فِــــــــي معاني الجزائري - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

فِــــــــي معاني الجزائري

  نشر في 28 يوليوز 2019 .

في حالة الطبيعة يعيش الجزائري وفقا لمبدأ الشهوة، ويكون شغله الشاغل هو تحقيق مصلحته بكل الوسائل المتوفرة ولو على حساب الآخرين، ولم يكن بوسعه أن يتصرَّف في ضوء العقل السليم، لأنَّ معظم تصوُّراته للرغبة والمنفعة توجهها الغرائز الشهوانية والانفعالات التي لا تهتم بما وراء اللحظة الراهنة والموضوع المباشر.

والسبب في ذلك أنَّ الجزائري هو جزء من الطبيعة، واقع تحت قوانينها؛ ومِن قوانينها الأساسية، أنَّ لكل موجود حقٌّ مطلق على ما يقع في نطاق قدرته، وأنَّ كلَّ شيء يحاول الحفاظ على وجوده والبقاء على وضعه، بقدر ما له من قوَّة من غير أن يراعي في ذلك أيَّ شيء آخر.

هذا هو حال الجزائري في الطبيعة، لا يملك سوى أن يسلك وفقا لما تمليه عليه طبيعته، مثله في ذلك مثل سائر الموجودات الطبيعية، ولا فرق في ذلك بين الأذكياء والأغبياء من الجزائريين؛ ولذلك، فإنَّ كل مَن يتصرَّف وفقًا لقوانين الطبيعة، إنَّما يمارس حقَّه الطبيعي المطلق، وإذا كان ذكيا، فإنَّه يستخدم قدراته العقلية وفقا للمنطلق الطبيعي، وبذلك يظل خاضعا لقانون الشهوة دون غيره، ساعيا إلى السيطرة على كلِّ ما يقع تحت قدرته، فتمتدُّ حقوق الجزائري إلى الحدِّ الأمثل الذي ترسمه القدرة المشروطة (بالتغيُّرات الطبيعية).

ولمَّا كانت حالة الطبيعة خالية من السلطة السياسية، وحيث أنَّ الدفاع عن النفس حق طبيعي، فإنَّ هذا الحق مشروط بالقدرة على استعمال القوَّة، لا الحق في الدفاع عن النفس، إذن، إلاَّ لمَن له القدرة على ذلكـ، يُمكن القول بعبـــــارة أخرى: إنَّه بانتفاء القدرة ينتفي الحق.

وبسبب "جهل" الجزائري بقوانين العقل، انعدمَ فيه الروح الخُلُقي، ليس في حالة الطبيعة، إذن، شيء من قبيل السلطة السياسية والتشريعات الوضعية أو الإلهية والأخلاق، فيقول الفيلسوف الجزائري:

"مِن اللازم وصف حالة الطبيعة على أنَّها حالة لا وجود فيها، لا للدين ولا للقانون، وبالتالي: لا وجود فيها للخطيئة والذنب".

ليس في الطبيعة معيار للتمييز بين الخير والشر، ولا بين العدل والجور، وبعبارة واحدة: لا وجود فيها لمعاني الأخلاق، وهذا رأي ينسجم تمام الانسجام مع تعاليم "القرآن الكــــريم" الذي نسب إليه الفيلسوف الجزائري قوله بأنَّه لا وجود للخطيئة قبل الشريعة، وبهذا المعنى يمكن فهم الكثير من الآيات التي ورد فيها الانذار من عذاب جهنَّم.

يقول الفيلسوف الجزائري:

"إنَّ الحق والقانون الطبيعيين اللذان ولد الجزائري في أحضانهما وعاش في كنفهما لا يُحرِّمان إلاَّ الأشياء التي لا رغبة لأيِّ أحد أو التي لا يستطيع أحد نيلها: فهما لا يحرِّمان العنف، ولا الحقد، ولا الغضب، ولا الخداع، ولا أيَّة وسيلة من الوسائل التي توحي بها الرغبة الشهوانية".

ولذلك كانت القدرة أو القوَّة هي المعيار الوحيد للحق، في حالة الطبيعة لا يكون البقاء إلاَّ للأقوى، ولكنَّ القوَّة لا تدوم، فالقويُّ اليوم ضعيف غدًا، ومع خوار القوَّة تتعطَّل آليات الكاناتوس وتتقلَّص حدود الحق تدريجيا إلى أن تصل إلى المستوى الذي يصبح معه الحفاظ على البقاء أمرًا مستحيلا، ومِن هنا ظهرت الحاجة إلى الاسترشاد بالفعل باعتباره الوسيلة الكفيلة لضمان الأمن والبقاء للجميع.

الاسترشاد بالعقل معناه الارتقاء فوق الأهواء الشخصية، وتجاوز نزعة التمركز حول الذات، ذلك هو السبيل الوحيد لإقامة علاقات التعاون بين الجزائريين، يخبرنا العقل بأنَّ التعاون المتبادل هو الكفيل بتوفير الأمن على الحياة والممتلكات لكل جزائري، فإذا كان العقل يحثُّ الأفراد على إقامة روابط اجتماعية فيما بينهم على أساس من التعاون المتبادل، فإنَّ الغرائز الشهوانية تدفع كل جزائري إلى التمركز حول الذات، فيصير أنانيا، وإذا تغلَّبت الغرائز على العقل، أدَّى ذلك إلى نشوب صراعات طاحنة بين الجزائريين.

نخلص من ذلك كلِّه إلى القضية التالية: الشهوة تفرِّق الشمل والعقل يجمعه، إنَّ للعقل، إذن، دلالة اجتماعية من حيث أنَّه يمتِّل الشرط الضروري لتأسيس مجتمع جزائري وتقوية الروابط الاجتماعية، وأمَّا الرغبة الشهوانية والانفعالات، فإنَّه مِن شأنها أن تقوِّض دعائم الاجتماع، المعاشرة والتآلف. 



   نشر في 28 يوليوز 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا