عُصاره قلم - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

عُصاره قلم

الكاتب احمد جمال

  نشر في 04 شتنبر 2015 .

مثلما النار بحاجة إلى قش يغذيها ويبقي لهيبها مرتفعاً ، كذلك هي الحياة بأشد الحاجة إلى مبدعين وفنانين ورسامين كبار ، جريئي البصر وشجعان البصيرة ، واستعدادهم أطول من قاماتهم ، وأفكارهم أقوى من أجسادهم.

الأسفل يحمل الأعلى

تحمل الصخور الكبيرة الحجارة الصغيرة ، والجذوع الثخينة الأغصان النحيفة ، والجبل القمة، والقمة الراية، والبحار السفن والعواصف، هكذا هي الحياة. ضريبة على الثقيل أن يحمل الخفيف، إن الكبار في العادة هم الذين يبسطون أيديهم ويفتحون صدورهم لحمل الآخرين واحتضانهم.

أليس العقلاء من الرجال يشبهون الصخور العملاقة، يحمون الصغار ويتحملون أذى الحمقى، و(نصف العقل مداراة الناس، وكل العقل مداراة السفهاء).

كانت صغيرة

كل جبار كان صغيراً وضعيفاً ذات يوم..

ألا ترى التماسيح والديناصورات كيف خرجت من بيوض صغيرة؟! ومن كان يصدق أن تلك النخلة الطويلة، كانت بلحة، وهذه السنديانة العظيمة كانت حبة بلوط، والبحيرة الواسعة كانت بركة ماء قبل أن تصبّ فيها الأنهار، والعاصفة الهوجاء كانت أمطاراً متفرقة ورياحاً مبعثرة قبل أن تكبر وتجتمع لتهبّ موحدة في وجه الغبار.

صخور وألغام

قد يقضي كثير من الناس حياته في التأمل والانتظار، دون أن تكون لديهم الجرأة والشجاعة لدخول حلبات السباق، أو المغامرة في ولوج محيطات الحياة وغاباتها الكثيفة. صحيح أن الأحلام والتمنيات والآمال ضرورية في حياتنا، لكنها معركة غير متكافئة مع الحياة ما لم يكمل تلك الأحلام والأمنيات الإقدامُ وقوة الإرادة والشجاعة للقفز عالياً فوق الصخور والألغام.

(وإن الإنسان لا تعثّره الجبال العالية، بل الحجارة الصغيرة، ومن يبقَ نائماً أو جالساً فوق الأرض فلا خوف عليه من السقوط)، إنما ينبغي الخوف والقلق على أولئك الذين يقتحمون الصعاب، ويدخلون المعارك.

سم ونار

مثلما تعرف الأشجار من ثمارها، يعرف الرجال من أعمالهم، ومثلما يعود النهر إلى البحر، يعود عمل الإنسان إليه.

(إن أعمالنا تحددنا كما نحددها، فليس من ثوبه يعرف الحكيم، بل من عمله، فقيمة الإنسان هي قيمة ما يشغله في الحياة..) فما بالكم إذا كان ما يشغله هو بث النور والمعرفة في العقول.

إن المعرفة قوة رهيبة إذا عرفنا كيف نستخدمها، فهي كالسم والنار، فالسم ينقلب دواء في يد العاقل، وداء في يد الجهلاء، والنار: نور في يد الكبير، وتبقى ناراً تحرق إذا لعب بها الصغار.

بصر وبصيرة

تبقى الكتب على مر العصور الجسد الذي حفظ لنا روح العلم والمعرفة والثقافة، والوعاء الذي منع الأفكار من التبخر والزوال، إذ لولاه ما وصلت إلينا حضارات العالم، وثقافات الشعوب. فمقياس تقدم البشرية وتطورها (ليس أن تنمو الأدوات، وإنما أن ينمو الإنسان).

(إن الكتاب هو النور الذي يرشد إلى الحضارة، والكتب هي الآثار الأكثر بقاء على مر الزمن).

الكتب قلاع العقلاء التي يلجؤون إليها، وبساتينهم وحدائقهم التي يتنزهون فيها.

(الكتب مرشد في الصغر، وتسلية في الكبر، ورفيق في العزلة)، إنها الصديق الذي لا ينافق ولا يخون، وقد يموت الناس، أما الكتب فلا تموت، ولا يستطيع أي إنسان، ولا أي قوة في العالم إلغاء الذاكرة.

سئل أحد الحكماء، وكان لا يجالس إلا كتبه:

ألا تستوحش؟

فقال: كيف أستوحش وأنا أجالس الأنبياء والشعراء والفلاسفة والحكماء؟!

وقيل لسقراط:

ألا تخاف على عينيك من كثرة القراءة؟!

فقال: البصيرة عندي، أهم من البصر.

أعلى.. وأغلى..

لا حب أعظم من حب المعرفة، ولا جمال أجمل من الكلمة الطيبة، ولا مال أغلى من الشرف، ولا عز أعلى من عزة النفس ولا غنى أفضل من القناعة، (ولا شيء يمكن أن يستر بني آدم إذا لم يستره أدبه وعمله الصالح).

صمت العطر

البعض من الناس، يشبه الروائح العطرة، وليس من الضروري أن يتكلم العطر كيف نعرف علمه ومقدار رتبته، يكفي أن يبقى صامتاً، ففي صمته بلاغة ما بعدها بلاغة. في أعماقنا قد نحب بعض الناس، بشرط أن يبقوا صامتين.

صبر

لم يجد المبدعون في هذه الحياة القصيرة، أصبر علينا من الأرض التي خرجنا منها، وإليها سنعود، فهي رغم حفرنا فيها، ورغم تفخيخ أشجارها وحرق قمحها وزيتونها، وتخريب وتفجير سهولها وجبالها في كل يوم مئات المرات، لا تكف هذه الأم الطيبة عن حملنا واحتمالنا، وفتح ذراعيها لنا في نهاية المطاف، كي تضمنا إلى صدرها الحنون إلى الأبد.

شجر وثمر

لا يثمر الكلام الطيب إلا في النفوس الكريمة، مثلما لا ينبت الورد والقمح إلا في الأراضي المروية.

ولا يهزم النميمة والدجل والنفاق إلا الصدق والأمانة، ولا يجهض الظلم إلا العدل، مثلما لايخنق العتمة إلا الفجر.

ولا تبقى أغصان الشجر مرتفعة، وشامخة إلا إذا كانت يابسة، ولن تورق وتحمل ثمراً مهما غنينا لها، وصفقنا حولها.


  • 3

   نشر في 04 شتنبر 2015 .

التعليقات

موفَّق دوما...أحسنتم.
0

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا