بيانست (1) - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

بيانست (1)

عندما نقتل البراءة بكل حب

  نشر في 09 يونيو 2019  وآخر تعديل بتاريخ 13 يونيو 2019 .

                                  لكل شئ معجزاته حتي الظلام و الصمت...

                                                         (هيلين كيلر)

                        Everything has its wonders even darkness and Silence... 

                                                        (Helen Keller) 


                                                         -إسمي فرح-

                        ثمانية آلاف و سبعمائة و أربع و سبعون يوما على الأرض ..

1) الطائر ..

رفعت أصابع كفيها أمام وجهها .. قبضتهم و بسطتهم عدة مرات قبل أن تخفض كفيها و تتطلع إلى ما حولها .. كانت تقف أعلى خشبة مسرح ما و إن كانت كلمة (خشبة المسرح) غير دقيقة لأنها كانت تقف على زجاج أو ما بدا لها كالزجاج .. الجماهير الي ملأت جنبات المسرح كانت تجلس و تحيط بها من الإتجاهات الست!! .. أعلاها و أسفلها و الإتجاهات الأربع .. كلهم قد جاء من أجلها .. خصلات شعرها الحريرية المتحدة برباط مطاطي تتدلى خلفها حرة كذيل حصان عربي و تداعب ظهر فستانها المخملي الأسود .. الفستان نفسه إنسدل بنعومة على جسدها حتى قدميها قبل أن يتوارى في إستحياء عن ذراعيها و جيدها كاشفا عن بشرة بلورية بلون الثلج .. ظهر فجأة بجانبها پيانو ضخم يتغير لون سطحه المصقول كل لحظة تارة أسود و تارة أبيض و تارة شفاف كالزجاج .. جلست برشاقة في مواجهته ثم لدقيقة ظلت محدقة في مفاتيح الپيانو قبل أن ترفع يدها اليمنى و تنزلها برشاقة على أحدهم فخرجت من مؤخرة الپيانو نغمة (ري) أخذت تنبض و تتوهج ببريق أحمر .. نظرت إلي الجماهير المحيطة بها و قلبت عينيها في وجوههم و هي تنقر بأصابعها على مفاتيح الپيانو مطلقة سراح المزيد من النغمات المضيئة لحقت بالأولي في أرجاء القاعة .. لم تثر وجوههم فضولها لأكثر من ثانيتين فعادت تنظر إلى مفاتيح الپيانو و هي تعزف عليها ببطء قبل أن تشعر بدافع خفي يحثها أن تنظر إلى الجمهور مرة أخرى فرأته هذه المرة .. كانت تنتظره منذ الأزل .. و تنتظره إلى الأبد .. وجهه الطفولي الحليق و نظارته ذات الإطار الأسود و عينيه العسليتين الضيقتين .. إستمرت في نقر المفاتيح فخرجت آلاف النغمات الحمراء .. طافت و تراقصت حول الجماهير و مع بعضها البعض في أرجاء القاعة قبل أن يزداد وهجها بشدة فغشى ضوء قوي القاعة .. آلمها الضوء فأغمضت عينيها بقوة قبل أن تفتحهما بعسر لتجد أن المسرح و الجماهير قد تلاشوا و هي تقف في وسط طريق مرصوف باللون الأحمر الدموي القاني .. سيارة حمراء اللون تسرع ناحيتها و تغشي عينيها بنبضات من الضوء الساطع .. لم تجد وقتا لتتجنبها أو لتصرخ .. لم تشعر بألم عندما صدمتها .. فقط أحست بجسدها يطير عاليا حتى لامس السحاب قبل أن يتوقف عن الصعود لأعلى .. شهقت بعمق و جسدها يبدأ رحلة السقوط لأسفل ..

                                                                 *********

فتحت (فرح) عينيها مع الشهقة .. قامت معتدلة بجزعها لتجلس على فراشها و هي تلهث لالتقاط أنفاسها التي تركتها مع رحلة الهبوط .. قلبها ينبض بعنف و يرج كامل جسدها اعتراضا على الكابوس الذي صاغه عقلها .. أخذت تعب الهواء داخل رئتيها و تمسح أنهار العرق عن جبينها و وجهها .. الرؤية لا تزال ضبابية .. أخذت تحاول تهدئة أعصابها التي ألهبها الكابوس و هي تنظر ناحية النافذة إلى يسارها .. أشعة الفجر البكر المتسللة من خلف الستار أبعدت على استحياء ظلام حجرة نومها فبالكاد إستطاعت رؤية أرجاء الحجرة و محتواياتها .. تمطت رافعة يديها لأعلى و هي تتثاءب و تنظر إلى الساعة المعلقة على الحائط المقابل إلا أنها أنزلتهما في فزع عندما انتبهت إلى الفتاة التي تقف تحت الساعة المعلقة و تنظر إلى الحائط و تعطيها ظهرها .. كانت تشبه هيئة (رهف) أختها الصغرى من الخلف و إن كان شعر (رهف) أسود فاحم و شعر الفتاة شديد الحمرة .. ميزت لونه بوضوح على الرغم من ضعف الاضاءة .. ردائها الأسود أو ما بدا أسود في الإضاءة الشحيحة كان ينسدل على كامل جسدها حتي الأرض.

- (رهف) ؟؟

نادت (فرح) على الفتاة عليها فلم تجيبها أو تتحرك .. ظلت الفتاة تنظر بإصرار إلى الحائط و تواجهها بظهرها .. ابتلعت (فرح) ريقها و قامت بتردد من على فراشها قبل أن تسير مترنحة نحو الفتاة و هي تردد ندائها بصوت أعلى

- (رهف) ؟؟؟

صنم جاهلي لا جدوى من مناداته أو التضرع إليه .. رغما عنها تسارعت أنفاسها في توتر و هي تزحف بقدميها بحذر نحو الصهباء .. بلغتها فوضعت يدها على كتفها و هي تعيد النداء بصوت أعلى .. إلتفتت إليها الفتاة ببطء فإتسعت عينا (فرح) فزعا حين رأت وجهها في الضوء الخافت .. وجه مصمت صلد بلا أية معالم ماعدا الفم و الشفتان اللتان تحيطان به .. تراجعت (فرح) في رعب و هي تضع راحتي يديها على فمها مانعة صرخة تجاهد للخروج من حنجرتها .. فتحت الصهباء فمها فجأة على أقصاه في صرخة صامتة جعلت الدماء تهرب من أطراف (فرح) و يختل توازنها .. وقعت على ظهرها و هي تشهق بعمق ..

                                                            *********

فتحت (فرح) عينيها مرة أخرى مع الشهقة و هي تتنفس بعسر و عرق بارد محتشد في مظاهرة صامتة على جبينها .. نائمة على نصفها الأيسر ساحقة تحت ثقل جسدها رئتها و ذراعها الأيسر .. الفراش يهتز و الحجرة تلمع بومضات حمراء .. رفعت رأسها بفزع عن الوسادة ناظرة إلى الحائط المقابل للفراش فلم تجد سوى الساعة المعلقة التي عانقت عقاربها رقمي 7 و 12 .. أدارت رأسها سريعا في أرجاء الغرفة باحثة عن الصهباء فلم تجدها .. أغمضت عينيها في خلاص تركت رأسها يسقط على الوسادة مرة أخرى و هي تلهث من مطاردة الكابوس .. قلبها كان ينبض في جنون محاولا إزاحتها من فوقه .. فتحت و أغلقت عينيها عدة مرات حتى تيقنت أنها متيقظة هذه المرة حقا .. إستدعت ريقا من جوفها اليابس بللت به شفتيها و هي تتقلب و تعطي الفراش ظهرها .. ثواني و بدأ قلبها يستعيد دقاته و يهدأ و أفواج النمل تنسحب تدريجيا من ذراعها اليسري .. مدت يدها دون أن تنظر إلى المنضدة المجاورة للفراش لتوقف إزعاج (المنبه) بضغطة علي أعلاه فاستعاد الفراش ثباته و توقفت الوميضات .. تركت كف يدها علي المنضدة يستشعر ملمس سطحها الرخامي البارد و هي تتثائب و تشاهد الحجرة و حدودها علي ضوء النهار الوليد.

لعشرة دقائق سجلها العقرب الكبير للساعة ظلت محدقة إلى سقف الحجرة تسترجع تفاصيل حلمها الغريب و تحاول استرجاع ملامح زائر حلمها الغريب بلا جدوى .. كان وجه الغريب كالسراب كلما تذكرت منه تفصيلة تلاشت تفصيلة أخرى في مخيلتها .. قشعريرة قطعت رحلة ذهاب و عودة من أعلى عمودها الفقري لأسفله عندما تذكرت الصهباء .. لم تكن المرة الأولى التي تحلم بها .. و لم تكن المرة الأولى التي تراها .. بل إنها رأتها و هي مستيقظة!! .. أول مرة رأتها كانت في صالة منزلهم واقفة بجوار باب غرفة (رهف) و تعطي الصالة ظهرها .. سألت أمها و أختها عنها متعجبة وجودها المريب إلا أنهما زادا دهشتها بنكرانهما لرؤيتها و هما يتطلعان إليها فزعا و قلقا .. ما آثار رعبها و جزعها هي نفسها .. أن الصهباء إختفت في اللحظة التي أدارت فيها وجهها عنها!! .. أرجعت الأمر في حينه لخداع بصري .. لإرهاقها .. إلا أنها رأتها بعد ذلك أكثر من مرة في عدة مواضع في المنزل و خارج المنزل و دائما الصهباء تواجهها بظهرها .. تسائلت عنها بضع مرات من معها أو حولها إلا أنها لم تتلقى سوى نظرات قلقة متشككة في قواها العقلية .. حاولت إيجاد تفسيرا لما تراه إلا أن الإجابات التي وجدتها نتيجة بحثها المنفرد كانت تتحدث عن العوالم الأخرى و الجن و الإستحواذ .. حاولت (رهف) دفعها لرؤية أطباء نفسيين و أخذت أمها ترقيها يوميا أو تحثها على زيارة بعض المتبحرين في أمور السحر و الشعوذة .. هي الوحيدة التي تعرف بأنها بكامل قواها العقلية على الرغم من عدم قدرتها على تفسير رؤية تلك الصهباء .. آثرت التزام الصمت بعد ذلك حتى تتخلص من الحاح (رهف) و مطاردة أمها لها .. أصبحت تكتفي باغلاق عينيها و فتحهما و كان ذلك كفيلا بجعل الفتاة تختفي من أمامها .. إلا أنها للمرة الأولى ترى وجهها المصمت المخيف .. و الأكثر إفزاعا كان صرختها الصامتة .. نفضت الكابوس عن رأسها و دفعت بيديها نصفها العلوي لأعلى لتجلس على الفراش .. رفعت الغطاء عن ساقين نحيلتين انحصر رداء نومها عنهما حتى منتصف الفخذين و تمطت رافعة ذراعها لأعلى قبل أن تدفع قدميها للنزول من علي الفراش و تدسهم فى خفها البلاستيكي .. أغمضت عينيها و جلست على طرف الفراش للحظات تستجمع قواها و أنفاسها قبل أن تدفع الفراش لأسفل بكفيها و تنهض ثم تتجه مترنحة متثاقلة نحو الحمام الملحق بغرفتها .. إتجهت نحو الحوض و إستندت عليه بكفيها قبل أن ترفع وجهها نحو مرآة الحمام لتواجه إنعكاسها في المرآة الذي أخذ يبادلها النظرات بعينين لم يعتادا الضوء بعد .. أخذت نفسا و هي تزيح خصلة منسدلة من شعرها البندقي المبعثر عن عينها و تودعه خلف أذنها اليمني ثم لا شعوريا إقتربت بوجهها من المرآة أكثر لتتأمل تفاصيل وجهها المرهق .. شعيرات حمراء دقيقة مدت شباكها في بياض العينين حول الحدقتين العسليتين اللتين بدتا ذهبيتين مع ضوء الصباح .. مسحة سوداء تحت العينين -بدت شاذة في بشرتها البلورية الشاحبة- أحاطتا بأنف دقيق أقنى (Turned-Up Nose) -ميراثها من جدتها- .. جبهة عريضة و شفتان مرسومتان بدقة فاتنة .. عظمتي الوجنتان بارزتان قليلا و غمازاتان تظهران حين تبتسم -ميراثها الوحيد من أبيها- .. يدان رقيقتان نحيلتان ذات أنامل دقيقة .. رقبة عالية إستقرت على عظمتي ترقوة بارزتين توجتا جسدا نحيلا كأجسام العارضات .. لم تكن تمتلك في جسدها النحيل الأنوثة المتفجرة التي تثير خيالات الرجال و لكن جمالها كان خلابا بحق يدير الرؤوس و يحبس الأنفاس .. جمال لا يمكن أن يمر أمام عيني أي رجل مرور الكرام .. جمال كانت تراه في عيون من قابلتهم و رأتهم و عرفتهم .. الشخص الوحيد الذي لم ينبهر به يوما أو يشعر بروعته كان (فرح) نفسها -دون تعمد منها- .. بطبيعتها .. لم تشعر يوما بالأنجذاب الجسدي و الشكلي لأحد مثلما كانت تنجذب لمن حولها روحانيا و عاطفيا .. و حقيقة .. لم تجذبها طوال سنوات عمرها الأربعة و العشرين الأشياء المادية سواء أموال أو وجوه أو أجساد .. و لم تجذبها الأشياء غير المادية كالنجاح و الشهرة.

تثاءبت و ابتعدت بوجهها عن المرآة و مدت يدها نحو الصنبور عندما شعرت بحركة عند النافذة فأدارت رأسها نحو النافذة نصف المفتوحة لتشاهد طائر صغير ذو لون بني و قناع أصفر .. أخذت تتأمله و على وجهها إبتسامة باهتة و هو يتأملها بلا اهتمام محركا منقاره قبل أن يعطيها مؤخرته و ينظر إلى الخارج .. اتسعت ابتسامتها قبل أن تشرد حين قفزت إلى عقلها ذكرى من طفولتها .. ذكرى أججتها رؤية الطائر بني اللون .. ذكرى لم تنساها يوما و ما زالت تذكر تفاصيلها كأنها حدثت بالأمس على الرغم من أنها كانت في الثالثة من عمرها.

ذلك اليوم .. تذكر أنها كانت في حجرتها جالسة بهدوء –كعادتها- تتأمل شيطانة صغيرة كثيرة الحركة منذ أن تعلمت الحبو .. خفيفة الظل تثير الضحك بحركاتها .. أختها الصغرى و الوحيدة .. (رهف) .. متربعة على الأرض و منهمكة بجذب و كسر لعبة ما .. فجأة سمعتا معا الصوت عند نافذة الحجرة المفتوحة .. إلتفتتا لتجدا ذلك الطائر الصغير يغرد بصوت بدا مغريا في أذنها و ضحكت لأجله (رهف) في غنج قبل أن تلتفت مرة أخرى إلى اللعبة .. أما هي فقفزت من جلستها ضاحكة و صفقت بيديها فرحا .. جرت نحو أمها لتخبرها ضاحكة عن الطائر

- ماما .. ماما العصفور ..

أبطئت خطواتها قبل أن تقف تماما حين وجدت أمها بجوار الهاتف و سماعته ملتصقة بأذنها و عينيها متسعة في فزع و تترقرق بدموع حبيسة .. تغمغم بكلمات خنقتها الدموع لم تستوعب معناها .. وقفت (فرح) في حذّر تشاهد و السد اللامع في عيني أمها يتحطم و تفيض السيول من أعينها قبل أن تجرف الدموع جسد أمها و ينهار إلى الأرض أمام ناظريها .. سماعة الهاتف تفلت من أيدي أمها و تسبح في الهواء سباحة حرة قبل أن ترتطم بالأرض و تطرق سطحه بعدة طرقات متتالية .. شهقت (فرح) فزعة و جرت عائدة إلى حجرتها و قلبها ينبض بعنف .. اختبأت تحت فراشها و هي تراقب باب الحجرة في فزع و تتنهنه ببكاء خفيف أمام عيني (رهف) التي وجلت و نظرت إليها .. أخذت تراقب الباب لبرهة و هي تسمع بكاء و تأوهات أمها قبل أن يخترق سمعها صوت الطائر مرة أخرى فالتفتت إليه لتجده مازال واقفا مكانه يتأمل الحجرة بلا إهتمام محركا منقاره بنغمات شجية .. صوت النشيج و التأوهات المتعالي من خارج الحجرة جعل (رهف) تلتفت إليه و تعتدل على أربع و تحبو إلى خارج الحجرة نحو أمها .. أما (فرح) فغاص عقلها في مراقبة منقار الطائر المتحرك و الإنصات لصوته قبل أن تضحك للطائر و يخف صوت نواح أمها في أذنيها رويدا رويدا .. أخذت تحرك فمها لتقلد صوته ..

- لا لالا لااااا لالا لااااا لاللللل االالالالاالااا.

ذلك اليوم .. انتظرت أباها لتريه كيف تقلد الطائر .. إنتظرت طويلا لكنه لم يأت .. لم تفهم وقتها لماذا امتلئ المنزل بنساء يرتدين السواد و يبكين .. لماذا أخذ صوت القرآن يعلو في البيت صادراً من (جهاز الكاسيت) .. لم تفهم لماذا كانت أمها تنوح و تبكي و تحتضن (رهف) .. إنتظرت أباها وهي تراقب جموع السواد المتزايد من بعيد .. تركتهم و جلست منتظرة إياه في حجرتها و هي تتدرب على الصوت الذي قلدته.

ذلك اليوم .. جاء المساء و هي مازالت تنتظر في حجرتها و لم يأتي أباها بعد .. الجوع يمزق أحشائها لكن الوصول إلى أمها يحتاج عبور بحر الظلمات بالخارج .. المزيد من متشحي السواد يتوافدون حتى إزدحمت الشقة بهم .. هربت من قرصات الجوع بترديد الدندنة .. صديقة لأمها تعرفها جيدا دخلت الحجرة عليها فرأتها .. إحتضنتها و بكت .. حاولت (فرح) أن تريها تقليدها لصوت الطائر إلا أنها لم تهتم و تركتها و ذهبت بعيداً ..

- بابا فين ؟؟

لم يجبها أحد .. أخذت نفسا عميقا قبل أن تلقي بنفسها بين أمواج السواد المتلاحقة محاولة الوصول لأمها .. نجحت في الوصول فتعلقت بكفها الصغير برداء أمها و جذبته.

- بابا فين ؟ .. عاوزة أوريه العصفور

لم تجيب أمها .. إنهارت و بكت و احتضنتها .. صديقة أمها جذبتها من حضن أمها المنهارة و (فرح) ذاهلة لا تعرف ماذا يجري حولها.

- أنا جعانة ..

إبتلعت أصوات النواح و القرآن كلمات (فرح) الخافتة .. صديقة أمها وضعتها في فراشها و قبلت رأسها قبل أن تخرج و تتركها وحيدة .. جلست على فراشها تستشعر وحدة و جوع و لكنها لم تبكي .. فقط أنصتت للأصوات حولها .. بكاء .. قرآن .. أصوات نساء .. صوت دقات الساعة.

ذلك اليوم .. في ظلمة حجرتها بدأت الأصوات المتداخلة تثير فزعها و لكن عقلها الصغير بدأ يستبعد بعضها و يتمسك ببعضها حتى لم يبقى سوى صوت دقات الساعة .. تك تك تك تك .. صوت الساعة يتناغم كتغريد العصفور ذلك الصباح .. أخذت تحاول ترديد النغمة بفمها حتى غلبها النوم و نامت.

مرت الأيام و و قل قدوم متشحي السواد و عادت الشقة إلى سابق سكونها و هدوءها و إن لم تفهم وقتها متى سيعود أباها ؟؟ إنتظرت كل تلك الأيام لتريه تقليد الطائر أو الساعة و لكنه لم يأتي بعد .. طوال تلك الأيام لم تتوقف أمها عن ممارسة نوبات البكاء و النشيج و التأوه .. مرت بعد ذلك أشهر ثقيلة باردة أُغلِقَّت فيها النوافذ و أخذت الأمطار تطرق عليهم محاولة الدخول و تجولت الرياح في الخارج تعوي على أب لم يعود!! .. طوال تلك الأشهر و الأيام بدأت (فرح) تخلق بعقلها حديقتها السرية الخاصة .. حديقة أشجارها كل الأصوات حولها .. و ثمارها إيقاعات شهية و نغمات عذبة أخذت تتذوقها بدندنة كل نغمة ناضجة منهم بشفتيها .. أصوات السيارات في الشارع .. قرقرة أختها الصغيرة .. إيقاع خطوات خُف أمها البلاستيكي عندما تتحرك في أرجاء المنزل .. هدير ماكينة الخياطة التي أُضِيفَت إلى ركن من أركان المنزل و أخذت أمها تجلس عليها بالساعات .. أدمنت ثمار تلك الحديقة فأصبحت تختلي بنفسها تتجول بين أشجارها أو تضيف إليها أشجارا أخرى تزهر لها ثمارا جديدة .. إزدادت تدريجيا ساعات مكوثها داخل حديقتها السرية .. ساعد على ذلك إزدحام البيت الصغير بوحوش مفترسة خلقتهم أمها بصياحها و صراخها عليها و على أختها .. و بصفتها الكبرى كان لها النصيب الأكبر من مطاردة تلك الوحوش .. أصبحت مع الوقت تميل للجلوس بعيدا عن مركز التجمعات لتراقب الأصوات و تجمع بذور جديدة لحديقتها .. أدمنت الجلوس أمام التلفاز الذي فتح بعد أشهر تتابع ما يعرضه بعينين لا تريان ما يعرضه و بعقل يعمل كماكينة خياطة أمها بلا توقف يحيك إيقاع أصواته و يغزل دندنات و نغمات .. عزفت عن ألعابها القليلة و أصبحوا ميراثا ل(رهف) تنكل بهم كيف تشاء .. أصبحت تسمع أكثر مما تتكلم خلافا عن الأطفال فى عمرها .. أصبحت هادئة قليلة الحركة أكثر مما كانت .. ردود أفعالها أصبحت شبه منعدمة و استجابتها أضحت أبطأ .. انطوت تدريجيا في أعماق عالمها الذي صنعته داخل عقلها.

لم تدرك أمها تغيرها في البداية .. فقط لاحظت ميل (فرح) للابتعاد عنها و عن أختها و جلوسها بالساعات في غرفتها محدقة في اللاشئ محركة شفتيها بتمتمات غير مسموعة لها .. لم تعد (فرح) تنتبه لكلامها معها .. أصبحت شاردة معظم الوقت و للأسف لم تفكر في أسباب شرود (فرح) بشكل منطقي فقط إزدادت عصبية فوق عصبية و صياحا فوق صياح و صراخا يحطم أعصابها و أعصاب طفلتيها .. و أحياناً تصاحب الصراخ و الصياح بعصر أذني (فرح) فى غل و هي تضغط على أسنانها لتنزعها من أراضيها المقدسة و تعيدها إلى عالم الواقع و الصراخ و ماكينات الخياطة .. نجح هذا لفترة استمرت أسابيع في جعل (فرح) تعود الي عالم لا تشعر معه بالألفة و الراحة و تشعر فيه بالخوف من وحوش أمها المفترسة فتعود بعد دقائق بأذنين صبغتا باللون الأحمر إلى مخبئها في حديقتها السرية تحمل معها ثمرة لها أيقاع كلمة (يا زفتة) و بذرة لها نغمة كلمة (يا حيوانة).

ذلك اليوم .. كانت أمها تصيح و تصرخ و برزت العروق متسلقة رقبتها و صدغها كأفرع اللبلاب و همت بإطلاق مدافعها و ترسانتها البحرية و الجوية على (فرح) التي غطت أذنيها بكفيها الصغيرين لتصمهما عن دوي مدافع أمها الموجهة نحوها .. بدأت تسرع الخطى داخل عقلها باحثة عن مخبأها الأمن في الأعماق هاربة من هجمات أمها المتكررة كالأعصار مؤخرا و أخذت تؤرجح جسدها أماما و خلفا متحاشية قذائفها الموجهة .. ثم أخذت تردد نغمات بشفتيها لأول مرة بصوت عال حاولت أن تغطي به عَلى صوت الحرب الدائرة خارج حدود أرضها .. أصابت أمها صاعقة جعلت عينيها تتسعان لأقصاهما قبل أن تعود للصراخ على (فرح) في غل –لم تدري أمها نفسها سببا له- ثم انهالت على (فرح) ضربا بكفي يديها المفتوحتين و هي تصرخ عليها أن تصمت .. لم يؤثر ذلك على (فرح) و لم يخرجها خارج حديقتها .. فقط تكورت على نفسها على الأرض و مالت على جانبها الأيمن و تصلب جسدها وهي مازالت تصم أذنيها و تصرخ بنغمات شاذة

- لا لا لا لللللا لالاااااا.

تراجعت أمها مصدومة غير مصدقة ما تراه .. الضغط الجوي في الشقة نافس قمة (أفرست) في الانخفاض و الهواء أصبح ثقيلا لزجا له وزن داخل صدرها و خارجه .. تلهث و الرؤية تبهت بغلالة من دموع لم تنفجر بعد و هي تنادي على (فرح) مرة أخرى في صوت خرج منها ضعيفا هذه المرة لم يتعدى سلاسل حديدية ثقيلة في حنجرتها .. عينيها تنحتان بحماس مشهد (فرح) على كل ثنية من ثنايا عقلها و هي متكورة على نفسها وتصرخ بأصوات شاذة .. إنتفضت فزعة و تراجعت خطوة إلى الوراء في رعب لتدخل (رهف) الواقفة على باب حجرتها في مجال رؤيتها و هي تنظر إليهم في هلع و بكاء و صراخ .. فيلم أرض الجنون عرض أول حصري بجودة (UHD)... بكاء .. صراخ .. هستيريا .. و طفلة صغيرة متكورة على نفسها تصرخ بشذوذ!! .. شعرت بان أطنانا أضيفوا إلى كيلوجرامات جسدها النحيل فلم تتحمله ساقاها فوقعت على ركبتيها .. لم تنطق بكلمة .. فقط أخذت تشاهد في فزع (فرح) و (رهف) و الصراخ و البكاء يصم أذنيها.. دفنت وجهها فى كفيها حين لم تتحمل مشاهدة الفيلم أكثر من ذلك و لم تشعر و هي تفقد القدرة على التحكم في غددها الدمعية .. أفران عشرة مصانع حديد صبت الحديد المنصهر في وسط قلبها لترفع حرارته إلى درجة ما قبل السكتة القلبية .. تمتمت بصوت منخفض كأنها تحدث نفسها و حرارة قلبها تلهب الكلمات في فمها:

- كفاية كفاية كفاية ..

سرعان ما أحرقتها حرارته و لهيبه فصرخت قائلة:

- كفااااية كفااااية كفاااية أنا تعبت .. أنا تعبت يا رب يا رااااب تعبت.

جلست في هذا الوضع لوهلة ينسكب منها الدموع و العرق و المخاط .. قطعت باكية الكيلومترات الفاصلة بينها و بين (فرح) زحفا على الأرض حتي بلغتها .. ضمت جسدها الصغير إلي صدرها .. ذلك الرأس الذي خرج من رحمها من قبل .. بعسر إحتوت تصلب جسد (فرح) قبل أن تميل و تقبل رأسها الصغير و تهمس في أذنيها بنبرة باكية

- بس يا حبيبتي .. بس يا (فرح) .. أنا أسفة حقك عليا .. أنا أسفة..

لحقتهم (رهف) باكية فضمتها أمها مع أختها داخل حضنها تقبلهما و تغسل بدموعها رأسيهما .. عادا الجسدان اللذان خرجا من رحمها إلى حضنها .. بدأ صرخات (فرح) تخفت رويدا و تصلب جسدها يتراخى تدريجيا .. أمهما تبكي في صمت و تحضنهما .. نغمات (فرح) توقفت عن الخروج من أحبالها الصوتية و إن ظلت تحرك شفتاها .. (رهف) توقفت عن البكاء ، دفنت رأسها في حضن أمها دفناً .. سكنت (فرح) في حضن أمها و عينيها شاردة و عقلها يعمل بتركيز محاولا إيجاد الإيقاع و النغمات فى بكاء أمها و أختها.

                                                              *********

شعرت فجأة (فرح) بمن ينتشلها من أعماق ذكراها و يعيدها إلى موقعها أمام الحوض .. وجلت عندما أحست بيد أحدهم علي كتفها الأيمن فالتفتت و قد توقف تنفسها فزعا لتجد (رهف) تنظر لها مبتسمة و تقول فى سخرية:

- ايييييه .. بتبحلقي فى العصفور ده كدة ليه ؟؟.. انتي جعانة و لا ايه ؟؟ الحاجات دي مش للأكل ده مسلوع و لا حتى يكفي قط واكل سد الحنك

أطلقت (فرح) نفسا توارى خوفا في رئتها و وضعت راحة يدها على قلبها تهدئ روعه بعد أن تسارعت نبضاته من الفزع قبل أن تنظر إلى (رهف) باسمة و تقول:

- مش هتبطلي حركاتك البايخة دي .. خضتيني بجد علي فكرة .. وقعت قلبي يا شيخة

- خضيت مين .. قاعدة بتتفرجي علي بتاع شبه الغراب و تقوليلي خضيتك .. ده لولا انك اختي كنت افتكرتك من الساحرات بتوع الافلام الاجنبية و عليكي جوست و البتاع ده جاي يطلعه ..

ضحكت فرح بشدة هذه المرة قبل أن ترد:

- جوست فى عينك .. و بعدين ماتقوليش عليه بتاع ده عليه صوت يجنن ..

سكتت فجأة و وجمت بعد جملتها الأخيرة .. أدركت (رهف) ما يدور بخلدها فسارعت مغيرة مجري الحديث:

- سيبك من الكلام الفاضي ده .. أنا هموت من الجوع و أمك حالفة ما تأكلني غير لما حضرتك تشرفي .. فيالا و الا أقسم بالله هانزل الشارع أخطف حد من عيال البواب الهندي اللي تحت ده و أفطر عليه .. عنده واد مفعوص مربرب كدة و لا الخرفان الاسترالي

ضحكت فرح رغما عنها و هي تقول:

- ميت مرة قلتلك بطلي لماضة .. بعدين ايه الفجعنة دي .. أموت و اعرف ماما سميتك (رهف) علي أي أساس !

- و اهو عشان اسمي رهف لازم أموت من الجوع يعني ؟؟

إبتسمت (فرح) رغما عنها من رد أختها .. (رهف) .. الغزال الحر الرشيق .. خفيفة الظل سريعة البديهة .. غزال ذراته تحمل مرحا و دفئا و حبا أحاط بها و بأمهما لسنين .. غزال له عينان واسعتان مرحتان و شعر أسود فاحم متموج و شفتان ممتلئتان منفرجتين و طابع الحسن في الذقن .. غزال تجسد في صورة جسد أقل طولا منها ذو قوام عضلي رياضي لكن جذاب و ظاهر الأنوثة .. (رهف) التي ساندتها العامين الماضيين بمرحها و حماستها الدائمة .. الأشخاص الذين جعلت لهم (فرح) متسعا في قلبها لا يتعدى عددهم أصابع اليد الواحدة .. و (رهف) نصيبها من قلبها أكثر إتساعا من الكون ذاته ..

- انتي مالك بصالي كدة ليه .. أنا بهزر على فكرة .. أنا هستناكي و ممكن أموت من الجوع عادي يعني .. ماتقلبهاش جد كدة

قالتها (رهف) و قد تقاطعت ذراعيها أمام صدرها في تعبير خوف هزلي .. ضحكت (فرح) و دفعتها فى مرح و لين الي خارج الحمام و هي تقول

- خلاص خلاص روحي و انا خمس دقايق و هاحصلك

تركتها (رهف) و خرجت من الحجرة فأغلقت (فرح) باب حمامها و عادت تراقب الطائر الصادح بالغناء كانت عينيها مثبتتين علي منقاره و هو ينفتح و ينغلق مع تغريده .. تنهدت ثم بدأت روتين صباحها اليومي.


                      ثمانية آلاف و سبعمائة و أربع و سبعون يوما على الأرض ..

2) ذلك اليوم ..

جلست (سهام) على كرسيها المعتاد على مائدة الطعام تتأمل في إبتسامة خفيفة صورة تجمعها بإبنتيها (فرح) و (رهف) .. هي في منتصف الصورة تحاول الإبتسام في وقار و رزانة تناسبا مع عمرها الذي تعدى الخامسة و الأربعين .. لكنها -رغما عنها- لم تستطيع منع ضحكة إلتقطتها الصورة تسببت فيها (رهف) بكلماتها و حركاتها المرحة .. و (رهف) نفسها تقف على يسارها متعلقة بذراعيها و تضحك في (مرح) .. (فرح) تقف على يمينها .. ذراعيها متدليتان بجانبها و تضحك في إعتدال و خجل على حركات أختها .. الصورة ينقصها -كالمعتاد- (حسين) زوجها و والد الفتاتان .. التاريخ على الصورة يشير لثلاث سنوات مضت .. منذ ثلاث سنوات!! .. ترددت في عقلها فكرة مرور الزمن سريعا عليها و على من حولها و هي تشاهد الدخان المتصاعد من طبق الفول في شرود .. لم تكن يوما من المثقفين أو المتبحرين في القراءة و لكن الحياة التي خاضتها تكفلت بتعليمها الكثير .. و في النهاية حصلت على شهادة إجتيازها مدرسة الحياة في صورة علامات و خطوط و تجاعيد على وجهها حُفِرَت على وجهها و جبينها .. لكنها للحق .. حصلت على مكافأة العبور في صورة فتاتان أكتفت بهما عن العالم بأجمعه .. أخرجها من شرودها جلوس (رهف) بجوارها و تمد يديها إلي الخبز و الطعام فلطمت بكفها ظهر يديها برفق و علي تقول:

- صحيتي أختك ؟؟

- -ناظرة إلى أمها بغضب مصطنع قبل أن تمد يدها مرة أخرى- كانت صاحية و في الحمام ..

- -لطمة أخرى على ظهر يد (رهف)- قلتيلها إن الفطار جاهز

- جرى إيه يا حاجة .. تفتكرك دي حاجة ممكن أنساها .. أنا كان ممكن أقولها الفطار جاهز بعدين أبقى أصحيها أصلا ..

- بطلي لماضة –قالتها مبتسمة-

- هو انتي و بنتك ماسكينلي الموضوع ده علطول ليه اليومين دول ؟؟ خلاص عايشين مع حيوان السلمندر في البيت

- -ضاحكة- يا بت بطلي .. انتي ما بتبطليش هزار ؟؟

- ما أنا لو ماهزرتش يا أماما هتقعدوا تكلموا الحيطان انتي و بنتك .. إلا بالحق -قربت مقعدها من أمها و مالت عليها- يا ريت تاخذي بالك من (فرح) و تبقي تشقري عليها كل شوية .. شكلها بقت بتسرح لما بتبقى لوحدها ؟؟

- بتسرح إزاي ؟؟

- -هزت كتفيها- مش عارفة .. لاقيتها واقفة سرحانة و باصة على عصفور شكله غريب و لا مركزة في حاجة تانية .. إتخضت لما حطيت إيدي على كتفها

إرتجفت أمها شاعرة بالبرد يزحف على فقرات عنقها و يجمد لسانها و شفتيها .. برد القلق و الخوف مما خشت حدوثه .. الكابوس الذي أرق مضجعها و نومها مؤخرا يبدو أنه يتحقق .. بالذات و أن ذكرى ذلك اليوم مازالت منقوشة على جدران قلبها و ثنايا عقلها .. ذلك اليوم ..

                                                            *********

ذلك اليوم .. عندما هدأ بكاءها إلا من بعض الشهقات التي لم تتوقف على أن تهاجمها من حين لأخر .. ما زالا إبنتيها فى حضنها و إن كانت (رهف) قد نامت .. عرفت ذلك من سكون جسدها الصغير و صوت تنفسها العالي .. ظلت (فرح) علي نفس الحال لكنها مازالت مستيقظة .. ما حدث نُقش بين ثنايا عقلها كلوحات الفراعنة الجدارية لا تزيله عوامل التعرية .. المزية الوحيدة لما حدث أنها لأول مرة تفكر فيما تفعله منذ أن فقدت زوجها .. يوم رحيله كان نفس اليوم الذي دفنت فيه نفسها و عقلها و قلبها معه في نفس القبر و تركت جسدا بلا روح يسير على سطح الأرض .. عزلت نفسها بقسوة لم تتعمدها عن بناتها لتنغمس في رثاء و نعي نفسها و شبابها .. جعلت (فرح) تعاني ذنب انتهاء شحن بطارية جسدها و استمعت فقط لأزيز إنذار إنتهاء الشحن و صمَّت أذنيها عن صوت بناتها و طلباتهن .. لهيب حاجة قلبها و جسدها أحرق أعصابها تاركاً أثار السخام الأسود تحت عينيها من سهر و قلق و بكاء و خوف .. لم تنجح المهدئات و المنومات في إحتواء إنهيارها و الحريق المتزايد .. حتى خرج عن السيطرة و رفع درجة حرارة البيت بأكمله ... قبل أن يذيب عقل (فرح)!! .. الخاطرة الأخيرة جعلها تضم (فرح) إلى صدرها أكثر .. سوف تجن بالتأكيد إن مَس (فرح) مكروه هي المتسببة به!!

دون قصد منها .. حررت عقلها من خواطرها السوداء و بدأت تنقب في ذكرياتها الماضية حتي جمعت كومة منها بدأت تقلبهم أمام عينيها .. ألبومات مختلفة حملت مشاهد من طفولتها و مراهقتها و شبابها و زواجها .. إنتقت واحد منهم أزالت و نفضت عنه التراب و أخذت بلهفة تتفقد محتوياته .. الألبوم كان يحمل ذكرى مميزة جعل شفتيها رغما عنها تنفرجان في بسمة خفيفة .. ولادة (فرح) .. يوم و ذكرى لا يمكن أن تمحى من عقلها .. الألبوم يحتوي عدة مشاهد .. المشهد الأول و هي فى المنزل مع والديها في مصر و زوجها فى عمله في المدرسة .. المشهد الثاني عندما أحست بطفلتها تعلن أنها لم تعد تستطيع صبرا علي البقاء بداخلها .. والديها يتصلوا بالأب فى عمله و يحملاها إلى المستشفى .. المشهد الثالث ولادة الطفلة .. ولادتها لم تكن عذابا أسطوريا كما تصورت من قبل .. حتى أنها لا تتذكره .. تتذكر فقط أن كل الألآم و التأوهات و الدموع إختفت عندما حملتها بين يديها .. كانت أجمل شئ رأته في حياتها .. رأسها الصغير كان يحمل رائحة تشبه الليمون المعطر بالياسمين -أو هكذا صور لها عقلها- .. بكت و هي تحملها عندما إنتشرت مشاعر الحب ناحية هذا الكائن الصغير و سيطرت على قلبها .. حبها لم يولد لحظة ولادتها .. بل كان يسكن في أعماق قلبها منذ قديم الأزل .. منذ خَلْق الشمس و القمر .. المشهد الرابع كان عندما دخل عليهم زوجها يطير فرحا يحتضنها و يقبل رأسها و يديها .. ساراً بشوشاً كعادته يطير فرحا بأبنتهما الأولى و يحمل خبراً أخر سعيداً لم يستطع معه صبراً -كإبنته الوليدة- حتى يبلغها إياه .. مال على أذنها و أمسك يديها بحنان و همس إليه بخبره السعيد .. سينطلقان معا حاملين ابنتهما البكر إلى عمله الجديد في إحدى الدول العربية .. إلى حيث –كما اعتقدا- رغد العيش و السعة .. إبتسما معا و طبع على رأسها قبلة دافئة حانية تكاد تستشعر دفئها إلى الآن .. قبلة جعلت المشهد نفسه يتوهج في عقلها .. قاطعهم أباها و هو يتنحنح و يسألهما عن إسم الطفلة فنظر إليها زوجها الحبيب مستأذناً أن يجيب فهزت رأسها له موافقة

- (فرح) .. وش الفرح .. إيه رأيكم ؟؟

أدارت الإسم في رأسها ثم إبتسمت و هزت رأسها موافقة .. (فرح) .. المشاهد التالية تحمل لقطات كثيرة ل(فرح) .. لم تكن (فرح) من يومها صاخبة أو كثيرة البكاء .. هادئة كورقة شجر في يوم بلا ريح .. جميلة للغاية .. هي نفسها لم تدرك أن هذا الجمال المبهر قد خرج من رحمها هي .. و أنه لها إلى الأبد .. جميلة لدرجة أنها كانت تقرأ المعوذتين كعادة ثابتة عندما تخرج ب(فرح) أو يراها أحد أو يلاعبها أحد أو يذكر إسمها أحد .. عامان عاشتهما مع أحب مخلوقين إلى قلبها في تلك البلد العربي .. عامان أسقتهم فيهما الحياة كأساً من خمر السعادة تشاطرته مع زوجها حبيبها و حبيبتها الكبرى .. حبيبتها الكبرى التي ترقد الآن بين يديها متكورة على نفسها!!.

شعرت بقبضة تضغط قلبها حين عادت إلى واقعها لتجد (فرح) شاردة بنظرها .. يديها مضمومتين إلى صدرها .. رأس (فرح) الصغير يتوسد إحدى ساقيها و (رهف) تتخذ ساقها الأخرى فراشا تغط عليه بهدوء .. أخذت تمرر يديها بين خصلات شعر (فرح) برقة .. رقة لم تعطها لها أو لأختها منذ أشهر .. أغمضت عينيها و قد بدأت تستشعر بمذاق السعادة يجري بداخلها و تلين له بسماتها و يفجر في قلبها ينابيع من الحب و الحنان .. كانت لتلك المشاهد تأثير أقوى من أدوية الإكتئاب .. لأشهر تركت الأحزان تزرع في قلبها بذور التعاسة قبل أن تحصد أشواكا إخترقت كل ذرة دماء تجري في عروقها و قطعت أحشائها و تركتها جثة بلا روح تنزف بلا توقف مشاعر الحب و الحنان .. قربة يتسرب الماء من ثقب في قعرها أسرع مما يدخل فيها فنضب مخزونها من السعادة دون أن تشعر هي بذلك .. و لم لا ينضب و قد رحل عنها كل من كانت تتزود منه الحب و الحنان .. كانت طفلة الحياة المدللة التي تأخذ الحب و الحنان ممن حولها و لم تنتبه عندما جاءها الدور لتكون مصدراً لبناتها .. دون أن تدري لعبت دورها في لعبة تبادل المقاعد المستمرة منذ خلق الله أدم و حواء .. بدأتها منذ كانت طفلة تنهل السعادة من غيرها في جشع دون أن تمنح مقابلاً عادلاً .. غافلة لعبت دورها مثل غيرها شاعرة بالأمان لوجود مقعدها خلف مقاعد الكثيرين قبل أن تفاجأ أن المقاعد الأمامية تفرغ من جالسيها واحدا تلو الأخر و أنها أصبحت فجأة في الطليعة و عليها أن تعطي الآن دون إنتظار المقابل .. جزعت و حاولت العودة بمقعدها إلى الوراء لكن لم يقبل أحدا أن يكون في المقدمة محلها .. و الحياة بقسوة لا تعطي هذا الترف لقاطنيها .. كانا والديها أول المغادرين .. رحلا فجأة بلا وداع أو كلمات تشجعها أو تصبرها .. كانت قد عادت إلى مصر مع زوجها و(فرح) التي كانت قد بلغت العامين و هي تحمل في أحشائها طفلة أخرى .. جائت (رهف) .. و للعجب فإنها تتذكر ألامها في ولادة (رهف) .. شعرت بأن (رهف) ترغب في البقاء بداخلها و ترفض ترك بيتها الذي اعتادته و القدوم إلى دنيانا .. و بعد ولادتها بشهرا سافرت مرة أخرى مع زوجها و إبنتيها عائدين إلى غربتهما و مودعة والديها على أمل اللقاء القريب .. بعد ذهابهم بشهرين علمت من الأخبار خبر وفاة والديها .. زلزال مصر سنة (1992) .. زلزال مركزه بيت طفولتها و مراهقتها و شبابها زلزل الأرض تحت أساسات البيت في مصر فانهار على قاطنيه قبل أن يشعروا بالزلزال نفسه .. ثم إمتد حتى بلغها و هي على بعد ألاف الكيلومترات ساحباً الأرض من تحت قدميها فإنهارت لاحقة بهم .. إلا أنها بمعجزة ألهية نجت وحدها .. قضت أياما يجلدها الحزن و البكاء نهارا و تتزاحم صور أبيها و أمها في أحلامها ليلاً .. ترك الزلزال أثاراً من تصدعات و شقوق على جدار قلبها و إن ظل قائماً بعمليات الترميم و التنكيس التي اجتهد فيهما زوجها.

ثم جاءت إحدى توابع الزلزال لتفصل بينها و بين أخيها الوحيد كما فصلت بين القارات من قبل .. كان قد سافر إلى أوروبا فى الثمانينات مطاردا صورة رسمتها له حكايات من سافروا قبله و عادوا يجلسون على المقاهي يدخنون السجائر المستوردة و يرتدون ما بدا له ما لا عين رأت و لا جسد لَبْس و يسألون أحدهم -دائما- دفع الحساب حتى ينتهوا من تغيير العملات الأجنبية لأن جيوبهم تأبى في اشمئزاز حمل العملة المحلية .. و أحيانا يدفعون ثمن طلباتهم بحكايات يقصونها عليه و على غيره عن بلاد التقدم و المال و الجنس المجاني .. سافر مطاردا صورة خلفيتها الألاف من البشرات البيضاء الملساء الساخنة و الشعور الشقراء الناعمة و العيون الملونة و الشفاه التي تشبه فاكهة الشجرة المحرمة .. و مقدمة الصورة شاطئ من الشهوات المباحة و المسموحة رواده أجساد عارية شابة شبقة تبحث عن الفحولة السمراء القادمة من بلاد النيل و أفريقيا و تسبح فى بحر من مغريات الحياة و المال .. أصابت الصورة أحلامه بالبلل أكثر من مرة و أرقت لياليه و استحوذت على خيالاته .. ذهب للسينما مع أصدقائه يوما فشاهد فيلم (النمر الأسود) فخرج من السينما غائب العقل بعد أن حول الفيلم الصورة إلى واقع خماسي الأبعاد له ارتفاع و عمق و عرض و قوة و متعة .. بلغ نقطة ال (climax) التي لم يستطيع بعدها صبرا فحمل ملابسه و مبلغ مائة جنيه من أبيه و ذهب إلى أرض الميعاد .. ذهب و تجسدت الصورة بعدها في هيئة امرأة مطلقة تكبره بثلاثين عام .. تغطي التجاعيد التي ظهرت علي وجهها بأطنان من مساحيق التجميل .. تدخن كقاطرة بخارية تعمل بالفحم .. لم يحبها و لم تكن ما تصوره و لكنه قابلها في وقت كان هو فيه ضائعاً و جائعاً .. يسابق و يقاتل الكلاب الضالة من أجل فضلات الطعام و المأوى .. قابلها بعدما تبخر ما معه من نقود و أيقن بأنه خُدِعِ و أن الصورة التي أحضرها معه من مصر كان قد تم تركيبها و التلاعب بها حتى أضحت بعيدة عن الواقع .. لما قابلها لم يجد حرجاً أن يبكي تحطم الصورة و مرارة الخداع على صدر كان (brand new) وقت كان نطفة في صلب أبيه و يدفن خيبة أمل في أرجاء جسد (5th Hand) بحالة جيدة .. أما الصورة الشمطاء فشعرت شعور من يقابل كلباً ضالاً يثير الشفقة في النفوس أكثر ما يثير الخوف و الاشمئزاز .. ألقت له عظمة فتبعها إلى بيتها .. أرادت في سنوات عمرها التي تخطت الخامسة و الخمسين شبابه و نضارته فأعطته فراشاً دافئاً في وقت كان يرتجف فيه بردا و جسداً خبيراً لم تنتهي صلاحيته بعد و أموال وضعتها حول رقبته و أضافت اليها سلسلة من الهدايا ثم أمسكت بطرف السلسلة و جرته ورائها .. أخذت منه براءته و قوته و طهارته و فى النهاية تملكته بحفل زواج لم يحضره أبواه وأخته و حضره أصدقاء العروس التي أرادات أن تريهم حيوانها الأليف الذي امتلكته .. حصل هو مقابل بيعه لجسده و شبابه على جواز سفر أحمر اللون بإسمه .. بعد ذهابه كان يتبادل الرسائل مع أخته و والديه بالإضافة إلي مكالمات يقوم بها من حين إلى أخر .. لكن بعد وفاة والديهما قلت خطاباته و مكالماته لها تدريجيا حتى انقطعا تماما .. لم تشعر بالخطر إلا حينما إرتد إليها خطاباً لعدم العثورعلي المرسل إليه .. بعد اللجوء إلى السفارة و السعي فى مخاطبة المسؤولين و فشل المسئولين فى العثور عليه –تخاذلاً أو عن قلة حيلة- وصلت إلى النتيجة التى استنتجتها هي مسبقا .. لقد ضل الأخ في أحضان القارة العجوز طريقه إليها .. تكفلت توابع الزلزال بعزلهما عن بعضهما في قارتين منفصلتين و أصبح أخاها ثالث المغادرين.

أخر المغادرين و أخر مآسيها .. كان رفيقها حلو المعشر ذو الغمازتين و طابع الحسن .. دمث الخلق .. طبيبها الخاص و حصنها الآمن .. زوجها و والد بناتها .. سقط فجأة من سجلات الحياة و هو في ريعان شبابه بسبب أزمة قلبية على الرغم من سنه الصغير تاركا لها ارثاً و لقباً و جرحاً لا ينغلق .. إرث مكون من بنتين صغيرتين لم تبلغ كبراهما الرابعة و (شلة) من الأصدقاء و المعارف جمعها بطيب أخلاقه و صفاته الحسنة .. و لقب صارت تحمله قبل أن تتم الثلاثين .. أرملة .. تجمد عقلها و لم تستطيع التفكير لمدة شهر كامل فيما تفعله في عدم وجود أهل و وفاة الزوج .. تكفل بها خلال هذا الشهر أصدقاء زوجها و تولوا رعايتها و رعاية بناتها .. لكن -و لا تلومهم- في النهاية بدأوا يستشعرون حرجاً و مشقة في أن يتحملوها و بناتها .. تائهة ضائعة لا تعلم ما تفعله .. تحاول أن تجد ملاذاً و مأوى لها و لبناتها و لكن أين و كيف ؟؟ .. أقنعها الأصدقاء بعدم العودة إلى مصر لأن ببساطة و بالمنطق .. لم يتبقى لها أحدا هناك لتعود إليه .. كما أن الرزق حيث هي أوسع و أيسر لها .. لها!! .. دارت تلك الكلمة في رأسها و هي التي لم تعمل قط فى حياتها منذ أن تخرجت من احدى تلك المعاهد التي تملأ مصر و لا تعرف لها تخصصا و لا عملا محددا .. لكنهم وفروا لها عملا في إحدي الشركات كسكرتيرة .. و أخطرتها المدرسة التي كان يعمل بها زوجها بحركة كرم مفاجئة ساهم فيها توسط أصدقاء زوجها عن تكفلهم بمصاريف دراسة بناتها في المراحل الأساسية.

بخطى مرتجفة خائفة مرغمة .. تركت أحزانها خلفها و قبلت بالوظيفة .. استمرت في الغربة لوحدها مع بناتها .. وفرت لبناتها أبا لكنها نست أن توفر الأم معه .. تقضي ساعات النهار و هي ترتدي قناع المهرج المبتسم لتحافظ على مظهر مُتَطلِب للوظيفة .. ترتدي تحت ملابسها بذلات العصور الوسطى الحديدية فوق حزام العفة (Chastity Belt) لكي تحمي به نفسها من نظرات وقحة مقتحمة لجسدها .. نظرات أثارتها فكرة الأرملة الشابة التي تعود لفراشها ليلا وحيدة .. كانت تقضي نهارها بجد و جهد في صد تلك النظرات و محو الخيالات من رأس أصحابها ثم تعود ليلاً إلى البيت لتخلع القناع و الدروع و تستبدلهم بخوذة حديدية تحشرها فوق رأسها تحصن بها نفسها من أية أحلام أو رغبات قد تراودها .. ثم تلقي بجسدها أمام ماكينة الخياطة تستكمل بها خياطة المزيد من رتوق المعيشة .. و في ذلك الروتين الذي استغرق شهورا طويلة أصبحت ناراً تحرق ما يقترب منها .. لم تشعر بذلك هي نفسها .. لم تشعر أنها أصبحت بركاناً يمشي على قدمين يلقي بالحمم في وجه بناتها.

ذلك اليوم .. كانت واقفة أمام صورة زوجها و هو يبتسم في مرح و برزت غمازتيه الحبيبتين .. قبلت الصورة و دموعها تجري ثم بدأت تستشعر بالنار تتأجج بجسدها و برغبة حميمة للإحساس بيديه و أنفاسه على جسدها و أماكنها المقدسة .. نار خرجت في صورة لهاث و لمسات لأراضيها المهجورة .. نار لم تطفئها إلا بالصراخ على (فرح) و ضربها حتى أطفأت (فرح) حممها بطوفان من الفزع .. بدات تحس لأول مرة منذ مات زوجها أنها تموت كل يوم و تقتل بناتها معها.

شعرت بنوم (فرح) على ساقها فمالت على رأسها و طبعت عليه قبلة طويلة حاولت بها إزالة جريمتها من رأسها الصغير .. رفعت رأسها و أسندته على الحائط .. أغمضت عينيها و هي تتنهد قبل أن تفتحهما لتجده أمامها .. مطبق الشفتين كعادته إذا أهمه أمر .. الغمازاتان ..عينيه الدافئتين .. ينظرإليها بلوم و للبنتين بأسف .. شهقت و اتسعت عيناها و هي تنظر إليه .. مزيج فريد من الفرح و الدهشة و الحزن و السعادة و الألم اجتمع في قلبها توقف عقرب الثواني عن حركته الرشيقة الأولمبية لقرون قبل أن تقول في حرارة لفح لهيبها الجو:

- وحشتني يا )حسين)

لم يجيبها .. ظل واقفاً بنفس الهيئة

- سبتني ليه يا (حسين) أنا ماكنش فاضلي غيرك

لم تحرك فيه عبارتها خلجة في ملامحه .. فقط إستمر ناظراً للبنتين بأسى و لها بلوم

- إنت زعلان مني يا (حسين) ؟؟

تمثال من الثلج لم يذوب أمام حرارة لهفتها

- أنا أسفة ما تزعلش مني .. أنا أسفة .. حقك عليا .. حقكو عليا كلكو

دموعها سالت و هي تسترجيه .. نسيت أنه تركها .. نسيت أنه لا يمكن أن يكون موجوداً .. تحرك نحوها و انحنى عليها يقبل جبينها فأغمضت عينيها و دموعها تنزلق على خديها شاعرة بدفء قبلته ..

فتحت عينها فلم تجده .. نظرت حولها باحثة عنه قبل أن تدرك أنه كان حلماً .. نامت و حلمت به يلومها من أجل البنات .. كان وقع ذلك اللوم أكثر حدة و إيلاماً من لومها لنفسها .. ما زالت جالسة في مكانها و البنتان نائمتان في حضنها .. تنهدت .. ثم بحذر اعتدلت .. عضلاتها المتيبسة المتحجرة إحتكت ببعضها البعض فخلقت شرارات تعلقت بأطراف أعصابها .. أشعلت جذوة من الألم استعر في كامل جسدها .. خرج دخان الألم في صورة تأوهات صامتة كتمتها لكي لا توقظ الصغيرتين .. نهضت و حملت الفتاتين و وضعتهما في فراشهما .. قبلت غرة كل منهما .. استلقت على جانبها الأيمن بجانبهما .. احتضنت (فرح) المتعمقة في نومها .. أغمضت عينيها إرهاقاً و كمداً ..

                                                              ********

- جرى إيه يا حاجة .. أنتم جرالكم إيه على الصبح .. ما تيجوا نسرح و بلاها فطار

جزعت مع صوت (رهف) الذى أعادها إلى مائدة الطعام و اللحظة الحالية

- معلهش يا (رهف) كلامك قلقني و خلاني أفتكر (فرح) و اللي كانت عليه .. و خايفة بعد اللي حصل أنها ت ..

قطع عبارتها خروج (فرح) من حجرتها مبتسمة و قادمة نحوهم.. فقالت بسرعة و هي ترسم إبتسامة على وجهها:

- صباح الخير يا (فروحة) نمتي كويس يا حبيبتي ..!!

أحست (فرح) بإرتباك في تصرفات أمها و لكنها تغاضت عن ذلك و هي تجيب:

- أه الحمد لله .. كنت كويسة لغاية ما خضتني المزعجة دي

قالتها و هي تنحني على يد أمها تقبلها و تلكم برفق ظهر (رهف) التي إلتفتت إليها راسمة إبتسامتها المعتادة و مرحها و تقول:

- أكيد قصدك المزة دي .. بس ما علينا .. يلا نفطر و الا هاعملكم (شيتا) هنا .. عندي تمرين كمان ساعتين يادوب ألحق أزلط أي حاجة ..

ضحكتا على مزحتها قبل أن تقول (فرح) و هي تجلس على المقعد المجاور لأمها و تلتقط قطعة خبز و تلتفت لأختها:

- انتي هتسافري إمتى للبطولة؟؟

أجابت (رهف) و فمها ممتلئ بالطعام:

- المفروض كمان شهر و نص .. ما تيجو معايا .. فرنسا جوها بيبقى حلو اليومين دول .. و (يحيى) كمان هيكون هناك ..

نظرت لها (فرح) متعجبة فقالت أمها و هي تقطع الخبز قطعا أمامها

- ما تتكلميش و بؤك مليان .. تبقي خدي أختك و سافروا و سلمي لي على (يحيى) .. أنا مابقتش قادرة للسفر

- أنا ما ينفعش أنا كمان .. محتاجة أروح المعهد الأيام الجاية ..

توقفت (رهف) عن مضغ الطعام و نظرت لها بتعجب قبل أن تبتلعه و تقول:

- هو انتي قررتي تقبلي الموضوع ده ؟؟

إبتسمت (فرح) إبتسامة باهتة قبل أن تخفض عينيها إلى طبقها و تجيب:

- المعهد برضه ليه فضل عليا و كويس إنها جات منهم ..

و إستمرت محدقة إلى طبقها و عقلها يغيب في ذكرياته ..


                                        ألفان مائة و ثمانية يوما على الأرض ..

3) إسمي فرح ..

كان اليوم الأول للمدرسة صاخباً .. أطفال تبكي .. أطفال تختبئ .. أطفال منقادة .. أطفال متمردة .. لم ُيخلَق بعد الطفل الذي يذهب به أبواه إلى المدرسة و يتركاه هناك أسيراً في قبضة بعض المعلمين خلف أسوار المدرسة ثم يجلس معهم بهدوء متفهماً ذلك التغيير .. لكن (فرح) كانت من شواذ القاعدة .. لم تبكي .. لم تجزع .. دخلت بهدوء تدندن بفمها بعض من ألحانها قبل أن تجلس على مقعدها .. بالنسبة لها المدرسة كانت تجربة جديدة مثيرة من الأصوات .. جزيرة الكنز التي رست عليها سفينة (لونج چون سيلڤر) (Long John Silver) .. مصنع شيكولاتة (ويلي وانكا) (Willy Wonka) الذي فتح أبوابه ل(تشارلي) (Charlie) .. النغمات المختلفة لصراخ الأطفال بعد أن حصدت كل ثمار صراخ (رهف) .. أصوات المعلمين .. غنائهم .. صوت الجرس المدرسي .. ضوضاء الأطفال مختلطة مع بعضها!! .. عقلها أخذ في جشع يجمع كل البذور و الثمار من حوله ثم بخطى مسرعة يدخل إلى حديقته السرية و يبدأ في زراعتها و غرزها .. الحديقة إتسعت بما يعادل الضعف ذلك اليوم .. إحتاج منها الأمر وقت أطول للمكوث بداخلها مما جعل المعلمين يلاحظون غرابة أطوارها و إختلافها .. طُلِبَ منها الوقوف كزملائها أمام الفصل للتعريف عن نفسها .. إحتاج الأمر من المعلمة خمس دقائق لتلفت إنتباهها إليها .. عشر دقائق لتخرج من الحديقة و تذهب لتقف أمام باقي الفصل .. عشر دقائق لتستخرج الإيقاع في ضحك الطلاب عليها .. ثم أخيرا قالت إسمها .. إسمي (فرح) .. كانت تلك البداية .. مع الوقت بدأ إنبهار (فرح) بالمدرسة و بقاء وعيها بين الطلاب و المعلمين يقل يوما بعد يوم .. إهتمامها بالصخب و الضوضاء من حولها .. بأوقات لعب و لهو الطلاب .. تقريع و لوم المعلمين .. كل ذلك إختفى مع الوقت و عادت لطبيعتها الصامتة المحركة شفاهها بدندنات غير مفهومة .. وكما حدث من قبل في المنزل .. حاول المعلمون لفت أنظارها أكثر من مرة فكانت تعود لحظيا ثم تغيب في عالمها مرة أخري .. حالتها بدأت تلفت أنظار المعلمين في المدرسة و تلميحاتهم و شكواهم من قواها العقلية أصبحت تتعالى بمرور الأيام .. حتي كانت تجلس يوماً في وقت الراحة تتأمل الأطفال من حولها بعقل غائب تماماً .. وقف أمامها مجموعة من الطلاب الأكبر عمراً الذين سمعوا عن الفتاة غير الطبيعية فوجدوا فيها تحدي لساديتهم و فرصة ذهبية متوفرة لممارسة سخريتهم و مزاحهم .. وقفوا و هم يتوقعون و ينتظرون عرضاً يليق بالرجل الفيل (Elephant Man) في سيرك المسوخ (Penny Gaff) .. لم تراهم مثلما لم تشعر بهم .. صرخوا في وجهها و هم يتضاحكون و يتغامزون فلم تنتبه أو تطرف عينيها .. إستفزهم هدوءها فبدأوا يدفعونها بأيديهم و يحاولون جذبها .. بدأت تشعر بالخطر من المحيط الخارجي ففعلت الأمر الوحيد الذي تجيده في جميع تلك المواقف .. أسرعت بالإختباء بداخل قلعتها و حديقتها السرية و تركت لهم جسدها يعبثون به كما يشاءون .. جذبتها إحدى الفتيات و ألقتها على الأرض و هي تصرخ عليها بشدة و الأخرون يضحكون بصوت بدأ يعبر أسوارها الحصينة .. تكورت على نفسها على الأرض و وضعت كفيها الصغيرين على أذنيها و بدأت تدندن بصوت عالي بنغمات إكتسبتها من صراخهم و ضحكاتهم .. تضاحك الأطفال و تجرأت أخرى عليها فركلتها بسادية في معدتها .. صرخت (فرح) ألماً و تصلب جسدها .. صرخت بنغمات شاذة بصوت عالي أفزعهم هذه المرة .. دفعهم الفزع بأن يتراجعوا خطوة بعيدا عنها و هما يحدقون بها بأعين متسعة خائفة .. إضطربت قلوبهم و تسارعت أنفاسهم مما يشاهدونه .. رأتهم -أخيرا- إحدى المعلمات فأسرعت نحوهم تصرخ فيهم و تدفعهم بعيدا عنها قبل أن تتجمد هي نفسها .. بأنفاس متسارعة و أعين فزعة رأت (فرح) المتكورة على الأرض .. صوت صراخ (فرح) حطم أعصابها و أثار توترها .. أسرعت مشرفة أخرى اليها تطرد الأطفال الذين جذبهم المشهد العجيب فأحاطوا بالمعلمة و (فرح) بدهشة ممزوجة بالخوف .. حاولت أن تحتوي جسد (فرح) على الأرض لكن تصلبها جعل الأمر بالنسبة لها كمحاولة إحتضان قطعة حجر .. إستمر العرض لنصف ساعة جذب خلالها مديرة المدرسة و معلمين أخرين قبل أن تفقد بعدها (فرح) الوعي و يحملونها إلى مكتب المديرة .. أتت والدتها من عملها فزعة و باكية .. بعد التحقيق و عقاب المتسببين .. كان الطلب دقيقا و محددا من جانب مديرة المدرسة .. يجب عرض (فرح) على أخصائيين يستطيعوا متابعة حالتها .. دامعة و راضخة بدأت أمها تتنقل بها بين عيادات و حجرات أطباء نفسيين و أخصائيين .. جلسات و جلسات لم تنجح في إختراق عقل (فرح) .. جلسات أضافت ل(فرح) رصيد من الدندنات و صنعت معارك و حروب بين الأخصائيين و المعالجين في فهم حالتها .. أحدهم فسر الأمر و هو يهز رأسه أسفا و تعاطفا بحالة أخرى من حالات التوحد (Autism) و البعض ذهبوا إلى أن (فرح) تعاني أعراض انسحاب إجتماعي (Social Withdrawal) .. و البعض فسر الأمر بحالة نفسية ستنتهي مع الوقت .. إلا أن إحدهم لم يستطيع الولوج إلى عالمها الخاص .. حديقتها السرية .. لم يستطيعوا حتى الاقتراب من أسوار قلعتها و مدينتها .. جلسات و محاولات و ساعات تنتهي دائما بعجزهم عن فهم ما بها .. أربعة سنوات مرت منذ وطأت قدما (فرح) المدرسة لم تتوقف فيهم عن ممارسة لعبتها .. عن زيارة حديقتها .. عن العيش في عالم أخر بعيدا عن عالمنا .. أصبحت أمها أكثر تفهماً و هدوء بالمنزل منذ إنفجار (فرح) الأول .. تكاليف جلسات الأطباء و الأخصائيين أضافت إلى أحمالها وزنا جعل ساقيها ترتجفان و و قدميها تتورمان و ظهرها ينحني بشدة و هي تبوح بآلامها و مشقة المعيشة إلى ماكينة الخياطة .. تزحف متأخرة ليلاً إلى فراشها تبلل وسادته بدموعها .. دموع العجز و قلة الحيلة و الألم .. ثم تستيقظ مبكرة صباحاً مرهقة مهمومة ترسم إبتسامات و قبلات على شفتيها لإبنتيها .. ثم تقضي بقية وقتها مع (فرح) تجتهد لمحو جريمتها في حقها .. فقدت الكثير من وزنها و لكنها لم تهتم .. تتوسل و تستجدي سنويا مديرة المدرسة لكي تظل (فرح) طالبة تحت رعايتها خاصة مع إلتحاق (رهف) بالمدرسة .. أربعة سنوات مرت و (فرح) يتعامل معها الجميع في المدرسة بإهمال ما عدا أخصائية نفسية حاولت التقرب منها ثم أصابها ما اصاب الأخصائيين الأخرين فإبتعدت تحمل غصة الفشل بحلقها .. أربعة سنوات أصبح الجميع بعدها متيقن أنها لن تعبر المرحلة الإبتدائية ثم سيكون حتما أن تغادر المدرسة .. تجنبها الجميع طلابا و معلمين و مشرفين فأصبحت المدرسة فجأة قطعة من الفردوس بالنسبة ل(فرح) .. لا أحد يطالبها بشئ .. لا أحد يحاول إقتحام لعبتها .. لا أحد يعكر عليها صفو وحدتها ..

حتى أتى ذلك اليوم .. ذلك اليوم حين قررت ادارة المدرسة بدء نشاط موسيقي و تكوين فريق مدرسي للموسيقى و أذاعت الخبر في الإذاعة المدرسية الصباحية .. تحمس بعض الطلاب و سخر البعض من الأمر و طالبة واحدة فقط في الصف الرابع لم تلاحظ في كل ما قيل سوى النغمة و الإيقاع في كلمة (موسيقى) التي تسمعها للمرة الأولى .. سرعان ما تسللت مرة أخرى إلي حديقتها ترقص و تتغنى بين أشجارها و تتذوق نغماتها و لم تنتبه إلى تقديم معلمة الموسيقى الجديدة

ذلك اليوم .. مرت الساعات الأولى كالمعتاد .. التسلل إلى داخل عالمها و تترك مخادعة تمثال شمعي يشبهها بشدة يتلقى جرعات الملل اليومية من المعلمين و زملائها .. حتى يدوي عبر أسوار عالمها صوت جرس الراحة فتعود للإتحاد بالتمثال و تسير بلا هدي في أرجاء المدرسة تراقب و تقتنص إضافات جديدة .. قدرا بلا تخطيط أو معرفة .. مرت أمام الحجرة التي خصصتها المدرسة لفريق الموسيقى .. فجأة توقفت و تجمدت في مكانها .. إخترق الصوت الصادر من تلك الحجرة أسوار قلعتها .. صوت غريب يختلف عما سمعته من قبل .. صوت لم يحتاج منها إيجاد إيقاع أو نغم .. كان الصوت ذاته منغما و له إيقاع مميز .. ببطء فتحت بوابات حديقتها و قلاعها و مدينتها داعية الزائر الغريب أن يدخل كل ركن فيه .. ثوان و خرجت هي بنفسها من المدينة و عادت إلى عالمنا و سارت بإتجاه الصوت .. تحركت كالمنومة إلي الحجرة و وقفت على بابها تراقب .. .. معلمة أول مرة تراها تجلس على تلك الألة الكبيرة المملوءة بقطع بيضاء تتوسطها قطع سوداء و مع حركة يديها تخرج تلك الأصوات التي علت على أي صوت أخر داخل عقلها و جعلها واقفة مبهورة الأنفاس ..

إلتفتت المعلمة إليها و توقفت عن العزف .. و كأن عقل (فرح) قد أصابته صدمة كهربائية فانتفضت في مكانها و شهقت ثم حدقت في وجه المعلمة التي نظرت إليها مبتسمة .. لم تقل كلمة فقط تلاحقت أنفاسها و قلبها يتواثب بين ضلوعها و هي تنسحب بعينيها و تنظر إلى الپيانو .. نظرت مرة أخرى إلى وجه المعلمة .. ثم .. لأول مرة منذ وقت طويل .. إبتسمت للمعلمة


  • 3

   نشر في 09 يونيو 2019  وآخر تعديل بتاريخ 13 يونيو 2019 .

التعليقات

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا