ما بعد الأزمة: أزمة الوحدة والفكر - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ما بعد الأزمة: أزمة الوحدة والفكر

ولدت أنا كشخص جديد في عالم لا ينام من القلق والتفكير، في عالم لا يعرف سوى البكاء والضعف

  نشر في 02 فبراير 2020  وآخر تعديل بتاريخ 02 فبراير 2020 .

إلي كل تائه، حائر، وحيد، ومبدع يدرك طاقته الكامنة، ولدت أنا كشخص جديد في عالم لا ينام من القلق والتفكير، في عالم لا يعرف سوى البكاء والضعف، إنها أزمة الوحدة والفكر.

أزمة الوحدة

مغترب لا أعرف أحد ولا أحد يعرفني، ربما كنت أعرف البعض، ولكنها معرفة سطحية من طرف واحد. الكثير من الألم والملل، والكثير من الفراغ والوحشة، لقد صرت غريباً في ذلك المكان، وكذلك غريباً في موطني، صرت أتعلق بحبل أي معرفة أو علاقة مهما كانت غايتها، كالجائع أعمي البصيرة، لا يري ما يأكل؛ في ذهن الطرف الاخر كائن غريب، غير مفهوم، أهو مريض أم مغرور! نحن لا نستطيع إدراكك، أنت في عالمك الزهيد، ونحن في عالمنا الوفير، ستتمسك بنا كتمسكك بالحياة، وسنتخلي عنك كتخلينا عن الموت، ستظل وحيداً حتي تصبح وفيراً مثلنا؛ عندما يكون ثرائك من الداخل، ليس مستمداً منا، بل من ذاتك فقط. لقد كنت في حاجة إلي الدعم، وإلي أحدهم يقول لي: أنت هنا! أنا أدعمك بقلبي وليس بلساني فقط! لم يظهر أحدهم، فكانوا عابرين، غير محظوظ فيهم، وكانت تلك نقطة التحول للملاك المنقذ - منقذي الذي ظهر كبت سنوات الوحدة به - هو منقذي الوحيد من الضياع، والعالم الزهيد، هو الذي يتجسد فيه كل ما هو سام ومؤذي؛ أختاره لينقلني للجحيم، ولأزمة الفكر.


أزمة الفكر

أهي فكرة؟ أم طاقة كامنة مكبوتة؟ أم هي أزمة ملل؟ متخبط في دروب الأفكار والفلسفات، لا أدري ما الصواب والخطأ، هل المغزي هو الجواب؟ أهناك جواب من الأساس؟ صرت أصدق كل شيء واللاشيء، صرت غريباً ليس لأحدهم، بل لنفسي أنا أيضاً. إنقلبت حياتي وأفكاري رأساً علي عقب، لتشمل أزمة الفشل؛ أن توزع انتباهك وطاقتك علي كل شيء واللاشيء، هو بالجحيم لمراهق يفتقد الدعم، وواقع في أزمة الوحدة في الثانوية - إنه الموت. صرت غريباً ناجحاً، ثم وحيداً مفكراً، ثم وحيداً فاشلاً. لقد كان عام الخذلان، خذلان في العلاقات، في الأفكار، وفِي النجاح؛ صرت كالمجنون لأحدهم، للأطباء، وللجميع، لم أكن بذلك الفطري الحميد، بل الفطري الخبيث الذي يجب القضاء عليه؛ وجوده غير مقبول لأنه خلل في نظام المجتمع، إنتشاره كوباء أو سرطان، ينبغي الوقاية منه. لم تسعني الحياة، ولم اتسع نفسي؛ ظلت فكرة العوالم الفاضلة ومنقذي الملاك منبع لمعاناتي، وفشلي في تحقيق الواقع جعل فكرة الموت والجنون منقذي الوحيد؛ بديلاً عن فكرة العوالم الفاضلة والملاك المنقذ التي حولت معني الحب، الأمل والثقة في وجداني، لكره، ويأس، وفقدان للتعاطف للجميع، فقدان للأمان والإنتماء. الإنتحار فكرة لا يجرؤ عليها المرء، إلا إذ كانت هي السبيل الوحيد والسريع لإنهاء معاناته، وإن كانت هي السبيل، فليس هناك الكثير من الشجعان والحمقي. لم يكن لدي الشجاعة ولا الحماقة الكافية؛ أخترت أن أنتظر مماتي دون أن أضع يدي فيه، آملاً في أن يأتي قريباً دون تدخل مني، وكان ذلك أملي الوحيد الباقي، لأنتقل لما بعد الأزمة.


ما بعد الأزمة

تحقق أملي، وتحقق الموت، لكن ليس موتي أنا، بل موت وهم الوحدة والفكر. تموت الفكرة وتموت المشاعر، فكل شيء له طاقته التي تزدهر وتذبل حتي تموت، وفِي حالتي الموت كان مجهولاً، لقد كان مجرد أمل تحقق مع ذبول الفكرة. تحولت طاقتي الكامنة وإنتباهي لعالمي الخارجي؛ أستكشف ما حولي من تجارب تأتيني كالصدف، لا أسعي إليها، ولعل أوهامي هي ما منعتني من السعي. الجميع لاحظ شفائي، ومازال متعجب: لعله القدر الذي شفاك! لا بل أرادتي في الموت كانت هي الدواء، فقد جعلتني أري ببصيرتي، دون تدخل من أوهام الوحدة والفكر ــ عندما يفقد المرء الأمل في الحياة يصير همه صفراً، فيري الحقيقة خالية من شوائب المشاعر والفكر. تحول إنتباهي من العوالم الفاضلة والملاك المنقذ، للعوالم الواقعة والذات المنقذة (الإعتماد الذاتي)؛ صار عالمي وذاتي مسؤوليتي وليس مسؤولية مشاعري، فكري، ولا أحدهم، أوجه طاقة العطاء لأشخاصها، وطاقة الفكر للفن والتأمل، تحولاً للعلم والبحث، أزدهر مرات وأذبل مرات، تستمر الصعاب، الأحكام، التناقضات، وعدم التعاطف وأنا أستمر في تأملي وتجاهلي لكل ما يأخذني للإنتحار - كالجرح الملتهب الذي يتحسس من مثيرات الماضي، أتجاهله أنا. لقد كنت في المرحلة الحرجة، ومازال لا أحد يدرك جحيمي، لكني أستسلمت للحاضر وآمنت بنفسي - الإيمان عكس الأمل، فالإيمان هو الإستسلام، أما الأمل هو الأعتراض والتصدي للواقع ومسيرة الحياة. فقط عندما بدأت السعي أنتقلت لمرحلة الشفاء الحقيقية - الشفاء من الداخل، شفاء نفسي أنا، وليس الشفاء الخارجي الذي رأه المجتمع، آمنت بنفسي القوية الساعية، وأخذت عهداً عليها بأن لا تضعف لأي صعاب قادمة، وتظل تسعي لسلامها مهما قابلت من خذلان، قسوة، وفقدان للتعاطف؛ لا تتفاجيء من المشاعر والفكر، بل تظل متزنة، معتمدة علي ذاتها لا غيرها.


إلي كل تائه، حائر، وحيد، ومبدع يدرك طاقته الكامنة

الطريق الصحيح لسلامك النفسي، هو ما يبدأ بإشباع حاجاتك الجسدية، العقلية، والعاطفية، فلا تتصدي وتعترض واقع ومسيرة الحياة، وتختار الأمل لملاك منقذ - شخص أو هدف، أو عالم فاضل - عزلة أو سفر، بل أبدء في إشباع حاجاتك بذاتك، حتي ولو كان ما حولك بأقل القليل، تخلص من أوهام المشاعر والفكر، وحول إيمانك لذاتك وسعيك، لا تجعل أحدهم أو شيء هو أولويتك، بل نوع تجاربك ووزع إهتمامك. قد تظن بأن رؤيتك هي الحقيقة، أو سبيلك هو السبيل الوحيد، ولكن الحياة أكبر من أن تتناولها بمنظور المشاعر والأفكار. تأكد دوماً أن الإيمان والبصيرة هما المنقذ لك من الوحدة والإنتحار، فهناك دائما سبل لإشباع حاجاتك، أعط مساحة وفرصة للتجارب ولمن حولك للتعاطف والتأثير عليك، فقد يكون منظورك مجرد وهم.



   نشر في 02 فبراير 2020  وآخر تعديل بتاريخ 02 فبراير 2020 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا