وتنوعا..لا يكف عن تتبعها سواء بثبات نسبي موهم أحيانا أو بقفزات غير عابئة كثيرا..بتقليدية عميقة خاصة أو حداثية محطمة لكل الأطر التقليدية أو تتدثر بها ساخرة، قادم من العوالم التسجيلية راصدة ولصيقة الواقع والتي مهدت لمرحلة الواقعية الجديدة في أفلامه الروائية أو ما يحب تسميته بالسينما الجديدة ليتجه بعدها فجأة للانحياز للواقع أيضا لكن بأسلوب حداثي ومنهج خاص قد يكون فانتازيا أو تجريبيا أو حتى في إطار يبدو واقعيا كلاسيكيا بتناول حداثي؛ وذلك في مرحلة بدأت بفيلم كابوريا 1990 ثم رغبة متوحشة وآيس كريم في جليم وأمريكا شيكا بيكا وحرب الفراولة وقشر البندق وإشارة مرور، لكنك تظل تلمح فيها تأثره بالسينما التسجيلية ومخزونها وانحيازه لطبقة البروليتاريا بشكل أو بآخر وحسه الثوري وإن كان بالسخرية والتسطيح المتعمد مما يبدو سائدا راكدا مسلما به.. هذا التراوح في السخونة الحماسية والولاء للواقع ونقده سواء بشاعرية أو بجمود وبرودة ساخرة؛ يظل يردد إحباطات ومذاق نكسة 67 التي عانى منها في بدايته ويتسق ضمنيا مع ناصرية اشتراكية آمن بهما لتتحور ثورته مع إحباطات التغير الاجتماعي والاقتصادي والثقافي لشكل لاذع السخرية حتى من جدية القضية والتعجل البريء للتغيير..شكل غير عابء بهجوم أو بنقد أو بفهم الجموع كجزء من ثورته الجليدية الجديدة البعيدة عن أي روح وعظية وربما جادة، ومن أفلام هذه المرحلة السينمائية الأخيرة سنتوقف مع فيلم أرى أنه لم يأخذ حقه ووقفته المستحقة ففيه من العمق والفلسفة أكثر كثيرا مما يبدو ظاهريا؛ فيلم "رغبة متوحشة " الذي أنتج عام 1991عن مسرحية " جريمة في جزيرة الماعز " للكاتب الإيطالي أوجو بتي، سيناريو وحيد حامد وتصوير سمير فرج ومونتاج نادية شكري وقام ببطولته كل من نادية الجندي ومحمود حميدة وسهير المرشدي وحنان ترك، وهو الفيلم المناظر لفيلم "الراعي والنساء" المنتج في نفس العام وعن نفس النص المسرحي للمخرج علي بدرخان بطولة سعاد حسني مع أحمد زكي ويسرا وميرنا، فإثر خلاف بين بدرخان ووحيد حامد حول رؤية الفيلم نتج هذين الفيلمين لقصة واحدة بأسلوبين مختلفين تماما.



رحلة وجزيرة..

   بداية من تتر الفيلم وكتابة اسمه "رغبة متوحشة" مترجما بالإنجليزية إلى Desert and desire بمعنى الصحراء والرغبة؛ يدعوك الفيلم إغراء أو تنفيرا لمضمون متخيل يوحي بفيلم شديد الإثارة والجرأة يضج بالمشاهد الساخنة ويقوم عليها بما قد يجذب البعض أو ربما كان سببا في نفور بعض آخر من هذا الفيلم الذي يوقنون رغم مشاهدته أن عنوانه عبر قطعا حتى عما لم يروه فيه، هذا التلاعب الساخر بدءا من العنوان يدعو لمشاركة ذهنية من المتلقي بني عليها الفيلم الغني بالفلسفة والرمزية بمضمون حداثي تقدمي بحبكة تبدو تقليدية تماما بما فيها النهاية التي تحقق العدالة الشعرية لكنها بمستويات مختلفة القراءة مما يدحض في الحقيقة معظم الأفكار الظاهرية السريعة، 

يبدأ الفيلم بتتبع بطله ورحلته التي يدور حولها الفيلم من بدايتها قبل أن نصل لركوبه القطار مع كادر يسير مع اتجاه هذا القادم ثم ينعكس مع اتجاه القطار الذاهب بالراكب الجديد ليكون القطار كاملا وحركته الممتدة في كادر خاص تأكيدا على فكرة الرحلة حاملة المضمون القادم، يصل الغريب بعد سفره الطويل لمنطقة صحراوية بدوية نائية فيفاجأ بعنزة أمامه ينتبه بشدة حين رؤيتها لينقض على ضرعها يشرب لبنها بنهم قاس مثير للاشمئزاز والنفور خاصة مع صوت تألم العنزة، هذا المشهد الفظ الهام كان مدخل التعرف على الشخصية القادمة وبناء رأي سلبي قصدي تجاهها وتمهيد كذلك للمدخل الطبيعي في تناول الفيلم الذي يعنى بكيفية عمل الطبيعة بشكل عملي من خلال الحواس والإنصات للغرائز الطبيعية للبقاء، هذا الغريب الذي نعرف فيما بعد أن اسمه "سيد غزال" وقام بدوره محمود حميدة يتجه في هذه المنطقة الصحراوية القاحلة حيث الرمال واللون الأصفر بتأثير سطوع قاس للشمس يسيطران على الصورة مع قطعان الماعز؛ إلى حيث تقطن ثلاث نساء..أرملة مثقفة جميلة متوسطة العمر ( ناهد ـ نادية الجندي) وابنتها الشابة الصغيرة (وفاء ـ حنان ترك) وأخت الزوج المتوفي متوسطة العمر الأمية التي لم تتزوج (سميحة ـ سهير المرشدي)؛ يعشن معا في أرض أهل الزوج/ الأخ/الأب، يقابلهن غزال ويخبرهن بأنه كان زميل رب هذه الأسرة الراحل في السجن والذي كان مدانا بالجاسوسية وهربت أسرته هذه إثر الفضيحة..فهو قادم من سجن وهن هاربات إلى سجن، وأنه جاء للبحث عن كنز من الدولارات خبأه الراحل في الأرض وأخبره بأمره في السجن وعرفه طريقه موصيا بأن يكون شريكهن الرابع فيه مما يستلزم إقامته معهن حتى ذلك الحين أو بعده كواحد من الأسرة، مما يسكت الجميع بعد مقاومة ويسمحن ببقائه لأجل ذلك، لكن شيئا فشيئا تميل كل منهن بشكل مختلف لهذا الرجل الوحيد بينهن منذ زمن بعيد ليصبح محل نزاع كامن وظاهر.


عطش وبئر ..

    في هذه البيئة العطشى التي يكسوها اللون الأصفر الباهت الذي يتماهي معه حتى لون البيت الحجري حيث يعشن النساء الثلاثة؛ كل شيء يؤسس لفكرة الجدب والعطش التي تتأكد في حوار بين غزال وسميحة في البداية يعلق فيه على قسوة هذه الأرض لترد "العطش قاسي وقسوته باينة على كل شيء حوالينا" فيسألها عن المطر فتجيب "في في الشتا لكن المطر عمره ما يروي رمل، عطش الرمل عمره ما يتروي" ففكرة العطش الثيمة البانية للفيلم والتي تؤسس بدورها وتعمق فكرة الاحتياج كنقطة ضعف تسري منها الأحداث، ليتجسد الصراع بصريا بين الجدب والارتواء في الصحراء ببئر يوجد في وضع مركزي في هذا المكان، فالماء رمز الحياة هو النقطة المركزية التي تجمع حولها أطراف سكان الحدث أو المكان والذي تدريجيا يعادله دراميا بالنسبة لهم هذا الرجل القادم أيضا من رحلة عناء وحرمان طويل ويعادلنه كذلك بالنسبة إليه ، 

ليمثل البئر إجمالا فكرة الارتواء بما ورائها من احتياج ورغبة، يغدق غزال بمجرد مجيئه الماء على وجهه وجسده بإفاضة تؤكد على قسوة العطش وشدة الشوق للارتواء، بقية البيئة تضم بضع نخلات قصيرات باهتات الاخضرار مع قطيع الماعز وجديانه المخصية كما سيرد في أحد المشاهد مما يدعم حالة الجدب الذكوري في المكان، هناك أيضا حمار وحيد وكلب ودجاج وبيت حجري غرفه الداخلية تضم وحدات بيئية وقناديل في معظم الأماكن .. فكل المكونات أولية تنتمي للطبيعة، أما الماء فلا نراه إلا من البئر أو حوض الماعز في الحظيرة حيث يقيم غزال.


الكاوبوي وشهرزاد ..الملامح والدوافع..


    "البشر أقل أخلاقية مما يعتقدون وأكثر فسوقا بكثير مما يمكنهم تخيله" هذه الجملة لفرويد تفرض نفسها عند استعراض غالبية شخصيات هذا الفيلم باستثناء من بدا أسوأها، ولنبدأ عرض الشخصيات بسيد غزال..ذلك النصاب وهي تهمته التي يعلنها بصراحة وبساطة مؤكدا أنه ليس لصا فهو لا يسرق إلا من يريد أن يُسرق كما يؤكد في سياقات أخرى أنه ليس غدارا؛ قدمت شخصيته في رداء شخصية الكاوبوي بطل الويسترن الأمريكي بكل عالمها وروحها وارتحالها المتخفف دائما ومذاق الرحلة وشكلها المصاحب لجعبته، وهو ما تؤكده لقطات فوتوغرافية لأفلام كاوبوي أثناء وقوفه بالقطار في رحلة مجيئه، لا تفارقه سيجارته من أول لقطة لآخر لقطة فهي كل متعته كمن يمتلك بها الحياة.. تلك الصغيرة دائما في يده كمن توشك على الانتهاء دون نهاية..لا يحمل غيرها لكنها كل عالمه فيقنع بها ولا يفرط فيها حتى في لحظات موته الأخيرة كانت كل ما تمسك به بابتسامة لم تفارقه ليتركها بإرادته في اللحظة قبل الأخيرة وكأنما قرر هو الانصياع للموت، يتمسك بها كذلك بينما رأيناه من قبل يسلم ببساطة دون تهافت بعدم إمكانية الحصول على الكنز مقررا الرحيل ، 


فهو يطلب ويحتاج دون طمع أو تهالك.. دائم البسمة الساخرة والتعبير اللامبالي، جاء يحمل حقيبة خفيفة ماكثا بثوب واحد دائما لم يغيره أبدا لكنه نظيف عادة، يستمتع بكل ما يفعل حتى لو كان الاستحمام في حوض الماعز، بسيط حر كالبراري لا يطيل الحسابات ولا يسرف في الاحتياطات ولا يجيد التنميق والمواربة..ينام ويجلس كيفما اتفق غير عابىء ولو في حظيرة الماعز مبتسما دوما متكيفا مستمتعا فهو متماه مع الطبيعة بل يمثلها ويمثل تماما النزعة الطبيعية التي يتبناها الفيلم كفعل أصدق وأكثر براءة رغم توافر ملامح الغواية والتشكك فيه؛ همجي، شهواني، مهمش، نصاب، غريب، لا تفارقه سيجارة أو خمر، لكنه ليس معتد وليس الشرير، يمثل الغريزة الطبيعية التي يبرئها الفيلم في مقابل الغريزة المكتسبة غير المبرأة وهي حب التملك التي سببت صراعات الفيلم ونهايته سواء بنزاع سميحة وناهد عليه أو رغبة سميحة في الاستحواذ عليه هو والمال أو رغبة وفاء في تملك أمها وتملكه ليؤدي صده لها لأن تشي به لأمها انتقاما منه وتفريقا بينهما لتقتله الأم عقابا على خيانته بينما نعلم براءته، أحب ناهد التي تخيلها من وصف زوجها لها، لكنه ليس حبا أفلاطونيا يمنعه من غريزته إلا بمعرفته بحبها له..هنا يكون لها وحدها رغم كل سماته الهمجية اللاأخلاقية الظاهرة، وبينما كان محط شك المشاهد كان البريء الوحيد والواضح الصادق.


    "سميحة" تبدو في أول ظهورها مع قطيع الماعز بثياب أشبه بالبدوية استمرت بها تنم عن عمل دائم وحركة دؤوبة، ساذجة حتى في خبثها الغبي الواضح فيفهمها الجميع، رغم بساطتها وضعفها الطيب وانقيادها تبدو الأسرع في الإقدام على السقوط والتسليم بشهوتها واستخدامها في غواية سيد للحصول على الكنز والأكثر وصولية والأكثر طمعا رغم التعاطف معها مما يبدو للجميع ولنا وربما لها وهو ما يتأكد حين تلتفت سريعا للكنز بجوار سيد فور موته. "وفاء" فتاة ذات 16 سنة لم تغادرها البراءة حتى في ملامحها البريئة الخالية من الماكياج تقريبا..تدرس وترقص الباليه وتضع في غرفتها صورة لوالدها الذي تصدم فيه بمجيء سيد الذي فجر معه حرمانها من فكرة الرجل عموما لتختلط صورة سيد في عينيها بصورة الأب والحبيب وتسعى للاستحواذ عليه ثم الاستحواذ على أمها بإبعادها عنه بادعائها لها إقامته علاقة معها، فرغم براءتها وفنها كان فعلها شيطانيا، أما "ناهد" فامرأة أرستقراطية قوية مثقفة ذكية يأتي أول ظهور لها مع موسيقى شهرزاد لكورساكوف تقدم لامرأة لها خصوصيتها وعالمها الراقي ثم نراها تقرأ كتابا بالإنجليزية عن السلاطين، ملابسها جادة غير مبتذلة رغم اكتمال زينتها وأناقتها البعيدة عن روح البيئة..ترتدي ثيابا كالفارسات مكوية شديدة الهندمة مع قطع من الحلي الذهبية وحدها ترتديها دون ابنتها أو أخت زوجها، لا نراها تعمل أبدا فقط تمسك البندقية فتصطاد الثعالب ونرى عند سريرها فراء لها، متعالية متسلطة مدللة لذاتها تميزها..دائما تمسك بمظلة دون الجميع وتركب الحمار وحدها بينما يمشي الباقون كما لو كانت ملكة مستعبِدة آمرة ناهية للجميع وهم راضون راضخون بشكل مثير للتعجب ومثير للتناقض بين ثقافتها الظاهرة وسلوكها الفعلي المتنافي مع جوهر الثقافة والمشير لخواء لم تملأه هذه الثقافة، تتحدث عن التحضر منتقدة تصرفات سيد وهمجيته وتحتقره وتحتقر سميحة وتصرفاتها معه بينما تماثلت معها في رغبتها وذهابها إلى سيد الذي تحتقره لكنها صاغت إطارا يرضي كبريائها بزواج سري، وأخيرا ضيعت حبها بشك متسرع أفضى للقتل كوجه لهمجية لم ترتق به ثقافتها أو تحضرها، كانت من غدرت بينما أخلص سيد ولم يغدر لنرى بذلك تدنس ما بدا مقدسا وتقدس ما بدا مدنسا، هي مرتكبة الشر في النهاية وقابيل الحكاية لا هابيلها الذي بدا وهي من لوثت ماء البئر بالخمر عمدا في لقطة شديدة الإيحاء لا سيد الذي كان يشربه ويحتفظ بزجاجات البيرة في البئر مغلقة لتبرد، فكأن هذه الحضارة المزيفة الجاني الحقيقي على الطبيعة الأولية البريئة..وغريزة التملك المكتسبة المتوارية في الرغبة هي الساطية على غريزة الاحتياج الأرقى ..فناهد هي الوجه المقابل لسيد وقد جاءت معظم مشاهدهما مؤكدة لذلك بطريقة اللقطات المقابلة..وقد بدأ به الفيلم وحده وانتهى بها وحدها كطرفين متقابلين .


الليبيدو وصراع البقاء..

  يطل من الفيلم بقوة مفهوم "الليبيدو" الذي أطلقه فرويد على طاقة الحياة لدى الإنسان والمتمثلة في الغرائز الطبيعية التي من بينها غريزة البقاء وأهمها الغريزة الجنسية، أو"الكوناتوس" الذي أطلقه سبينوزا على القوة الدافعة لكل مساعي الإنسان إرادة وشهوة للاستمرار والحفاظ على وجوده، مما يقود أيضا لتذكر رأي شوبنهاور الذي يعلي من شأن الدافع الجنسي لدى كل من الإنسان والحيوان، لكن الإدانة في الفيلم المتبني بنسبة كبيرة للملمح الطبيعي لم تكن لهذه الغريزة التي وإن أخذت حيزا ظاهرا كانت مشاهدها خافتة موحية أكثر منها مجسدة؛ بل لما صاحب ظهورها من غدر أو طمع أو خيانة أو ادعاء أو رغبة في السيطرة ليموت في النهاية الإثنان الأكثر براءة وإن بديا مدانان ويبقى الإثنان الأكثر شرا وإن بدتا أكثر طهرا وتحضرا،وإن كان بقاء ناهد سيكون بالندم بقاء كالموت لتتحقق العدالة الشعرية بذلك بشكل مزدوج أحدهما ظاهر يدين الجميع والآخر ساخر بموت الأنقى .


 صراع النساء الثلاثة في الفيلم جاء كشكل من صراع البقاء الذي فجره الدافع الجنسي وهو ما يرجعنا لاسم المسرحية المأخوذ عنها الفيلم "جريمة في جزيرة الماعز" وكأنه يعني في جزيرة الغرائز ..حيث يعرف الماعز بقوة الغريزة الجنسية من جهة وسهولة انقياده وقوة تكيفه فهو يأكل أي شيء ويجتر طعامه ويعيش في الصحراء وبالتالي فإن صراعه سيكون غرائزيا مرتبطا بالبقاء.


سيميولوجيا أسطورية ..

   اعتمدت حبكة الفيلم على عدة مقومات كالرحلة والزائر الغريب واللغز الذي أجيد استخدامه كعمود فقري للتشويق ومبرر مقنع لبقاء هذا الرجل والكنز أو الخبيئة التي يوازي تكشفها تكشف النفوس وتشكل رابطا نفعيا يربط بين الجميع ليكون البئر في وسط المكان موازيا لدوافعهم ومقابلا لحفرة الكنز المعبرة عن السقوط والنهاية في محاكاة رمزية بالغة الروعة دعمها تماثلهما حجما وعمقا تقريبا؛ مع تضاد ارتفاع أو صعود البئر فوق سطح الأرض وهبوط الحفرة تحت سطحها..مما يجسد عذاب البشر وتناقضات القدر بين منح ومنع حيث البئر يهب ماء الحياة والحفرة تهب الموت والشر في هيئة الجائزة والكنز الذي أعطى لمحة أسطورية وإن لم تكن شاعرية صبغت الفيلم مع الأسطورية في بناء القصة والمنطقة النائيةكمكان ومؤثراته كالموسيقى الكلاسيكية الدرامية ومنها موسيقى شهرزاد لكورساكوف التي قدمت لشخصية ناهد وموسيقى باليه لوركيانا التي صاحبت رقصة لوفاء تلت معرفتها بحقيقة والدها والتي تعبر عن فقد بطلتها لحبيبها بموته في مشهد جنائزي بينما سيظهر لها حبيب جديد تحتار بينه وبين ذكرى حبيبها ورقصة أخرى لها على موسيقى كارمينا بورانا لكارل أورف عن تناقضات القدر ومآسيه وعطائه وحرمانه كصراعاتها النفسية بظهور غزال، 


وتكمل الحالة الأسطورية رموز وعلامات سميولوجية أخرى استخدمها الفيلم بذكاء وعمق مضيف يحسب له استعاض بها عن تصريح الحوار ومن ذلك موتيفة الكشاف باستخدام الكشافات في يد النساء الثلاثة بشكل تلصصي متشكك بتسللهن المصاحب دائما لليل وكأنه يكشف شيئا منهن لا من سيد، وتأتي بقية العلامات الصوتية والبصرية بمدلولات نفسية وثقافية بمذاق أكثر أسطورية ومنها إطلالة للميثولوجيا الإغريقية بالإشارة في حوار بين ناهد وابنتها لصندوق "باندورا" الذي أطلق شرور الدنيا بفتح باندورا له وحين أغلقته بالكاد لم يكن قد بقي منه سوى الأمل، وتكثر العلامات الطبيعية المستقاة من الطبيعة " العالم الأصلي " فنسمع نباح الكلب كعلامة صراع قادم حين يفجر سيد لوفاء سر والدها ونسمع صوت الديك ثم نراه حينما بدأت رغبة ناهد خطوات التحقق بوقوفها ليلا بقميص النوم بانتظار سيد في حين يرمز الديك للذكورة وينبىء بشيء قادم، ونرى الخنفساء السوداء تحفر في الرمل مع بدء حفرهم للكنز بما يرتبط بهذا السلوك من تكوير للروث والجيف في طبيعة الخنفساء لتعد نبوءة شر في هذه الحفرة، كما رأينا الغراب كنذير شؤم آت حينما كان سيد مع وفاء على الشاطىء قبل أن تبدأ في استمالته ويرد بصدها وصفعها مثيرا لانتقامها الآتي، بالإضافة لصوت الرياح والطاحونة بما لهما من سطوة وإيحاء بالتوتر وعدم الاستقرار، هذه العلامات الاستقرائية الطبيعية جاءت مناسبة لفيلم لم ينتهج النهج الواقعي التفصيلي بل الطبيعي بما فيه من بعد عن الاسترسال في التفاصيل والحوار بلمحة عملية تجريدية كست الأداء والحوار وتسطيح عمدي للتفاعل مع المواقف والأداء، من ذلك أيضا ملمح لغة حوارية جريئة فجة بغمز وأسلوب يعبر عن الطبقة الاجتماعية الدنيا بدا واضحا بالأخص في مشهد بين غزال وسميحة في حديث عن الرغبة الجنسية، هذا النهج الطبيعي يبحث عن الصدق والحقيقة بما يكمن وراء الواقع أكثر من محاكاته، كاختيار مكاشف يوافق ارتباط بشارة المسبق بهما اي الصدق والحقيقة مع السينما التسجيلية ولو بشكل مختلف غير مباشر، ألّف مع سيناريو متقن شديد الذكاء والعمق لوحيد حامد رؤية وصيغة متكاملة، لكن ورغم تقدير كل ذلك فإن الاستغراق في التخطيط الذهني للفيلم ليبعد عن شكل وملامح الواقعية البحتة المثيرة للعواطف وبالتالي تعمد تسطيح وفتور المواقف والأداء والكادرات دون تعويض جاذب أثر بشكل كبير في المقابل على تلقي الفيلم وجاذبيته وهي خسارة ليست قليلة رغم جمالياته الغزيرة وقيمته، فالكادرات والزوايا بدت جافة فاترة لوضع مسافة ذهنية أتت بمسافة نفسية، والقطع الحاد والانتقال بين المشاهد بشكل فجائي غير سلس بلا تمهيد أو تسلسل مشبع والنقلات الحادة في الوقت والمكان غرب المشاهد وقلل ارتباطه النفسي بما يشاهد وقلل التشويق موحيا بصناعة لا انسيابية، نضف لذلك الإضاءة الساطعة غالبا بلا ظلال فيما عدا مشاهد الظلام والكشافات مع إسراف في اللقطات المقابلة ووجود لقطات أرشيفية أحيانا أومصورة فوتوغرافيا كلقطات رقصة ناهد وغزال مما بدا مصنوعا وكان بالطبع للمونتاج دور كبير في ذلك، كذلك الأمر مع الموسيقى فبالرغم من عمق اختيارها وتوظيفها الدرامي افتقدت انسيابية الانتقال ولنسيج سلس يربط بينها فبدت مدخلة، وإن كان يرد بهذا يفكك حتى الحيل الفنية لمصادرها الأولية المكشوفة كنفس اللعبة الدرامية التي تتخطى العالم الواقعي للعالم الأصلي..فكل ذلك زاد من المسافة التي قصدها الفيلم ونفهمها لمنع الذوبان في الأحداث وظاهرها ومع الشخصيات وتقليل المحاكاة الواقعية التي أراد البعد عنها ؛ لكن بقدر أكبر لو توازن لحظي بجاذبية تكمل براعة بنائه لكنها لا تنتقص من هذا الفيلم الغني بالفنية والعمق غزير القراءات متوحش الصدق كالصحراء .





  • 2

   نشر في 30 أبريل 2017  وآخر تعديل بتاريخ 05 ماي 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا