في صغري - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

في صغري

كبرت قبل أواني

  نشر في 06 يونيو 2017  وآخر تعديل بتاريخ 07 يونيو 2017 .

سأبدأ هنا بين هذه السطور, سأحاول و للمرة الأولى مواجهة نفسي والحقيقة ..

كنت أظن دائما بأنني لست ذات أهمية أو قيمة واعتدت على أن أرى نفسي كما يراني الآخرون, اعتدت على الكتمان والخوف وكل شيء سيء.. حتى تلك اللحظة التي أدركت فيها أن أسراري كالسّم ينتشر بداخلي يوم بعد يوم .. شعرت بأنني متعبة جدا من كل تلك الأسرار في قلبي ولم أستطع الاعتراف لنفسي بأنني أمتلك تلك الشجاعة الكافية لعدم الكتمان, لكنني بدأت للتو..كالطفلة التي تتعلم المشي حديثا, كنت قد مررت بالكثير في سن صغير.. لي حكاية مبعثرة وماضي ضبابيّ, كبرت على الكثير من العادات السيئة التي جعلتني اعتاد الألم والتفكير السلبي ..كبرت قبل أواني وتعلّمت الكثير بشكل سريع..كانت الحياة قاسية بالنسبة لي رغم علمي ويقيني التام بأنّه دائما يوجد من هو اسوأ مني حالا.. لكن لكلّ شخص حكايته الخاصّة وتجاربه المؤلمة..

سأقول بأنني كبرت دون أي أهداف وبلا شيء ذو قيمة, منذ صغري وأنا أشعر بأن هنالك شيء كبير ينقصني .. لم يكن باستطاعتي ملاحقة ذلك النقص وتحديده..لكنني شعرت به دوما, الى أن كبرت فأدركت أن تجاربنا هي من تصنعنا وتبني منّا أشخاص لم نتوقعها ..ليس بالضرورة أن نكبر محبّين لأنفسنا ..فنحن لا نشعر بالنقص الا عندما تستيقظ عقولنا وأحيانا يكون هذا أكثر ما يؤلم,وهو أن نرى أنفسنا على حقيقتها بعد مرور وقت طويل على ايماننا بأنفسنا المزيّفة..

الانسان بطبيعته متمرّد ,فيرى كل شيء خارج القانون أجمل.. ثم يبدأ الصراع بداخله بين الجانب السيء منه والجانب الجيد ,ينعصف من هنا الى هناك الى أن يجد نفسه ضمن حلقة مغلقة فارغة و مملة ..فيبدأ بالبحث في خارج نفسه عمّا لا يجده داخل نفسه ..كأن يبدأ بالبحث عن الحب قبل أن يحب نفسه,كأن يبحث عن هويته في شخص آخر تحت مسمّى الحب ,الى أن يخدّره ذلك الشخص تماما,حيث يصبح منفسه الوحيد .. فتصبح مشكلته الأساسية عدم قدرته على التخلص من ادمانه لذلك الشخص, جميعنا مذنبون بشكل ما لكن اكبر ذنب نرتكبه بحق أنفسنا هو أن نعلّق أنفسنا ,سعادتنا ومستقبلنا بشخص واحد فننسى وجودنا في وجود ذلك الشخص , ستكون تلك اللحظة هي الأصعب عند رحيل ذلك الشخص عنّا ..فنجد أنفسنا وحيدة أمام الحقيقة..أمام قيمتنا الحقيقية حين تتجرّد من قيمة ذلك الشخص ..من هنا تبدأ المعركة المؤلمة بداخلنا ,نصحو من غيبوبتنا و نرى كم نحن حقا ضعفاء أمام التغيير للأفضل ,حيث "تبدأ عظمة الانسان متى شرع يرى نفسه كما هي" بيير داكو.

كنت أقول بأنني سأتجاوز كل شيء خاطئ بحياتي بشكل سريع , كنت دائما أقع في نفس تلك الأخطاء و أقسم لنفسي بأنه الخطأ الأخير.. لكنني في كل مرة كنت أثبت لنفسي كم أنا ساذجة,نسيت أنّ "لكل شيء ثمن".. لا يوجد شيء بلا ثمن,حتى تلك الأخطاء التي كنت دائما أظن بأنها صغيرة ..أستيقظ كل صباح على أثر منها ,حينها أدركت أنه لا راحة لي قبل أن أدفع الثمن.. كنت صغيرة جدا على كل تلك الأخطاء و مع ذلك كنت قد ارتكبتها بشكل ملحوظ,بتلك اللامبالاة و ذلك البرود, ولكن يصبح كل شيء كالجليد عندما أتجاهل ذاكرتي وأحاول النسيان والهروب بدلا من المواجهة,هكذا نحن في كثير من الأحيان نعتقد أننا بخير وأن كل شيء على مايرام فنذهب للنوم لنجد أننا لسنا كما اعتقدنا وكم كانت أرواحنا تكذب علينا , ثم نستيقظ في الصباح التالي ونفكر بالتغيير نحو الأفضل,تملؤنا تلك الرغبة بالصمود والوقوف مجددا على أقدامنا ثم لا نجد ذلك الدافع,فنسقط مجددا في تلك الحلقة البائسة,لكننا سندرك يوما ما بأنه لا وجود لنا ولا معنى لوجودنا بمجرد أن قررنا الهروب وعدم المواجهة, ثم نجد أقدامنا تخطو نحو المواجهة بلا استئذان ,وهذا أجمل ما قد يحدث لنا.

عندما نخسر الكثير والكثير أثناء مسيرنا نتمسّك بصعوبة, بالكاد نمسك بآخر الطريق ولكننا بالحقيقة لا نموت,لا ننتهي,ولا نفقد أنفسنا كما نظن, نحن فقط نجف و نميل قليلا ,نحن فقط ننكسر ونصبح كطفل تائه النظرات شارد الذهن لا يشعر بما يدور حوله،نحن فقط نصبح متعبون للغاية,نفقد رغبتنا بالحديث حتى نصل الى ذروة الصمت فنبوح ألما يشبه الخلود, كل هذا يحدث ..ولكنه لا يبقى, بعد القليل من الوقت نشعر بتلك الحاجة لأن نكون أقوياء في أكثر الأوقات صعوبة وأكثر أيامنا ضعفا..سنصبح شفاء لأنفسنا ثم تنبض قلوبنا مجددا,لنشعر وكأننا نولد للتو, نشتم رائحة جديدة كرائحة المولود الجديد ,ثم نغفو كغفوته, نغفو ليلة كالدهر وكأنها كل تلك السنين التي كنا بها مستنزفون ولم نستطع النوم,سنصبح شيء عميق جدا له صدى ..او كمعزوفة لها لحن حاد يسمعها كل من اقترب منا, سيختفي كل ذلك التعب و الوهن, بمجرد أن نشعر بقيمتنا و كم أن كل واحد فينا له تلك الأهمية العظيمة التي لا يشعر بها,سيكون هو ذلك الانتصار الأعظم حين نكون ضد أنفسنا الضعيفة,وحين تستسلم لطموحنا كل تلك الأفكار السلبية عن أنفسنا.


  • 9

   نشر في 06 يونيو 2017  وآخر تعديل بتاريخ 07 يونيو 2017 .

التعليقات

creator writer منذ 6 شهر
ما تتحدثين عنه من مشاعر متقلبه وتخبط بين ما تفعلينه وما تطمحين إليه ،، هو صراع بين النفس البشرية ( الأنا - الأنا العليا ) .

ما كتبتيه يعدّ أكثر من خاطرة عالاقل من وجهة نظري المتواضعة ، أسلوبك رائع ، سلس ،، و صادق ..
موفقة ،، :)
0
Mais
أشكرك جداً على صدقك ، كلامك يعني لي كثيراً و أتمنى لك التوفيق أيضاً❤️
عمرو يسري منذ 6 شهر
خاطرة جميلة .
مشاعر التيه و السقوط و محاولة التماسك و الوقوف مرة أخرى هى مشاعر رغم ما تسببه من ألم الا انها ضروريه لأنها تقوينا و تعرفنا على حقيقة الدنيا بعيدا عن احلام الطفوله و المراهقه .
و اما عن الاحلام فلم أؤمن يوما بأن الاحلام تولد معنا منذ الصغر , بل هي تظهر خلال المراهقه و تنضج في مرحلة الشباب نتيجة التجارب التي يمر بها الانسان .
بداية موفقة .
0
Mais
اشكرك على دعمك و تفكيرك الراقي ،

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا