رُبّ خيرٍ لم تنلْهُ كان شراً لو أتاكَ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

رُبّ خيرٍ لم تنلْهُ كان شراً لو أتاكَ

وإنِّي لراضٍ بالقضاءِ وبما تشاء وعِندي يقينٌ أن لُطفكَ شاملي

  نشر في 28 ديسمبر 2018 .

- سبحان الله أخفى عنا بحكمته كل ما هو آت، فلم يمنح أحدا من خلقه قدرة معرفة الغيب إلا من ارتضى من رسول.

ماذا لو اطلع حاكم عربي قبل ثورة شعبه عليه بما سيؤول إليه؟

ثم ماذا لو رأى الطالب نجاحه أمام عينيه دون مقدمات لهذا النجاح؟

أم ماذا لو رأى البشريّ مقعده في الجنة أو في النار قبل الشروع في دواعي الوصول لهذه النتيجة؟

ولذا حينما يتحدث معك أحد عن النتائج حدثه أنت عن المقدمات.

وحينما يتجاذب أطراف الحديث معك حول الوصول، ناقشه عن المسير قبل الوصول.

-في كتاب (رحلتي من الشك إلى الإيمان للدكتور مصطفى محمود)

يتحدث عن العذاب بسؤال مباشر ..(لماذا العذاب؟)

فيقول ضمن إجابته :-

"وعذاب الدنيا دائماً نوعٌ من التقويم .. هو كذلك على مستوى الفرد ومستوى الأمم

فهزيمة 67 في سيناء كانت درساً، كما أن رسوب الطالب يكون درساً، كما أن آلام المرض واعتلال الصحة هي لمن عاش حياة الإسراف والترف والرخاوة والمتعة درس

ولا نعرف نبيًّا أو مصلحاً أو فناناً أو عبقرياً إلا وقد ذاق أشد أنواع العذاب مرضاً أو فقراً أو اضطهاداً، فالعذاب من هذه الزاوية محبة .. وهي الضريبة التي يلزم دفعها للانتقال إلى درجة أعلى"

ما علاقة كل هذا بالخير الذي لم أنله وكان في كهنه شرا كما تزعم؟

- الشاهد في كل ما سبق ذكره أن مقاييس البشر متفاوتة في استيعاب الخير من الشر والتفريق بينهما، فلو كان لهؤلاء أيما تحكم في مستقبلهم لما اختاروا الفشل أو الهزيمة، لكنّ عدم مرورهم بهذه التجارب العصيبة يجعلهم أدعى للوقوع في شباك نتائجها السلبية.

بينما حينما يخوض الفرد غمار التجربة فيدرك مرارة الهزيمة، لابد له إلا أن يبحث عن عبير النصر.

ولله در صديقي سامح حينما كتب:-

"لو استقبلت من أمرك ما استدبرت، لاخترت الخيارات ذاتها، بالأخطاء نفسها؛ لأن الخيارات الأخرى، بصوابها المفترض، لم تكن لتُعطيك خبرتك الساخطة على الأخطاء. أنت تفعل الصواب الذي تشكّل بمعرفة الخطأ؛ لأن جزءًا من اتقاء النار تجربتها، ولو عاد الزمان لعُدت، لكونك -حينها- تجهل، فلا تأس على ما فات إلّا بتلاشي التكرار، ولا تبتئس لأن الزمن لا يرجع إلى الخلف.

وعليه فإن الولد الذي رسب قوّمه رسوبه هذا ليتفوق فيما بعد، والنكسة في سيناء أُعقبت بانتصار مجيد.

وهذا هو التحليل الأول [الشر الذي أتاك هيأك كليا للسعي وراء الخير](1)

- حاولت تبرير الكثير من النتائج التي تأتي على خلاف مقدماتها.

ثم تذكرت جملة كتبها أحد معلميّ أثناء مرحلة التعليم الأساسي وقد وضعها على حائط غرفة الامتحانات

[عليك العمل وليس عليك إدراك في النجاح]

بطريقة ما اطمئن قلبي إلى أن المقدمات وإن كانت منوطة بي، إلا أن نتائج هذه المقدمات بيد الله وحده.

وفي إحدى حواراتي مع أحد أصدقائي المُبهجين أرسل لي نصاً مضمونه

"أنا لا أعلم كم من المرات ساق الله لي الألطاف والتسخير في غيبه، وكنت أظن الظروف التي تحدث معي أمرًا روتينيًا عاديًا، ولكنني حينما أتأمل في تفاصيلها أندهش من عظيم رحمة الله التي حلّت فيها! لأوقن تماما أن الله سبحانه دائمًا معي، وأنني لم أكن يوما بمفردي، يقينا وإيمانا وتسليما"

-على الجانب الشخصي سافر والدي قبل وصولي للمرحلة الثانوية ولأني أزهري فلدينا حرية اختيار المرحلة الثانوية إما العلمي أو الأدبي.

وبتفكير محدود من طفل آنذاك أردت اللحاق بالنظام الأدبي، متجاهلاً بعض الإمكانيات التي رآها والدي عن كثب، ومعارضاً كل الآراء حولي من أهلي وأصدقائي، مُدّعياً أن هذا القسم لا يناسبني وأني لا محالة ضعيف القدرات محدود الأمل، وعندما دق ناقوس تقديم الأوراق اكتشفتُ أن أبي قد كلف أحد أصدقاءه بتقديم أوراقي للقسم العلمي دون علمي بذلك، فلم أجد بُدّا إلا الإنسياق لأوامره.

وبعد مدة قصيرة رأيت لطف الله الذي تمثل في رأي أبي، فاكتشفت الجانب المشرق من نفسي وتفوقت على أقراني بفضل الله وحده.

دارت رحى الأيام مسرعةً والتحقت بكلية الطب، هذه النتيجة التي لم أتوقع يوما وصولي لها بمقدماتي الرّثة.

يُذَكّرُني أبي بهذا الموقف إبّان صعوبات واجهتني في الدراسة، ثم يردف كلامه الثمين معلقاً:-

"أيْ بُنيّ رُبّ خيرٍ لم تنلْهُ كان شراً لو أتاكَ، اعلم يا صغيري أن الله ما وضعك في مكان ما إلا لأنك كُفء له، خُذ بالأسباب واترك النتائج للمُسَبِّبْ."

وأرى أن هذا هو التحليل الكامل [الخير هو ما أنت فيه، لا ما أردته أنت]. (2)

ختاما عزيزي القارئ، جزءٌ كبيرٌ من الراحة النفسية تجده في المصالحة مع نفسك، أن تتقبّل وضعكَ أياً كان، أن تتعامل مع ظروفك بواقعية، وأن تؤمن أنّ الدنيا ليست جنة، لكنها ليست جحيماً كذلك، فلا تجلد ذاتك!

‏أعترفُ أن الله أعطاني أكثر مما أستحق، وأكرمني أكثر مما اجتهدت وكان معي أضعاف المرات التي ناديته بها، ولم يتركني رغم أني ابتعدت، ولم يخذل ظني الجميل به رغم أن ظني كان في كثير من المرات أشبه بالمستحيل، وأعترف أنني لو أشكره أبد الدهر ما وفيته عظيم صنعه معي وكرمه عليّ وجميل لطفه بي.


  • 4

  • إبراهيم شرباش
    أدرسُ الطبَّ، وأهوىٰ الأدب، منحني اللهُ قلباً ثانياً ينقبضُ فِي يَميني فيُمَرِّرُ الحرفَ تِلوَ الآخَرِ بخِفّةٍ وسلامٍ كانسيابية الفراش على الزهور، ورُزِقتُ رئةً ثالثةً تغمرني بنشوةِ الضّادِ في مسامعِ البُلغاءِ، وابت ...
   نشر في 28 ديسمبر 2018 .

التعليقات

اعتقد يا عزيزي بأننا يجب ان نعيش وفق المنهج وإن فعلنا لا ضير بالامواج او الرياح التي تعصف ، نسيت ان تذكر قصة سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام وعلى نبيا اتم الصلاة والسلام ففي البداية حب الاب ومن ثم الامتحانات والاختبارات التي كانت اصعب من بعضها الى ان وصل الى ان اصبح عزيز مصر ، واحب ان اذكرك باننا برحمة الله ملوك جميعنا ويمكنني ان أقول 80% من البشرية ملوك ولكنهم لا يدرون ذلك وأورد لك الشهادة من النبي الكريم محمد صل الله عليه وسلم قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا)
1
إبراهيم شرباش
صلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
تحياتي أستاذي الفاضل، رأيتُ أن الكلام في هذا الشأن كثير، ولو تدبرنا لطف الله عز وجل (الخفي)
لما أسعفتنا أقلامنا في وصفه أو الحكاية عنه
ولذا اختصرت قدر الإمكان حتى لا يمل القارئ
خاصة وأن هذا أول مقال لي، أتمنى أن يحظى بإعجابك.
أكيد أن ما كنا نطلق عليه فشلا ما هو إلا مجموعة خبرات وتجارب..استمتعت بقراءة النص
3
إبراهيم شرباش
سعيدٌ جداً بإطرائك المنمق
شكرا - أستاذتي- لمرورك الكريم

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا