تدريب الطلبة بشركة نوكيا - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

تدريب الطلبة بشركة نوكيا

التدريب و التأطير

  نشر في 20 أكتوبر 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

و أنا غائص في بحر النوم، لا أدري أين أنا و إذا بصوت موسيقى عذبة للفنان العالمي ياني يرتفع تدريجيا، لأستفيق من نومي و أكتشف أن الصوت حقيقي و ليس حلما، إنه صوت رنين الهاتف، فامتدت يدي بكسل لإصماته خوف إيقاظ الأهل لأدرك سريعا أنني وحيدا بغرفة النوم فخيوط أشعة الشمس بدأت تتسلل من الستار الخشبي الخارجي للنافذة، تناولت الهاتف لأعرف من المنادي فأجد "مقر العمل" بصورته المحببة عندي، أجبت بصوت ضعيف السيد رحال الذي أخبرني أن هناك زمرة من المتدربين ينتظرون قدومي منذ ساعة، حينها عدلت من سحنة صوتي و طلبت منه أن يعتذر نيابة عني عن تأخري و أنني قادم خلال نصف ساعة. مع أهمية المشكل الذي عملت عليه ليلة البارحة حتى ساعة متأخرة في مركز تقني لاتصالات المغرب نسيت أن أبعث ببريد إلكتروني للطلبة الذين أؤطرهم لتأجيل موعد الصباح.

هذا المشهد تكرر لمرات كثيرة خلال سنوات عملي بالشركة العزيزة "نوكيا"، طبيعة عملي في فريق الصيانة كان يفرض علي إيقاعا غريبا في العمل كان يغبطني عليه معظم أصدقائي البعيدين عن الميدان خاصة سكان الحي، فكانوا يشاهدونني لا أغادر البيت في الغالب إلا بعد التاسعة صباحا – طبعا لا يرونني و أنا خارج بعد منتصف الليل و إن فعلوا فقد يحسبونني متوجه لقضاء أوقات سعيدة في إحدى الملاهي الليلية - ، و في كثير من الأحيان لم يكونوا متأكدين من وجهتي خاصة إن خرجت مرتديا ملابس رياضية ، أو سروالا قصيرا.

خلال سنواتي العشر التي قضيتها مع هاته الشركة تغيرت الكثير من الأمور اتجاه أدائي في العمل و اختلفت و تدرجت المسؤوليات التي كانت منوطة بي، إلا أن الخط الثابت في مساري المهني هو علاقتي بالتداريب و بالطلبة الذين أطرتهم بالشركة منذ سنتي الأولى.

العصر الذهبي

هكذا كنا نسمي السنوات المتميزة لشركة نوكيا بالمغرب قبيل دخول المنافسة الصينية لسوق الإتصالات بالمغرب، و هيمنتها تدريجيا على الصفقات، خلال هاته الفترة كان عدد المتدربين الذين يتم قبولهم قليل جدا، و كان المتدرب آنذاك يتمتع بمنحة شهرية محترمة جدا كانت هي ثاني أعلى منحة بعد منحة مايكروسوفت التي كانت تتجاوز راتب المعلم الإبتدائي المبتدئ آنذاك، كما أن المتدرب كان يحظى بمكتب مستقل و يحضر كل أشطة الشركة الترفيهية ، لهذا كان من الطبيعي أن يتنافس الطلبة في طلب تدريب معنا، لأضافة أن الشركة كانت توظف سنويا معظم الطلبة الذين يمضون تدريبهم معها إن فازت الشركة بصفقة جديدة أو استقال أحد المهندسين القدامى.

كما أسلفت بالذكر فمنذ سنتي الأولى كلفت بتأطير متدربين خلال تدريب التخرج، لم تكن المهمة سهلة جدا، خاصة أنني لم أكن المؤطر الوحيد، حيث كنا جميعنا نعمل تحت إشراف خبير فرنسي محنك تقنيا، لكنه كان يجهل خصائص الطالب المغربي، فكان من الطبيعي أن ندخل في حوارات مطولة معه و خلافات حول سيرورة التدريب، و كان من الطبيعي إذن أن يتفادى الطلبة الحوار معه قدر ما أمكن و التوجه إلينا، و خاصة أن معظمهم كان يدرس بالمعهد الذي تخرجنا منه أنا و باقي زملائي الجدد.

مناقشة بحث التخرج هو اللحظة الأكثر إثارة و أهمية في مشوار الطالب، و يعد مرور هذا الحدث بنجاح مرادفا لتحقيق الهدف و الحصول على دبلوم الدولة الذي يشهد أن الطالب أصبح إطارا رسميا، بالنسبة لي كأحد أعضاء لجنة التحكيم، و كما جرت العادة فإن دوري هو لعب دور المحامي للطلبة لتيسيير الأمور، أذكر أول مرة أنني كنت في الطريق أراجع الأسئلة التي سوف أطرحها، و اشعر ببعض الضغط لأهمية دوري، لكن مع مرور الأيام أصبح الأمر مهارة في اللاوعي، خاصة أنني كنت أحضر ما يفوق 5 مناقشات سنويا في مدارس و معاهد مختلفة، و صرت مشهورا و مطلوبا عند زملائي لمرافقتهم في بعض المباريات الصعبة على ملاعب عصيبة تشبه ملعب السان ماميس.

نفس القصة كانت تتكرر بشكل مغاير في فصل الصيف مع اختلاف نوعية المواضيع و دفتر التحملات.

زواج المتعة بين نوكيا و سيمنس

هكذا أحببت أن أسمي عملية دمج نوكيا و سيمنس للإتصالات، هذا الدمج الذي كان يلزم كلا الطرفين بعدم بيع حصته لاحقا إلا بعد خمس سنوات، و هذا ما حصل فعلا حين استولت نوكيا على حصة سيمنس بعد انقضاء الأجل القانوني.

تزامن هذا الدمج في المغرب مع فوز الشركة بصفقة مهمة، و بدا أن الأمر نقطة انعطاف إيجابية في طريق العودة للريادة في السوق، في الجانب الآخر، الأمر لم يكن مسليا بالنسبة لقسم الموارد البشرية، حيث أن النتيجة الأولى بعد عملية الدمج هي تغيير كامل في تركيبة الشركات و الكثير من التغييرات و التنقلات بين الأقسام و ما إلا ذلك، و كأحد النتائج التي تعنينا هنا في موضوع المتدربين، أن تم حذف المنحة المخصصة لهم، و هذا ما ساهم في عدم بقاء التدريب في نوكيا كأولوية، و إنما فقط لسد حاجة إجبارية في المسار التعليمي.

بالنسبة لي موضوع المتدربين كان خطا ثابتا في أنشطتي بالشركة، فلم أتأثر كثيرا بما حصل، فقط كنت أغير محتوى الحوار أثناء الإستجوابات التمهيدية قبل قبول المتدرب لأوضح مسألة إلغاء المنحة ، هذا العامل كان يساعدني على معرفة مدى قابلية المتدرب لخوض غمار التجربة و التعلم و الإبداع.

ما كنت أحرص عليه أيضا هو زرع روح المسؤولية و المبادرة، عبر اكتفائي بطرح دفتر التحملات و لعب دور الزبون، و ترَقُّب ما يمكن أن يفاجئني به المتدرب، فكنت من المشهورين بترك حرية اختيار الأدوات و التقنيات المستعملة لإنجاز المشروع والإفراط في استعمال جملة "إبهرني"، كما أنني كنت لا ألزمهم بالحضور يوميا للمكتب و إن كنت أحبذ ذلك و أعبر عن مدى أهمية اندماج الطالب في أجواء العمل بالشركات الكبرى.

مهندسون بلا مكاتب قارة

مع اشتداد حدة المنافسة في السوق و فشل الشركة في الحفاظ على تحقيق التقدم السنوي المرسوم، قرر المسؤولون في قرار حكيم إخلاء البناية الرئيسية بأغدال و إلحاق جميع الموطفين ببناية حسان، هذا الأمر أثر علينا نحن في قسم الصيانة بشكل كبير، حيث أن الأسبقية أعطيت للموطفين الذين يعملون طوال الوقت داخل المكتب، بينما أعفينا خلال مدة طويلة من الحضور إلى المكتب، هذا الوضع انعكس تلقائيا على وضع المتدربين، فإن كنا نحن الموظفين لا نملك مكاتب قارة فما بالك بالمتدربين، و نشأ مفهوم التدريب عن بعد، حيث كنا نلتقي المتدربين فقط مرة في الأسبوع عبر جدول مزدحم للمواعيد، و كنا في أحيان كثيرة نكتفي بلقائهم في مدارسهم أو في المقاهي المجاورة لمقر العمل.

كانت تجربة مميزة سواءا لنا في قسم الصيانة، حيث أننا رسمنا خريطة مفصلة للمقاهي بالمنطقة، و صرنا نعرف المقاهي التي ترحب بنا و التي تتضايق منا، و كذلك المقاهي التي عندها صبيب أنترنت محترم من غيرها، و الأهم اكتشفنا أن هناك العديد منها تحرم التدخين بالداخل، كما أن المتدربين استمتعوا معنا بهاته التجربة المتنوعة و شكلوا فكرة عما يمكن أن ينتظرهم خلال الأوقات الصعبة للشركات.

و على طريقة الإستيطان عدنا تدريجيا لمكاتبنا في الطابق الخامس بعد أن حفظنا عن ظهر قلب قوائم المقاهي، و استأنسنا بزبنائهم الدائمين، و مللنا من العمل خارج المكتب، و لم نكتف فقط بالعودة نحن، بل كنا نوفر أيضا مكانا يتناوب عليه المتدربون الذين يظهرون تفانيا و جدية و رغبة في التعلم و الإنضباط.

المؤطر المفضل

خلال سنوات دراستني في المعهد المتخصص في الإتصالات، كنا نعتقد أن مجال الإتصالات الحقيقي هو كل ما يتعلق بشبكة الراديو و أمثلة و تصميم الشبكة و غير ذلك هو معلوميات صرفة لا تميزنا عن الآخرين، هذا الإعتقاد لا يزال يرافق الطلبة إلى يومنا هذا، فلهذا السبب كان من الطبيعي أن أكون آخر مؤطر يحب الطلبةُ العملَ معه كون تخصصي في الخدمات المضافة و خدمات الرسائل الذي يحتاج الكثير من التطوير المعلومياتي.

كانت عملية توزيع المتدربين على المؤطرين تأخذ منا وقتا كثيرا، و كانت متعبة شيئا ما، خاصة مع بعض الطلبة المشاكسين و المدللين، الذين كانوا يشترطون موضوع التدريب و يرفضون أن يعملوا مع المتدرب الذي نختار لهم، لكنهم كانوا استثناءا.

من الحالات التي كنا نصادفها ايضا أن يبدأ معك أحدهم و يجد فرصة يراها أفضل في مكان آخر أو اختصاص آخر، و كانت طريقة زف الخبر إلينا تختلف من شخص لآخر، و مع المدة صرت بحدسي أحزر بسرعة إن كان المتدرب جاء ليعتذر لتغيير التدريب.

متدربون متميزون

لا أذكر كم من متدرب أطرته خلال مشواري، لكن الأكيد أن عددهم يفوق المئة، بين من أطرتهم مباشرة، أو من أشرفت فقط على تدريبهم أو الذين ورثتهم من زملائي الذين اضطروا لمغادرة الشركة مؤقتا أو نهائيا.

لكن ما أذكره هو أن هناك عدد من المتدربين الذين حفروا إسمهم بأحرف من ذهب، بعضهم التحق بالشركة، و بعضهم فازت به شركات أخرى، هاته العناصر المميزة كنت أحرص على مراقبتها و تكليفها بمهام أكثر من المطلوب لأرى مدى قدرتها على التحدي، الكثير منهم كنا نحن من نبحث عنه في مشاريع التخرج، و كنا نتأخر في أحيان كثيرة حيث نجدهم قد التزموا في مكان آخر عبر تدريب بوعد التوطيف بعد التخرج.

تداريب بروح جديدة

مع احتكاكي بمجال التنمية الذاتية عرفت سنة 2010 تغييرا جذريا في ثقافتي المالية، خاصة بعد قراءتي الثانية لكتاب الأب الغني و الأب الفقير، واقتنائي للعبة تدفق المال، فكنت أنصح كل المتدربين عندي بقراءته، كما أنني خصصت جانبا كبيرا من الوقت الذي أمضيه معهم في النقاش حول أسئلة بعيدة عن المجال التقني تتعلق بالحياة، و التخطيط و تحمل المسؤولية، و الإيجابية، معظهم كان يحب هاته الحوارات، و طبعا بعضهم كان يجدها مملة و يصبر على "هبلي" للضرورة و المجاملة.

هذا "الهبل" كنت أصدِّره معي خلال مناقشات التخرج أيضا، حيث كنت أحرص دائما على طرح سؤال بيعد عن المجال التقني لتمرير رسائل إيجابية عبر تعقيبي على الرد، و قد لاقى سؤالي في مرة أذكرها جيدا بتطوان تجاوبا كبيرا من المؤطر الداخلي، الذي جذبني من يدي مباشرة بعد إعلان النتائج، و جلسنا في دردشة مطولة عن الحياة، و فاجأني بجولة في مختبره الذي يزخر بالمعدات، و لكنه أعطى أهمية كبيرة لركن خصصه للكتب الأدبية و الفلسفية التي كان يشاطرني الرأي عن أهميتها الكبيرة التي لا تقل عن أهمية المختبر.

ما بعد مرحلة نوكيا

رغم مغادرتي شركة نوكيا متم السنة الفارطة إلا أن طلبات التدريب لا زالت تتقاطر على بريدي الإلكتروني الذي كان متداولا عند الطلبة، فخلال عملي كنت أقبل تلقائيا كل الطلبات و أتحمل شخصيا مسؤولية التأطير إن تعذر على زملائي ذلك، خاصة بعد حذف منحة المتدربين، فلم أكن أجد مانعا أو تكلفة إضافية للشركة في تأطير 20 أو 30 طالبا في السنة.

إلا أن الحال قد تغير الآن، فكل ما أستطيع فعله هو إعادة توجيه الطلبات لأشخاص أعرفهم، يشاركونني نفس الرسالة و الإهتمام، مع رفق معظم الطلبة إمضاء تدريب في مقاولتي الناشئة، و هم معذورون في ذلك، فعندما كنت في سنهم كانت عندي نفس القرارات، و أذكر أنني كنت لا أعير انتباها للشركات الصغرى خلال بحثي عن العمل أو التدريب، فقط نوكيا و لا شيء غير نوكيا، لماذا نوكيا ؟ تلك قصة أخرى أرويها لكم لاحقا إن شاء الله.  


  • 12

  • ضياء الحق الفلوس
    طالب علم في مدرسة الحياة. مهم بالتنمية الذاتية و طالب في الأكاديمية الدولية للتنمية الذاتية. مولع بالبرمجيات و مسابقات البرمجة و التكنولوجيا الحديثة. مؤسس مشارك في منصة www.scorify.me المختصة في توطيف المطورين المعلوماتي ...
   نشر في 20 أكتوبر 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

التعليقات

Fatiha Sibt منذ 1 سنة
ما شاء الله إطار دولة بامتياز.تستحق كل التقدير والاحترام صديقي ضياء الحق. هنيئا لبلدي بك .
0
ضياء الحق الفلوس
شكرا جزيلا أختي على الشهادة ، نحاول أن نساهم بقدر الإمكان
تجربة مميزة !
مقال رجع بي لذكريات التدريب في أكدال في إدارة الشبكة الذكية :)
معلومات مهمة لم أكن أعرفها عن مسار شركة نوكيا،
نقل لواقع المتدربين و المؤطرين من تجربة و خبرة، ضياء الحق إسم معروف بالنسبة لطلبة INPT في التأطير و التعاون مع الطلبة
مزيدا من التألق في ما هو قادم صديقي
0
ضياء الحق الفلوس
شكرا جزيلا ، سعيد أنني نحجت في إٍجاعك بمخيلتك لتلك المرحلة :)
Mohamed Boumediene منذ 1 سنة
تجربة جميلة عزيزي
ربّي يبارك في القادم من التجارب المهنية و الشخصية
0
ضياء الحق الفلوس
اللهم آمين

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا