عولمة الجوع ، و الإحتباس الغذائي الجديد .. بقلم مهدي جعفر - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

عولمة الجوع ، و الإحتباس الغذائي الجديد .. بقلم مهدي جعفر

  نشر في 15 نونبر 2017  وآخر تعديل بتاريخ 24 نونبر 2017 .

 

  اتجه العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ، إلى التنافس الشديد بين الأطراف التي خرجت من الحرب منتصرة ، من أجل توسعة النفوذ و تعظيم القوة العسكرية و اختلاق سبل جديد لتضخيم الإيرادات الإقتصادية ، كل ذلك بكلمة: من أجل السيطرة على العالم ، غير أنه بعد عز الحرب الباردة ، كان العالم يبدو "متوازنا" من ناحية القوة العسكرية و الديبلوماسية و لا نقول -بتحفظ شديد- إقتصاديا بين قطبي القوة الدولية ، غير أن سقوط أحد أطراف هذا التوازن الذي تجسد في تفكك الإتحاد السوفياتي سنة 1991 ، ومعه فشل -آنيا- التطبيق الاشتراكي الشيوعي في كل مكان ، حيث حلَّ في الحين محل شعار “التأميم” شعار “الخوصصة” ، و محل شعار “الأممية البروليتارية” شعار “العولمة” ، ليسقط بذلك شعار "الإشتراكية هي الحل" و ترتفع أصوات تنادي بـ”الليبرالية هي الحل” ، كان هذا التحول يشي و يؤشر إلى أن البشرية ستدخل عهدا جديدا لا يشبه في مجمله عهودا خلت ، حيث سيتمظهر العالم في شكل جديد من السياسة و الإقتصاد و الإجتماع ، نتيجة حكامة و قيادة مختلفة جعلت من "السيطرة" هدفا استراتيجيا و "الربح السريع" أسمى غاية ، عبر آليات أُضفيت عليها القوننة و الشرعية من طرف أوليغارشية(1) رأس مال الدول الصناعية الغربية .

   من أجل فهم رصين لهذا التحول العالمي ، سنعمل على بسط أفكار كتاب "سادة العالم الجدد-Les nouveaux maitres du monde" ، لصاحبه "جون زيغلر-Jean Ziegler" عالم الإجتماع و الإقتصادي السويري ، الذي سمح له عمله كمفوض سامي لبرنامج الأمم المتحدة للحق في الغذاء بأن "يفهم" أولا القواعد الجديدة لسير العالم ، ثم "يفضح" ثانيا قواعد هذا النظام الرأسمالي العالمي الجديد ، الذي يوزع على جزء صغير من العالم الرفاهية و الغنى و على جزء كبير الفقر و الإملاق ، و ذلك في سلسلة كتب أشهرها :"أسياد الجريمة" -"المافيا الجديدة" -" الجوع كما أرويه لإبني" - "النهابون" - "إمبراطورية العار" ، و نظرا لأهمية الموضوع و مبلغ أثره في حياتنا ، سنستحضر تحليلات مفكرين مميزين آخرين كتبوا في نفس الموضوع ، حتى تكتمل الصورة بشكل عميق ، من هؤلاء "فرانسيس مورلييه" و "جوزيف كولينز" في كتابهما "صناعة الجوع" ، كما سنستقصي أفكار "جون بركنز" في كتابه "الإغتيال الإقتصادي للأمم -اعترافات قرصان اقتصادي" ، بالإضافة إلى عرض أهم أفكار كتاب بالغ الأهمية في هذا الصدد ، و هو المعنون بـ"أسطورة التنمية في العالم الثالث" لصاحبه "أزوالدو دي ريفييرو" ، كما سنستأنس ببعض طروحات "سيرج لاتوش" صاحب المؤلف الشهير "تغريب العالم-L'Occidentalisation du monde" ، و "هانس - بيترمارتن" في كتابهما "فخ العولمة" .

  من ناحية مورفولوجية الكتاب ، فهو يتوزع على 19 فصلا بالإضافة إلى مقدمة و خلاصة ، منقسم إلى 4 أبواب ، في أكثر من 300 صفحة من الحجم المتوسط . 

  عموما إذا أردت أن ألخص أطروحة الكتاب ، أمكن القول أن الكتاب في مجمله: "كشف و فضح للمنظمات العالمية مثل منظمة التجارة العالمية OMC و البنك الدولي BM و صندوق النقد الدولي FMI ، و دورهم في تفقير العالم و تجويع الشعوب و استغلال مقدراتها الطبيعية ، عبر الإقتراض الذي يؤدي إلى الخصخصة إذا لم تدفعه الدول الدائنة ، ذلك عبر فتح الطريق للشركات العملاقة متعددة الجنسيات للتمدد و شراء القطاعات العامة للدول المعوزة ، و بالتالي السيطرة على العالم اقتصاديا ، كل ذلك بضغط و توجيه تنبعث أوامره من واشنطن أو نيويورك غالبا ، حيث يوضح الكتاب الدور الذي تلعبة أمريكا تحت الطاولة في إذلال أغلبية البشر على كوكب الأرض" .

  يبدأ زيغلر الكتاب بمقدمة ضافية ، تضمنت الخطوط العريضة لمحتوى الدراسة ، مع بعض الأرقام و الملاحظات التي إن حدث و مر عنها القارئ ، لا يمكن أن يفارق الكتاب إلا بعد أن يفرغ من قراءته نهائيا ، بل يمكن أن يكرر قراءته إن قتضى الحال ، من بين هذه الأرقام أن في "كل سبع ثوان يموت طفل عمره أقل من 10 سنوات" ، سنة 2001 كان أكثر من 826 مليون إنسان في حالة خطيرة من نقص التغذية (2) ، يموت كل يوم 100 ألف إنسان من الجوع ، في نفس الوقت تضاعف الإنتاج العالمي و زاد حجم التجارة الدولية ثلاثة أضعاف (3) ، لكن في نفس الوقت ركام جثث البشر الهزيلة و النافقة من جراء الجوع تتزايد . فما سبب هذا التناقض ؟ ففي الوقت الذي تجود به الطبيعة بحجم غذاء صالح لإطعام 12 مليار من البشر أي -تقريبا- الضعف (4)، يموت كل يوم هذا العدد المهول من البشر بسبب الجوع ؟ حيث أفاد آخر تقرير دولي عن منظمة الصحة العالمية ، قبل أيام قليلة بالضبط 15 سبتمبر 2017 أن : "815 مليون شخص يعانون الآن من الجوع – و ملايين الأطفال معرضون للإصابة بسوء التغذية" (5) .

  يجيب الكاتب مسبقا -و تاليا التفاصيل- بأن الجوع المستمر و نقص التغذية المزمن من صنع بعض البشر ، بالضبط هو نتيجة للنظام العالمي الإقتصادي الجديد ، القائم على الخصخصة التي توفر لأصحابها إيرادات مالية خيالية ، في عدم مبالات لتبعات الشعوب التي فرضت عليها الخصصخة بعد عدم قدرتها على دفع ديونها لمؤسسات دولية مثل "صندوق النقد الدولي" ، و بذلك تجبر الدول على بيع ما تملك للشركات الرأسمالية بالتواطؤ مع أنظمة استبدادية فاسدة في العالم الثالث ، بل يتم تحويل هذه الدولة إلى شرطي يحمي مصالح هذه الشركات ، حيث ستقدم بعضها على "إعدام من يتعرض لمصالح هذه الشركات نقدا أو معارضة" ، هذا ما يقتل أي هامش للتنمية في هذه الدول ، ما يرغم على أهلها هجرها و مغادرتها بطرق في الغالب غير قانونية ، ما يعجل بمسرعهم في البحار أو في الجو كما حصل مع مهاجرين سريين إفواريين -حكى الكاتب قصتهما- حيث وجدوا جثث مشوهة في مقصورة عجلات إحدى الطائرات المتجهة نحو أوربا ، و من ذلك يؤكد زيغلر أن كل شخص يموت جراء الجوع ، فهو ضحية "جريمة اغتيال" (6) .

 في القسم الأول من الكتاب المعنون بـ"العولمة- التاريخ و المفاهيم" ، يُسَطِّر زيغلر و يحدد الأشكال الأولية للعولمة ، ذلك حيث توجد أطروحتين تفسر ظهور الرأسمالية ، التفسير الأول يعود لعالم الإجتماع الألماني "ماكس فيبر Max Weber" الذي يرى أن المذهب الكالفيني البروتستانتي الذي يتضمن اعتقاد يفيد بأن ميسورية و غنى العبد يعبر عن رضا الله ، هذا ما جعل العائلات البروتستانتية تجتهد في العمل و اكتناز الأموال إلى حين ملكية رأس مال ضخم (7) ، أما الأطروحة الثانية فهي التي تعود "لكارل ماركس Karl Marx" ، حسب هذا الإتجاه فإن الأشكال الأولية للعولمة نَتَأَت بعد الإكتشافات الجغرافية في القرن 15-16م ، مرحلة سماها بعض الباحثين كـ"فرانسوا بوديل Francois Baudel" بـ"الإقتصاد العالمي" الذي سيتحول إلى عولمي فيما بعد (8) . حيث تكاثرت الثروات عبر النهب المنهجي كما وصف بمرارة "كارل ماركس" قائلا: " يأتي رأس المال بثمن الدم والطين الذي ينضح من جميع مسامات العمال ، في أوربا كما في العالم الجديد من قبل" (9) ، لتقريب الصورة نشير إلى أن عدد العبيد بين الفترة الممتدة ما بين وصول أول مراكب بعثة الإكتشاف و تاريخ إلغاء العبودية ، بلغ 20 مليون إنسان مستجلب قسرا من أفريقيا ، أما عائدات ذلك المادية ، فحسب ما أفاد به "أونري فرانك André Gunder Frank" أنه وجد في جامايكا ما بين 1773-1774م ، 100.000 عبد أفريقي يشتغلون في 775 مزرعة ، جنت إنجلترا من هذه المزارع أرباحا صافية -اعتمادا على تقديرات ماركس- بلغت 1.500.000 جنيه (10) . هكذا فالإقتصاد الرأسمالي ما فتح سبل ظهوره ثم تضخمه هو الإكتشافات الجغرافية ، و ذلك ما ساعد أوربا على تمويل الصناعات الحديثة ما أعقبه انبثاق "الثورة الصناعية La révolution industrielle" خلال القرن 18م ، المرحلة التي ستعرف بعد قرن ميلاد "كارل ماركس" أكبر فاضح خلده التاريخ للاإنسانية النظام الإجتماعي و الإقتصادي للرأسمالية الوليدة.

  سيظل النظام الإقتصادي الجديد يتطور ، عبر بيع العبيد و نهب ثروات الدول الضعيفة بالإضافة إلى الإستعمار ، حتى بلوغ سنوات ما بعد الحرب العالمية 2 و بالضبظ مع سقوط جدار برلين و تفكك الإتحاد السوفياتي ، هذه الأحداث هي من تأرخ "لولادة و انتشار العولمة المتوحشة" ، حيث ستذوب كل الفروقات السياسية و الآيديولوجية و الثقافية طوعا أو كرها في بوثقة السوق العالمي (11) ، و به سيصبح هذا الأخير هو الإله الجديد الذي يحكم العالم ، و كغيره من آلهة التاريخ الغير آبهة لآهات البؤساء و لا الرحيمة بضعف الفقراء ، حيث يمنح هذا السوق للأغنياء غنى جديدا و يضيف للفقراء فقرا على فقرهم ، فثروة الأفراد ال15 الأكثر غنى في العالم تتجاوز قيمة الإنتاج الداخلي لجميع البلاد الأفريقية جنوبي الصحراء .

  من الناحية المفاهيمية و التعبيرية ، فأول من صك مصطلح "عولمة GLOBALISATION" و أودعه في المجال التداولي العالمي ، هو الكندي "مارشان ماكلوهن Marshall Mcluhan" أستاذ علم الإجتماع السياسي في جامعة كلومبية ، و ذلك في ستينات القرن المنصرم ، كما يُحال إليه نحث مصطلح آخر تابع للمصطلح الأول و هو "القرية الكونية أو العالمية Le village cosmique ou global" ، ذلك بمعية صديقه "زبغنبو برجنسكي Zbigniew Berzinski" صاحب أطروحة "نهايات الآيديولوجيات" الذي تزامن مع بزوغ الثورة الإلكترونية ، التي كان يرى فيها ترسيخا للقوة الأمريكا (12). 

  يلاحظ زيغلر أن الحرب الباردة "قضت خلال ما يزيد على نصف قرن على كل مشروع مشترك للإنسانية" ، ذلك حيث كان أمل البشرية عريضا بعد 1991 أي بعد انقضاء الحرب الغير مرئية الدخان ، إذ كان منتظر امتلاك زمام أمر العالم من طرف الأمم المتحدة مع منظماتها الدولية العشرون . غير أنه ثم فرض "اليد الخفية" للسوق العالمية بتوجيه و ضغط من الإمبراطورية الأمريكية كما يسميها زيغلر (13) ، بهذا الإختيار ستنحرف آمال البشرية عن الخط الإنساني المنشود ، حيث ستستفرد بلاد العم سام بقيادة العالم ، و به صدحت حناجر كبار المسؤولين الأمريكيين إبان هذه الفترة ، من هذه التصريحات ما أفاد به رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي "Jesse Helms جيسي هيلمز " قائلا: "نحن في مركز الدائرة و نريد أن نبقى في المركز، وعلى الولايات المتحدة أن تقود العالم بالحق و القوة ، و أن تكون قدوة لجميع الشعوب الأخرى" .

  كي تبلغ أمريكا هذا الطموح الجهنمي ، رفضت التوقيع على اتفاقيات حضر تصنيع الأسلحة البيولوجية ، بل أنفقت سنة 2002 على التسلح ما يزيد على 40 في المئة من مجموعة النفقات العسكرية لجميع دول العالم (14) . كما ألغى الرئيس بوش سنة 2001 معاهدة الحد من انتشار الصواريخ الباليستية العابرة للقارات ABM ، يضاف إلى ذلك أن هذه الدولة ذات السياسة المتوحشة رفضت التوقيع على إقرار سلطة "محكمة الجزاء الدولية" ، التي تتمتع بشرعية محاكمة الشخصيات النافذة كرؤساء و وزراء و ملوك الدول و الحكومات الخارقة للقوانين الدولية ، أو المنتهكة لحقوق الإنسان ، حيث أن انطلاق اشتغال هذه المؤسسة الدولية لا زال متعثرا حتى الآن ، كما اعترضت أمريكا على مبدأ العدالة الدولية عندما رفضت توقيع "معاهدة روما" 1998 الخاصة بهذا الشأن ، مثل آخر على الصلف الأمريكي تجسد في سحب المجرم "جورج بوش" بلاده من الإلتزام بـ"اتفاقية كيوتو" ، التي تتضمن الخفض التدريجي لابعاثات غازات الدفيئة الحابسة للحرارة ، حيث أن 24 في المئة من هذه الغازات تصدر من أمريكا لوحدها (15) ، يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأمريكي الجديد الرأسمالي هو الآخر رفض توقيع "اتفاقيات باريس 2017" مؤخرا ، التي تتغى نفس غاية اتفاقية كيوتو . فهذا التهرب من توقيع أو الإلتزام بالإتفاقيات الدولية التي ترمي إلى تقييد الممارسات العسكرية أو الإقتصادية ، يعني أن الولايات المتحدة الأمريكا دولة لا تنسحب عنها إلزامية القانون الدولي ، و هو ما يجعلها دولة مارقة تقتل هنا و تحرق هنا ، تقصف هناك و تنهب هنالك ، دون محاسبة و لا عقاب .

  هذه هي آيديولوجة السادة إذن ، لقيادة إدارة عالمية عبر سوق كوكبية يجب الإنفلات أولا من كل قيد أو تثبيط قد يسببه قانون أو اتفاقية ، هذا من جانب ، تاليا حتى تصفوا المشارب للمهيمنين ، عملوا على تنظيم ما سمي بـ"توافق واشنطن" ، الذي سن قوانين جديدة للتجارة الدولية ، كان من بينها: على كل دولة دائنة (مقترضة) إدخال إصلاح ضريبي يقوم معيارين مها: تخفيض الرسوم الضريبية على الدخول المالية العالية - ثم توسيع قاعدة الإستثمارات الضخمة عبر إسقاط المساطر القانونية المتعلقة بالمسائل الإقتصادية - التحرير الكامل و السريع للأسواق المالية ، تأمين المساواة بين الإستثمارات الخارجية و الداخلية - تفكيك قدر المستطاع القطاع العام خصوصا المؤسسات التي تمتلكها الدولة - تقوية الملكية الخاصة - تشجيع تحرير التبادلات و تخفيض الرسوم الجمركية إلى 10 بالمئة فقط - إلاء الأهمية للقطاعات المنتجة أكثر (16). هذه هي خلاصة "توافق واشنطن" التي تحاول بعض الدول الفقيرة التنصل من الإلتزام ببنوده . فواضح أنها شروط تعجيزية لدول العالم الثالث و منع إقلاع إقتصاداتها المحلية ، عبر "خصخصة" قطاعاتها العامة و بيعها إلى شركات عابرة للقارات المالكة لرؤوس أموال ضخمة جدا ، لعل ذلك ما جعل مجلة مشهورة مثل "مجلة Economist" ، تعلق بسخرية على توافق واشنطن كالتالي: "و من لا يرى في هذا التوافق مؤامرة لإغناء أصحاب المصارف" ، غير أنه و مع وضوح مظلومية هذا التوافق فإن أمريكا ظلت تنافح و تذب عن هذه البنود بعناد أمام كل رافض أو ثائر ضد توافق واشنطن .

 هذه الظروف جعلت أحد أعمدة الفكر الإنساني المعاصر مثل "بيير بورديو Pierre Bourdieu" يصرح بحسه الماركسي أن: "الظلامية تعود عبر تخلي الحكومات الليبرالية و الإشتراكية عن وظيفة مراقبة الأنظمة الإقتصادية المحلية ، بل و إدماجها في إقتصاد عالمي ، يقوم على عقلانية صارمة مزيفة و قوانين السوق التي ابتدعها أصحاب رأس المال المعولم" (17)، في نفس السياق يقول كذلك "آلان توران Alain Touraine" السوسيولوجي الفرنسي المشهور ، عبارة تستظهر أكثر مما تستضمر من الأخطار ، فل نقرأ: "تقوم حفرة سوداء بين السوق العالمية المعولمة و وعي الأفراد ، يقوم الإحتمال المدمر في أن يسقط في هذه الحفرة: الإدارة العامة - الأمة - الدولة -القيم - العلاقات الخاصة بين الأفراد و الجماعات- وباختصار: المجتمع ككل" (18) . في الواقع فقد سقطت الكثير من المجتمعات في هذه الحفرة السوداء و من يومها لم تصعد قط ، هذه الحفرة بكل بساطة هي الإقتراض المستتبع بالخوصصة ، و بذلك تفقد الدول السيادة على ثروتها و قراراتها الإقتصادية ، أي استعمار بكل ما تحمل الكلمة من معنى ، لكن "استعمار  قانوني" و بغير سلاح و لا احتراب ، بل باتفاقيات و منظمات دولية خاصة .

  هكذا فـ225 من الأفراد الفاحشي الثراء ، ثروثهم تساوي الدخل الإجمالي السنوي لـ2.5 مليار شخص هم الأفقار بين سكان العالم ، أي 37 بالمئة من سكان العالم . إن قيمة ممتلكات 15 شخص الأكثر غنى في العالم تزيد على قيمة مجموع الإنتاج القومي لجميع دول أفريقيا جنوب الصحراء ما عدا جنوب أفريقيا ، بالإضافة إلى أن 200 شركة متعددة الجنسيات تحتكر 23 بالمئة من التجارة العالمية (19) ، كمية الأسمدة المستخدمة لصيانة عشب ملاعب الكولف الأمريكية تعادل كمية السماد الذي تستعمله الهند لإنتاج الغذاء سنويا (20) ، 3 في المئة من ملاك الأراضي يسيطرون على 79 في المئة من الأراضي الصالحة للزراعة في 83 دولة نامية (21) ، نضيف معلومة من حول الرواتب بين الرأسماليين و الفقراء بذكر أن "ميشال آيزنر Michael Eisner" رئيس لجنة العمل الوطنية الأمريكية يتقاضى راتبا خياليا ، يناهز 2783 دولار في الساعة ، أي ما يساوي أجرة عامل هايتي لمدة 12.8 سنة دون توقف (22) . و بذلك فالأرقام تتكلم معبرةً على مدى سيطرة الإقتصاد الرأسمالي المعولم على العالم .

  في الباب الثاني المعنون بـ"النهابون les pillards" ، يتضمن 6 فصول ، حيث يوضح زيغلر أخلاق النهابيين الذي يتعجت صاحبا كتاب "صناعة الجوع" من جشعهم ، و أنهم بشر يتعكر مزاجهم لو حدث خلل في أسعار السوق ، و لا يأبهول لملايين الأطفال الجائعين (23) ، و أحيانا تختلط مشاعرهم و يفقدون سعادتهم كما هو الحال مع القرصان -كما سمى نفسه-"جون بركنز" (24) ، و أحيانا أخرى يلوكون أكاذيب ترضي ضميرهم كما يؤكد هارالد شومان (25) ، أما عن أخلاقيات السوق التي تقوم على سحق المنافسين و تدمير المنافحين على غير النظام الرأسمالي ، و إذلال العمال و الشغيلة في تشابه كبير بقانون الغابة ، و هو تعبير أطلقه "غاري ريفن Gary Rivin" على جو العمل في شركتي مايكروسوفت و أوراكل ، فل نستمع له: " لا يمكن أن يطلق وصف رأسمالية الغابة على مكان باستحقاق كما يطلق على هذا الجو" ، كما ينقل هذا الصحفي عن جلسة عمل قال فيها رئيس الشركة للموظفين بالحرف: "نحن محاربون و أكلة لحوم المنافسين" (26) ، كتب كذلك "ليون بلوي Léon Bloy" واصفا طريقة حياة و سلوك أوليغارك رأس المال المعولم قائلا: "الغني وحش لا يرحم يجب وقفه بمنجل أو بشظايا قنبلة في أحشائه" (27)، كما أن المحاكم الغربية تعفوا في الغالب عن الجرائم و التجاوزات القانونية للنهابين مهما عظم حجمها ، مثال ذلك "مارك ريش" الأمريكي-السويسري المتابع دوليا في 50 قضية ، تتراوح بين السطو على ممتلكات الفقراء و التهرب الضريبي وعمليات الإبتزاز و تمويل بعض الحكام الديكتاتوريين ، غير أن الرئيس كلنتون أصدر قرارا بالعفو عنه ، بعد تقديم زوجة المجرم رشوة ضخمة لمكتبة أحد المراكز الثقافية الأمريكية (28) . هكذا هي إذن منظومة أخلاق السوق ، حيث رجال الأعمال و رؤساء الشركات يصفون أنفسهم بالمحاربين و المفترسين ، و مؤسساتهم المهنية بساحة الإحتراب و الطحن و التدمير .

  في سياق هيمنة الإقتصاد على السياسة ، يطرح سؤال الدولة ؟ إذا لم تتضمن وظائف الدولة الدفاع عن الإقتصاد المحلي و عن ثروة البلد من نهب الشركات العابرة للقارات ، فبأي دور تنهض الدولة إذن ؟ في الحقيقة يجيبون أصحاب كتاب "فخ العولمة" بلا مراء أن الدول تنماع أو تذوب فاعليتها أمام الشركات الرأسمالية حيث لا تدفع هذه الأخيرة من الضرائب إلا ما تريد ، تستنزف الثروة الطبيعة للبلد كما يحلو لها ، و لا يحق للدولة التدخل و إلا تحصل كارثة إقتصادية قد تتسبب في انهيار الدولة كليا (29) ، أما من جهته يجيب زيغلر بأن الدولة "تموت" في ظل النظام العولمي الجديد ، أي تصبح الرهانات الإقتصادية أكبر من الدول و بالتالي لا يصبح لهذه الأخيرة أدنى سيادة على مقدراتها المحلية ، لتوضيح الفكرة أكثر نستقطع كلمة قالها "هانز تياتماير Hans Tietmeier" في مؤتمر دافوس للإقتصاد العالمي 1999 من خطابه ، حيث خاطب رؤساء الدول خصوصا الفقيرة/الضعيفة قائلا: "من الآن فصاعدا أنتم تحت سيطرة الأسواق المالية" (30) ، و العجيب أن تلا هذه الكلمة تصفيق حار من طرف رؤساء دول العالم الثالث التي تعتبر بحق مستعمرات يتحكم فيها عن بعد .

     فمعنى كلام رئيس مؤتمر دافوس أن الحكومات التي اقترضت قروضا من صندوق النقد الدولي و لم تدفعها بعد ، أن ثروتها تحت طائلة الشركات و المؤسسات المالية العملاقة ، بكلمة أن الدخل القومي لهذه الدول مرهون للأسواق المالية حتى حين دفع ديونها كاملة لصندوق النقد الدولي ، و ليس من حق حكومات هذه الدول التصرف في ثروات و اقتصاد بلادها ، مثال ذلك ما حصل في "النيجر" التي تعتبر من أفقر دول العالم ، حيث عملت على بيع أو بكلمة أوضح على خصخصت بعض قطاعاتها ، فاقترح وزير التعليم النيجري أن تساهم هذه الأموال في بناء بعض المدارس ، غير أن ممثل صندوق النقد في العاصمة "نيامي" رفض بعناد بذريعة أن هذه الأموال يجب أن تدفع بها قروض النيجر و ليس بناء المدارس ، و ذلك ما حصل فعلا ، فالمؤسسات الدولية لا يهمها تعليم النيجريين و إنما استرداد ما اقترضته من أموال للدول الفقيرة ، و به تنضب أموال الدولة عبر تحكم المؤسسة الدولية للإقتراض حسب "هارالد شومان" (31) . هكذا إذن فالدولة التي لا تمتلك اقتصادا و لا تستفرد بالسيادة الكاملة على ثرواتها لا تعتبر دولة ، إن هي إلا شكل للفراغ و العجز و عدم النجاعة .

  حسب زيغلر تدمير الدولة يؤدي إلى "تدمير الإنسان" بشكل أوتوماتيكي ، فوضع العمال و الشغيلة الإغترابي الذي تحدث عنه كارل ماركس قبل ما يناهز قرنين ، يمكن القول أنه اتسع و تضخم أكثر ، هذا بالنسبة للعمال ، أما بالنسبة إلى من لا يعمل من البطاليين فهم جيوش من مختلف دول العالم حيث يتجرعون كل يوم مرائر الكفاف ،  و كما هو معلوم فإن من لا يشتغل لا له قيمة و لا كرامة ، لذلك تجد أغلبية الشباب في هذه الدول تكفر بالوطن و تتطلع إلى الحجرة ، و هنا مفارقة لم يستسغها عقل "أزوالد دي ريفرو" صاحب كتاب "انقراض العالم الثالث" حيث يطرح بتعجب قائلا: "الأجداد الذين حاربوا المستعمر خلفوا أحفادا يتمنون مغادرة أرضهم و الإستقرار بعواصم الدول التي استعمرتهم من قبل" (32) ، كيف لا و أن التقارير الدولية تصرح بأن الفقر و الجوع في الدول النامية يدمر كل سنة بقدر ما دمرته الحرب العالمية الثانية في ست سنوات ، المشكل يتفاقم حتى في دول النهابيين ، ففرنسا تسجل سنويا نسبة بطالة وصلت إلى 9 في المئة من السكان النشيطين ، بالإضافة إلى 86.000 مهاجر دون سكن ، أما في ألمانيا فمليون شخص سنة 2002 كان يعيش تحت خط الفقر ، و 15 بالمئة من الأطفال لا يذهون للمدرسة نسبة كبيرة منهم من أبناء المهاجرين ، في لندن وحدها يوجد 40.000 شخص دون مأوى ، و في الولايات المتحدة يوجد 37 مليون إنسان لا يملكون أي تأمين ضد المرض (33) . 

   أما في العالم الثالث فيوجد 1.3 مليار شخص يعيش على أقل من دولار في اليوم ، و 500 ملون يموتون قبل بلوغهم سن الأربعين ، من ناحية امتلاك الأراضي فـ2 بالمئة من الملاكين في البرازيل يسيطرون على 43 بالمئة من الأراضي الصالحة للزراعة ، هذا فضلا عن كون 44 بالمئة فقط هي النسبة التي تزرع و تستغل من بين إجمالي الأراضي الصالحة للزراعة في العالم (34) ، رغم أنها تنتج ما به يشبع كل جائع غير أن هذه المحاصيل تحتكر للإستزادة في الأرباح ، و ليس لإطعام الجياع ، و هو ما يقوض الأمن الغذائي العالمي في مجمومة من مناطق دول العالم الثالث حيث يوضح ذلك أصحاب "صناعة الجوع" بإسهاب (35) ، نضيف بأن التدمير لا يتوقف حد الإنسان بل يطال أرضه و بيئته كذلك ، ففي نيجيريا يستقر في ديلتا نهر النيجر أكثر من 800.000 شخص ، يعيشون على الصيد و الزراعة و الرعي مستغلين ماء نهر النيجر و معه المناخ الإستوائي الرطب المواتي للحياة الزراعية ، غير أن شركة نفط رأسمالية هي "شل Shell" استعمرت الدلتا و حفرت فيه آبارا للنفط ما جعل هذا الوسط الطبيعي شديد الثلوث و السمية ، فنفقت معظم أسماك الدلتا و ثلوث مياهه و تربته ، ما تسبب في تشرد كل من كان يعيش و يستغل هذا الوسط الطبيعي ، ذلك ما حدى بحركة اجتماعية تزعمها "سارو ويفوا Ken Saro-Wivwa" إلى الإحتجاج بضراوة ضد ممارسات شركة شل ، غير أن ما كان من السلطة المحلية إلا أن اعتقلت هذا الثائر و أعدمته في سجن Harcourt بأمر من رئيس الدولة (36) الذي مورس عليه ضغط من طرف الدول الرأسمالية ليتخذ هذا القرار ، و به يتضح أن النظام العولمي الجديد فعلا يدمر الإنسان و البيئة و يقتل الأخلاق و يخنق الشعور بالإنسانية اتجاه المطحونين و البؤساء . 

   في آخر فصلين من هذا الباب يتطرق زيغلر إلى الفساد بالإضافة إلى ما سماه بالفراديس الضريبية ، حيث يرصد بالأخص فساد زعماء الدول المتخلفة ، الذين يستغلون ضعف و جهل و فقر شعوبهم لكي ينهبون ثروات أوطانهم ، فهؤلاء يعيشون في القصور و شعوبهم في أحزمة دور الصفيح ، كملك المغرب حيث يضرب به زيغلر المثل (37) ، هكذا يستنتج المؤلف قاعدة تأطر هذه المتلازمة ، حيث تقتضي هذه القاعدة أن "البلد كلما ازداد فقرا و ثقل بالديون ، ازداد بذخ الحكام و أسرهم و حاشيتهم" ، فغني عن الإشهار بأن هؤلاء الحكام يعيشون في رخاء شديد ، يجعل معه المتتبع يندهش و يتساؤل هل فعلا هذا البلد حقا شعبه يموت جوعا في الوقت الذي الكلاب التي تحرس الحاكم متخومة و سمينة ! هذا دون أن ننسى أن ممتلكاتهم لا يدفعون عنها أي ضريبة ، في الوقت الذي يدفع فيه الفقراء كل الضرائب طوعا أو كرها ، المأسات تتضخم بجريمة أخرى تتلخص في تهريب هؤلاء الحكام المجرمين ثروات بلدانهم و تخزينها في مصارف زيوريخ و جنيف ، حيث تضم هذه المصارف 1000 مليار كودائع أغلبها آتية من دول الجنوب أي دول العالم المعدوم المتخلف (38) ، و مؤخرا اتضح أن هؤلاء النهابين يهربون أموال شعوبهم إلى دولة أخرى هي "بنما panama" ، بعد أن اشتهرت مصارف سويسرا بذلك فأصبحت مشبوهة ، ما حدى بهم إلى تغيير وجهة إرسال الأموال المهربة ، ما يعني أن الفساد يستفحل في دول العالم الثالث و هو نتيجة منتظرة دفعت إليها طبيعة العالم السياسي و الإقتصادي المعاصر ، الذي لا يعترف إلا بالجمع و التراكم سواء بطرق شرعية أو غير شرعية .

   في الباب الثالث المعنون بـ"المرتزقة Les Mercenaires" ، و الذي يضم خمسة فصول ، يتطرف فيه زيغلر إلى توضيح و فضح عمل المؤسسات الدولية كمنظمة التجارة العالمية و صندوق النقد الدولي و البنك الدولي ، دورهما المستضمر في تفقير الشعوب و الإزراء بها ، و بالمقابل توفير أمن إقتصادي و استقرار سياسي للدول الرأسمالية (39) . فل نبدأ بمنظمة التجارة العالمية OMC ، التي يعرفها زيغلر بأنها: "مجموعة من الإتفاقيات التجارية الخاضعة للتطور باستمرار ، أو بالأحرى عملية مفاوضات لا تتوقف" (40) ، تعمل هذه المنظمة على عقد مؤتمرت دولية من أجل المصادقة على اتفاقيات تنظم العلاقات الإقتصادية بين الدول ، غير أن قوة و مؤهلات هذه الدول الإقتصادية و العسكرية و الديبلوماسية غير متكافئة بالمرة ، فهناك 200 شركة تحتكر 25% من الناتج العالمي الخام ، بالإضافة إلى أن دول الشمال و شركاتها العابرة للقارات تسيطر على 82% من التجارة العالمية ، أما حصة الدول الفقيرة في التجارة العالمية و عددها 49 بلد تساوي 0.5% فقط (41) ، هذا ما يجعل العالم حسب وصف "سيرج لاتوش" عالم يتكون من "الغرقى les naufragés" في محيط الفقر (42) ، لذلك طبيعي جدا أن تأتي معظم هذه الإتفاقيات غير عادلة و ظالمة ، إن هي فقط في الأمر حقيقة إلا مفاوضات تعزز مصلحة الأليغارشية الرأسمالية للدول الغنية ، هذا ما جعل "مجلة Economist" تعبر عن أن: "الدول الغنية تضع القواعد ، و ما على الدول الفقيرة إلا الإنصياع و الموافقة" ، فل نعطي مثالا ، هناك اتفاقية وقعت سنة 1994 سميت بـ"الإتفاق العام للتعريفات الجمركية و التجارية" المعروف اختصارا بـGATT و ثم تعديلها بعد ذلك تحت ضغط الإحتجاج ضد بنودها المجحفة (لم تلغى) ، و هي اتفاقية تشترط على الدول الفقيرة تخفيض رسومها الجمركية على الأموال و السلع الخارجية كما تفرض ما يسمى بـ"التبادل الحر" ، هذا كله إن أرادت الدول الفقيرة استجلاب الإستثمارات الخارجية ، إذ هذه الإتفاقية تضمن فتح أسواق جديدة تبيع و تستهلك فيها منتجات هذه الشركات المستثمرة ، فضلا عن شراء يد عاملة رخيصة جدا ، مقابل ايرادات و عائد مالي خيالي ، لا تستفيد منه الدولة المُستثَمَر في أرضها إلا 10% فقط عبارة عن ضرائب . 

   كما تعد أحد أخطر الإفاقيات و أكثرها تهديدا لحرية الشعوب ، و هي التي تحمل اسما بريئا "جهاز حل الخلافات ORD" ، الذي ينص على أن أي جهة تخترق عقدا موقعا تكون عرضة لعقوبات فورية قاسية ، فأي رغبة من أي دولة طحنتها الشركات العابرة للقارات ، تتعرض لطحن إضافي من طرف لجنة خاصة تابعة للـOMC إذا ما وضعت قوانين معيقة للتبادر التجاري أو علت سقف الضرائب على دخل الشركات المستثمرة ، هكذا يتضح أن منظمة التجارة الدولية تعمل كآلية قضائية بسلطات قسرية واسعة ، و به تنجلي سرابية المظهر الوهمي لمنظمة التجارة الدولية على أنها مؤسسة تنظم و تقونن العلاقات التجارية الدولية ، غير أنها في الواقع مؤسسة دولية هدفها تحجيم القيود القانونية و الجغرافية من أجل رفع سقف الربح بالنسبة للشركات العابرة للقارات و في طليعتها الشركات الأمريكية ، ذلك ما أفاد به تقرير عن الأمم المتحدة هو حصيلة تحقيق أنجزه خبيران أفرقيان (43) . هكذا يخلص زيغلر إلى ضرورة إلغاء هذه المنظمة الدولية التي تخنق حرية الدول الإقتصادية ، و تشرعن طغيان الغني على الفقير . 

  تشارك منظمة اقتصادية دولية أخرى في هذه الجرائم ضد الفقراء و الجياع ، هي "البنك الدولي BM" ، الذي كان أبرز رئيس له هو وزير الدفاع الأمريكي السابق "روبرت ماكنمارا" ، الذي يقول عنه الصحفي و الناشط الأمريكي "جيري ماندر Jerry Mander":  "قتل و هو على رأس البنك الدولي أكثر مما قتل في حرب الفيتنام"، عموما فهذه المؤسسة تمنح للدول الأشد فقرا قروضا طويلة الأجل ، تقدر بما يزيد عن 225 مليار دولار (44) ، ليس لسواد عيون هذه الدول أو رأفة بشعوبها التي تعيش كما تعيش الجردان و إنما من أجل غاية لاإنسانية ، يشرحها لنا Jerry Mander في كتابه -مع التراجع ، مأساة فيتنام و دروسها- كالتالي: " دفع ماكنمارا بلاد العالم الثالث إلى قبول الشروط المتعلقة بقروض البنك الدولي و تغيير اقتصادتها التقليدية من أجل تنظيم المضاربة الإقتصادية و التجارة العالمية (...) بناءا على إلحاحه لم يكن أمام العديد من الدول أي خيار سوى قبول التعامل مع البنك ، هنا لم يكن ماكندور يدمر القرى كما فعل في فيتنام ، بل دمر اقتصادات بكاملها لشعوب هي الأفقر في لعالم ، حيث وجد العالم الثالث نفسه مع سدود ضخمة و طرق مدمرة و غابات و حقول خربة و الكارثة 'ديون هائلة' ، لن تستطيع أي دولة فقيرة أبدا تسديدها ، ذلك و مهما كان الخراب الذي تسبب فيه هذا الرجل في فيتنام ، فإنه تجاوز ذلك أثناء ولايته في رئاسة البنك الدولي"(45). 

   معنى ذلك أن البنك أغرى الدول الفقيرة بملئ خزاناتها الفارغة عبر ديون ، تستقطر من البنك لمصارف حكومات هذه الدول كي تقوم بمشاريع ترفع مستوى التنمية و تحلحل الركود الإقتصادي ، على أساس أن تدفع هذه الدول ديونها إذا حققت حركية و عائدات كبرى جراء المشاريع الممولة من طرف البنك ، غير أن الكارثة تحصل عندما لا تحدث أي حركية تنموية ، فتجد هذه الدول الدائنة نفسها أمام ديون خيالية لا مقدرة لها على دفعها ، هنا يطرح أصحاب كتاب "فخ العولمة" سؤالا بتهكم: "لينقذ نفسه من يستطيع ولكن: من هو ذا الذي سيفلح؟" (46) ، فبعد ذلك تأتي 'مؤسسة دولية أخرى' لكي تسترد أموال القروض التي لم تدفع بطرق و آليات أقل ما يقال عنها أنها مدمرة .

  هذه المؤسسة هي "صندوق النقد الدولي FMI" الذي يصف زيغلر المشتغلين فيه بـ"مشعلوا الحرائق" ، الذي تصوت على إجراءاته و أعماله الدول الأعضاء حسب قيمتها في السوق و البالغ عددها 183 دولة ، الأمر الذي يجعل الولايات المتحدة بما أنها الأقوى في السوق ، تمتلك 17% من حقوق التصويت لوحدها ، عموما فإن هذه المؤسسة بجوار البنك الدولي تقدم قروضا للدول النامية ، على اعتبار أن البنك الدولي يمنح قروض لدول بعينها و التي تعاني الكساد الأسود من الفقر ، أما صندوق النقد الدولي فهو مؤسسة تمنح قروض لأي دولة أرادت ذلك ، غير أن ذلك لا يجري مراعة لمصلحة الدول التي تعاني من أزمات ، بل يعتبر عمل "FMI" بابا رحبا للتحكم ليس في اقتصاد الدول المقترضة فقط بل السيطرة على ثروات بلادها بشكل عام ، ذلك فمع تضخم الديون يشترط صندوق النقد الدولي على الدول الدائنة خصخصة القطاع العام ، و تحرير التبادل التجاري ، و خفض الرسوم الجمركية ، شراء قطاع النفط و المعادن أو رهن مياهها الإقليمية لأغراض اقتصادية ، خفض ميزانية النفقات العامة أي خفض ميزانية النفقات على قطاعات الصحة- التعليم- السكن ، و غير ذلك من الخطوات التي تضمن استرداد الأموال المقترضة ما دام الدول التي استفادت منها لا تستطيع دفع ديونها ، فخلال الستينات كان مجموع ديون دول أمريكا اللاتينية يساوي 60 مليار دولار ، عام 1980 بلغت الديون 206 مليار دولار ، و بعد 10 سنوات تضاعف الدين إلى ما يناهز 443 مليار دولار ، و بلغ سنة 2003 ما يقارب 750 مليار دولار ، هكذا يتضح أن الديون لا تتقلص بل تتزايد بل تتضخم بشكل سريع جدا ، فما بين سنة 1960 إلى 2003 تضخم دين دول أمريكا اللاتينية ، من 60 مليار إلى 750 مليار دولار ، ذلك ما فرض على هذه الدول تخصيص أكثر من 35% من قيمة صادراتها لكي تطفئ لهيب الديون الذي أوقده صندوق النقد (47) هذا حتى سنة 2003 ، أما الآن فالبرازيل تدفع ديونها باقتطاعها أكثر من 52% من ناتجها الداخلي السنوي بما فيه قيمة الصادرات . 

  هكذا تتكبل الدول و تجد نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تدفع ديونها الباهضة كليا ، أو أن تبيع قطاعاتها العامة الحيوية و ترهن ثروها إلى صندوق النقد الدولي ، الذي بدوره يفوتها إلى الشركات العابرة للقارات ، و لا تفتك إنياب هذه الأخيرة عن ثروة البلد المقترض إلا بعد دفع ديونه كاملة بالإضافة إلى الفوائد لصندوق النقد أو البنك الدولي ، أي امتصاص لدماء الشعوب الضعيفة بكل ما يحمل هذا الوصف من بشاعة ، فل نأخد مثال دولة البرازيل ، الذي توفرت له قيادة "إشتراكية يسارية" أي ضد الرأسمالية بكل ضروبها ، يصف زيغلر هذه القيادة بأنها نادرة و لا تتوفر عليها باقي الدول المعدومة ، حيث كان رئيس الوزراء البرازيلي آنذاك هو عالم الإجتماع "فرناندو هنريك كاردوسو Fernando Henrique Cardoso" ، بالإضافة إلى وزير خارجية فيلسوف و هو "كارلوس لافير Carlos Lafer" الذي كان أبرز تلامذة الأستاذة "حنا أرندت Hannah Arendt" ، فضلا عن وزير تعليم كان رئيس لواحدة من أكبر جامعات البرازيل و هو "باولو سوزا" ، أي أن الحكومة البرازيلية آنذاك اجتمعت فيه نخبة مرموقة قل ما تتوفر لأي بلد آخر ، غير أن السؤال هو كيف تصرفت حكومة المثقفين هذه مع وضع البرازيل أمام ديونها ؟ يجيب زيغلر بأن هذه الحكومة لم تجد من سبيل سوى أن تغير آيديولوجيتها السياسية فتتحول إلى النيوليبرالية ، و بذلك استسلمت هذه الحكومة و سلمت أمر بلادها إلى النهابين (48) ، لأن هاجس التنمية و التقدم بعد الفكاك من الدين رهان فوق الدولة و الحكومة و الشعب (قلنا آنفا أن الدولة أصلا تموت إذا ما استدمج اقتصادها في النظام الدولي العولمي لا تصبح لها أي سيادة على قطاعاتها) ، بل هو بيد مشعلوا الحرائق في صندوق النقد الدولي الذين لا يتركون أي فرصة لدفع الدين .

   و بذلك لا يبقى من خيار سوى خصخصة قطاعات و رهن ثروة البلد إلى حين موعد دفع الدين كليا ، و هو ما لا يتحققا أبدا في الدول الفقيرة لأسباب أو لأخرى ، و بذلك تبقى متخلفة غير قادرة على النهوض ، خصوصا و أن ما من دولة تعاني من أزمة اقتصادية إلا و تعاني بإزاءها من أزمة سياسية و اجتماعية تتجسد في حروب و نزاعات لا تنتهي و غياب للإستقرار ، لعل ذلك ما يفسر وضع الدول الأفريقية و الشرق أوسطية . و هو ما يجعل بعض الدول القوية تتدخل عسكريا في هذه الدول ، ليس من أجل حفظ الإسقرار بل يعزي "جون بركينز" تدخل الدول القوية الرأسمالية كالولايات المتحدة الأمريكية ، في بعض مناطق الدول النامية كالفيتنام - بنما - كوبا - العراق - سوريا ، يتم وفق حوافز إقتصادية (49) ، و أهداف تتلخص في حراسة مصالح و توسيع نفود الإقتصاد العولمي .

  ليست البرازيل من سقطت في هذا المطب بل معظم دول الجنوب ، و من بينها  "المغربالذي تأسست سياسته على الليبرالية و اقتصاده على تحرير السوق منذ الستينات (50) ، ها هو الآن تبلغ مديونيته 291.7 مليار درهم ، حيث وصل دين الخزينة بالنسبة إلى الناتج الداخلي الخام إلى 64,7% خلال سنة 2016 ، مقابل 64,1% خلال 2015 هذا حسب الأرقام المعلنة من طرف المؤسسات المعنية (51) ، و هي في نظري محجمة أكثر من الواقع ، و خلافا لتوقع الحكومة فإن المديونية ارتفعت بشكل مخيف سنة 2017 ، حيث يضطر المغرب في هذه السنة إلى دفع 81% من دخله القومي السنوي لتسديد ديونه (52) و ذلك حسب الخبير الإقتصادي "نجيب أقصبي Najib Akesbi" ، حيث يفيد هذا الأخير بأن المغرب تحت شبه حماية لصندوق النقد الدولي ، و ذلك لأن الشعب المغربي ليست له السيادة الكاملة على اختياراته الإقتصادية ، بل 81% من ثروثه تهرب إلى صندوق النقد كي تؤدي الديون ، و تبقى 19% فقط من ناتج قومي سنوي يعادل 104.5 مليار دولار ، أي أقل من 27 مليار دولار هي من يبقى ، فهل بهذا المبلغ ستدفع أجور الموظفين أم تمول مشاريع تنموية أم تعبئ ميزانيات القطاعات الأساسية من سكن و صحة و تعليم ، فواضح أن هذا المبلغ غير كافي لذلك يضطر المغرب في السنوات الأخيرة إلى الإتجاه صوب "خصخصة" قطاعاته التي لم يعد بمقدوره تعبئة ميزانياتها الكبيرة ، و هو ما فتح الأبواب في وجه الشركات المتعددة الجنسيات للإستثمار في المغرب ، كشركات تصنيع السيارات الأوربية و كابلات الطائرات الأمريكية ، بالإضافة إلى تفويت حقوق الصيد في شطر كبير من المياه الإقليمية المغربية اتجاه مختلف شركات الصيد العملاقة ، و هو ما يخلف أثرا سلبيا على الصيد المعيشي للصيادين المغاربة ، هذا هو الوضع الإقتصادي المأزوم إذن و الذي يواكبه تأزم اجتماعي ساخن ، إذ انفجر مع احتجاجات الأساتذة المتدربين و الأطباء قبل سنة و توج مع "حراك الريف" شمال المغرب ، كما مرجح أن ينفجر أقوى بكثير في أي لحظة و في القادم من الأيام إذا استمر الوضع بهذه الطريقة ، و إذا علم المغاربة أن 81% من ثروتهم لا تبقى أبدا في البلد و لا يستفيد منها أي قطاع حيوي .

 و بذلك فإن "النمو الإقتصادي la croissance économique" الذي تلهت ورائه الدول الفقيرة ، على طريقة هذه المؤسسات الدولية ، يعتبره أحد أكبر الإقتصاديين المناوئين للعولمة و هو "سيرج لاتوش Serge latouche" صاحب كتاب "تغريب العالم L'occidentalisation du monde" ، يعتبره "فخا Piége" تنصبه هذه المؤسسات للدول النامية ، و بمجرد أن تلتقط هذه الأخيرة هذا الطعم حتى تسقط في حفرة الديون العميقة التي لا مقدرة لأي دولة أن تصعد من جحيمها (53) ، و هذا ما يجعل الدول الغنية تمارس نوعا من الإستبعاد الحضاري لباقي دول العالم ، ذلك عبر خلق مشاكل عويصة يستغرق حلها قرون و ليس شهور و أيام ، و هذا ما يجعل هذه الدول الضحايا تنتكس و تتخلف ، فاسحة المجال للدول الغنية من أجل أن تقدم و تتطور ، هذا ما يفسر المسافات الفلكية على المستوى الحضاري بين دول العالم الأول و الثالث ، ذلك عبر خلق أسطورة "النموذج Le modéle" أي عولمة صورة إيجابية للدول الغنية و جعل الدول الفقيرة تغرم بها فتحاول الوصول إلى النموذج ، لكنها في الطريق تسقط في فخ "النمو أو التنمية" اللذين لا يعدوان كونهما "أسطورة Mythe" حسب سيرج لاتوش (54) ، هكذا تتعزز وضعية التخلف الحضاري في الدول النامية عبر سد سبل التدقات المالية حيث ازداد عدد الذين يعيشون على دولار واحد في اليوم من 220 إلى 290 مليون (55)، و بالمقابل تتقوى وضعية الرفاهية في دول الشمال حيث تتعالم مصارفها بـ1000 مليار دولار في اليوم الواحد ، و به ينتصر النموذج العالمي و هو نموذج الغرب (56)، أو "شريعة الذئاب" حسب وصف أصحاب كتاب "فخ العولمة" (57) .

  هكذا يتضح أن هدف عمل مؤسسات دولية اقتصادية كمنظمة التجارة العالمية OMC و البنك الدولي BM و صندوق النقد الدولي FMI هو الهجوم على الفقراء و إسقاطهم في فخ الديون (58) ، و بعدها احتكار ثرواتهم و استنزالف مقدراتهم الطبيعية حد "التدمير" الفاحش -كما يؤكد ريفييرو- للإطار الإكولوجي الذي تنمو فيه أو تتضمن فيه هذه الثروات الطبيعية (59) ، بل أكثر من ذلك بشكل عام لا يُسمح بصريح العبارة -كما يؤكد "بركنز"- للدول النامية بأن تنهض و تتحكم بزمام أمرها (60) ، لذلك فما هم إلا مؤسسات تضمن تضخم رأسمال الأليغالشية من أغنياء العالم ، في مختلف الأشكال سواء كانت هذه الأليغارشية دولا أو شركات أو أفراد ، كل ذلك على حساب بؤس ملايين من الفقراء و الجياع .

 في آخر باب من الكتاب و الذي عنونه زيغلر بـ"دمقرطة العالم Démocratisation du monde" ، و هو أيضا يتضمن خمسة فصول ، و فيه يقترح جان زيغلر حل هذه الأزمة الإنسانية ، إذ يلخصها في ضرورة مقاومة هؤلاء النهّابين عن طريق جبهات عظيمة تحتضن عدداً لا يحصى من جبهات الرفض المحلّية ، بكلمة من يمكن أن يحارب هذا الظلم المستشري إنما هو "المجتمع المدني العالمي Société civile mondiale" ، الذي يلاحظ زيغلر أنه بدأ ينتعش في السنوات الأخيرة (61) ، و ذلك عبر اكتسابه لـ"وعي Conscience" بمدى خطر الوضع العالمي المعاصر الذي قضى على كل القيم و الأخلاقيات و أذاب في أسواقه كل حس للتعاطف مع البؤساء ، أو بالأحرى حسب "ماكس هوركهايمر Max Horkheimer" غياب الذات في النظام الرأسمالي التي يمكن تزكيتها إذا أحسنت و صيانتها إذا أفسدت ، لذلك يدعو زيغلر إلى إعادة بناء الإنسان أولا وفق ما تصور فلاسفة الأنوار كفولتير Voltaire و دينيس ديدرو Diderot و روسو Rouseau ، أي حسب معيار الأخلاق و الضمير (62) ، و بعد ذلك سيحرك الضمير الأفراد و يحشدهم في شكل جماعات ضد هذا الإغتيال اليومي لأحلام و تطلعات الشعوب إلى مستقبل يضمن أدنى شروط العيش الكريم . لكن يبقى مفتوحا: هل فعلا يمتلك المجتمع المدني السلاح الناجع لكسر سطوة سيطرة النهابين على رقاب الشعوب ؟

  من جانب آخر ، يكثف عالم الإجتماع الإنجليزي "أنتوني غيدنز" ثلاثة مدارس تتضمن اقترحات لحلول أزمة العولمة ، تتقدمهم مدرسة "المُشكِّكُون" التي ترى أن أخطار ظاهرة العولمة جد مضخمة ، و ليس هناك شيء يدعوا للقلق ، لذلك تقترح هذه المدرسة الإندماج في النظام العالمي كحقيقة غير قابلة لعدم الإكتراث ، و التي تشكل العولمة جزءا لا يتجزء منها ، تليها مدرسة "المُتَعولمُون" و هم المقضون لمضاجع المجتمعات بكون الدولة تفقد سلطتها مع انتشار و تمدد النشاط الإقتصادي و التجاري العولمي ، و به تقترح هذه المدرسة إعادة بناء الدولة بما يرجع لها هيبتها و سلطتها ، و دورها الفعال في تأطير قطاع الإقتصاد و الخدمات ، تحاشيا لتنامي نفوذ و آثار العولمة الجانبية على الدولة و بالتالي المجتمع . أما آخر مدرسة فقد وقع عليها إسم "التَّحَوليون" حيث يتبنى أنصار هذه المدرسة موقفا وسطا ، حيث يؤكدون أخطار العولمة ، كما يقرون بدوامية وجود و قوة الدولة و أنها لم تمت كليا ، لذلك يقترحون كحل للأزمة: تقوية الدولة و تعزيز دورها التنظيمي ، و كما إحداث تحولات تستجيب للتكيف مع النظام العولمي الجديد (63) . غير أن هذه الإقتراحات على فرض معقوليتها رغم تقاطعاتها و تبايناتها ، إلا أنها غير ناجعة نظرا لعدم خفوت أو حتى استقرار آثار العولمية على الطبيعة و الإنسان ، بل الوضع يستفحل باستمرار ، فما الحل ؟ 

  يقدم "سيرج لاتوش Serge Latouche" حلا ربما يكون هو الأجدر بالإهتمام و التبني من طرف الدول و المجتمع المدني ، نبسط هذا الحل كالآتي: يسطر لاتوش و يؤكد أولا أن النظام الإقتصادي الرأسمالي يعاني بين الفينة و الأخرى من أزمات ، و هو ما يلقي بضلاله على المجتمعات الصناعية (64) ، و هذا ما يجب استغلاله من طرف المجتمعات اللاصناعية من أجل خلق نموذج بديل للتنمية ، و هنا يقول لاتوش بالحرف: "D’abord, parce qu’il est clair que la décroissance au Nord est une condition de l’épanouissement de toute forme d’alternative au Sud" ، أي أن عدم النمو في دول الشمال شرط ضروري لإحداث نموذج بديل في دول الجنوب (65) ، و بالتالي فإنه يستعير متقابلة "نمو croissance"-"اللانمو/كسر النمو décroissance" من أجل اقتراح حل فعال لأزمة الفقر و العولمة ، حيث يقترح قبل كل شيء قائلا: " il faut inlassablement déconstruire l’hypostase du développement" ، أي يجب (تفكك) التخلي عن فكرة التنمية أولا ، و ذلك لأن فكرة التنمية بمعناها المعاصر أي بالمعنى الذي ألبتسه إياها المؤسسات الدولية الإقتصادية العولمية ، فكرة مدمرة للإنسان و الطبيعة ، لعمق الآثار الجانبية لها أيضا على النظام العالمي السياسي و الإجتماعي و الإقتصادي الذي أكد بعض علماء الإقتصاد أنه يتضخم (أقصد الأثر) حيث سيأتي يوم تسقط فيه هذه الفكرة لأسباب موضوعية -كنفاذ المواد الأولية التي تقدما الطبيعة ، أو اختلال توازن هذه الأخيرة- .

  يقترح "Latouche" على دول الجنوب أن تتوقف على الإعتقاد و الحلم في التقدم و التنمية على طريقة البنك الدولي و صندوق النقد الدولي ، فلا تعتبر هذه التنمية سوى "فخ" كما وصفها لاتوش و سبق ذكره ، إذ أن الإستمرار في التفكير في سبل النهوض بهذه الطريقة لا يسبب إلا مزيدا من التخلف ، لأنه كما يؤكد"أزوالدو دو ريفرو" التنمية لا تعدو كونها "أسطورة" بالنسبة لدول العالم الثالث (66) ، لذلك يقترح -مرحليا- المطالبة بـ Le décroissance باللانمو ، أي بعبارة أخرى إذا بعث البنك أو صندوق النقد الدولي خطة للنمو إلى دولة معينة ، فل ترد هذه الدولة على هذه المؤسسات الدولي "بأننا أصلا لا نريد أي نمو أو تنمية ، نريد أن نبقى متخلفين فقط دعونا و شأننا" . بعد ذلك يدعوا لاتوش إلى خلق نموذج بديل للتنمية مختلف عن نموذج هذه المؤسسات العولمية ، و ذلك عبر: "Rompre avec la dépendance économique et culturelle vis-à-vis du Nord. Renouer avec le fil d’une histoire interrompue par la colonisation, le développement et la mondialisation. Retrouver et se réapproprier une identité culturelle propre" ، أي كسر التبعية الإقتصادية و الثقافية لدول الشمال ، إعادة الاتصال مع سلسلة من التاريخ التي توقفت عن طريق الإستعمار و التنمية و العولمة ، كما محاولة العثور على هوية ثقافية خاصة بها و استعادتها (67) ، و بها التأسيس لنموذج تنموي و اقتصادي بديل . تجدر الإشارة هنا إلى أن هذا الحل Le décroissance اللانمو ، مقترح لا مندوحة منه حتى بالنسبة لدول الشمال ، حيث تهدد العالم الآن حروب النفط ، كما بدأت حروب الماء و تاليا باقي المقدرات الطبيعة ، حيث سوف ينضب العالم عن هذه الضروريات لاستمرار النموذج الحالي ، غير أنه بنضوبها سيسقط هذا النموذج ، لذلك يدعوا لاتوش كذلك دول الشمال إلى التفكير في Le modéle de décroissance نموذج اللانمو (68) .

 و يبقى السؤال مطروحا: هل هذا الحل قابل للتبني في الظروف الراهنة المزرية التي تعاني منها دول الجنوب ؟ حيث تتحكم الشركات العابرة للقارات بالإضافة إلى المؤسسات الدولية الإقتصادية في مفاصل الدول الفقيرة و تحدد قراراتها الإقتصادية و التنموية ، و به نشك في مدى مبلغ فاعلية و نجاعة هذه الحلول السلمية pacifiques ؟ و هو سؤال فرض نفسه على سيرج لاتوش حيث يتساؤل: La transition est-elle possible sans révolution violente, ou, plus exactement, la révolution mentale nécessaire peut-elle se faire sans violence sociale ? ، حيث ينزع لاتوش لحل فكري ، و هو منزع الكثير من المفكرين ، مثل "د.جورج زيناتي" الذي يمتح من معين الديكارتية للقول بأنه "ما من حل لأزمة التقدم الرأسمالي سوى من داخل النظام الرأسمالي نفسه ، أي عبر تغيير أسسه باتجاه لا يتقاطع مع كرامة الإنسان و توازن الطبيعة" (69) ، لذلك فإذا توجسنا في فاعلية الحلول السلمية ، فلا يبقى أمامنا سوى الحل العنيف violente ، و هو الحل الذي اقترحه "كارل ماركس" منذ القرن 19م ، أي حل الثورة العالمية أو الحرب العالمية ضد أوليغارشية رأس المال ، يكون عنوانها "إما أن نكون أو لا نكون" ، إذا انتصر الثوار فبه و نعمت الحياة ، إذا لم ينتصروا فل يُدمر الكوكب بالصواريخ النووية التي بحوزة دول النهابين و لننقرض جميعا .

  أخيرا ، هكذا تستبان ضبابية و فوضى العالم ، بأن أزماته من صنع أقلية من البشر (70) ، يستفردون بامتلاك كل شيء و يحتكرون بذلك مصائر الناس ، هم من يقرر من ينجح و من يفشل ، من يعيش و من يغتال (وليس من يموت طبيعيا) ، ذلك عبر صناعة هذه الأليغارشية المتوحشة لمنظمات دولية تسهر على تضخيم ثرواتها و سلطتها ، و بالمقابل تحجيم و تقليص سقف حياة الفقراء المادي ، عبر تكبيل دولهم بالديون و القروض التي لا مقدورة لهم على دفعها ، ما يجعل أدرع المرتزقة تنقض على ثروات و المقدرات الطبيعية للفقراء ، حيث تسهر هذه المؤسسات الدولية المصنوعة على عولمة النظام الرأسمالي بكل إملاءاته ، الذي يعولم معه كذلك الجوع و الفقر و الحروب و انتهاك حقوق الإنسان و غيرا من الأزمات ، دون أدنى شعور بالمسؤولية من طرف النهابين اتجاه أزمات الفقراء و محرقتهم التي هم من أوقدوا نارها .



__________________________________

إحالات و مراجع :

(1) الأوليغارشية هي حكم الأقلية ، أو هي السلطة التي لا تمتلك شرعيتها من إرادة أغلبية الشعب ، انظر "موسوعة السياسة" ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الثالثة، 1990، الجزء الأول ص 415 .

(2) جون زيغلر ، "سادة العالم الجدد" ، ترجمة د.محمد زكريا اسماعيل ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت 2003 ، طبعة الأولى ، ص 9 .

(3) زيغلر ، ص 8 .

(4) زيغلر ، "سادة العالم الجدد" ، ص 10 .

(5) انظر آخر تقرير لمنظمة الصحة العالمية حول تعداد الجوع عالميا بعنوان: "الجوع في العالم يرتفع مجدداً بسبب النزاعات والتغير المناخي" ، على الرابط :

http://www.who.int/mediacentre/news/releases/2017/world-hunger-report/ar/

(6) زيغلر ، ص 10 .

(7) Max Weber , "L'Éthique protestante et l'esprit du capitalisme" , Nulifar Obberner , Berlin 1905 .

(8) زيغلر ، "سادة العالم الجدد"، ص 18

(9) نفسه ، ص 20

(10) André Gunder Frank , "L'accumulation mondiale-l'ordre des choses", (Paris; Calmann-Levy, 1977) , pp 211 .

(11) زيغلر ، "سادة العالم الجدد" ، ص 24 .

(12) نفسه ، ص 26 .

(13) زيغلر ، ص 31 .

(14)  نفسه ، ص 41 .

(15) زيغلر ، ص 39 .

(16) زيغلر ، ص 58 .

(17) Pierre Bourdieu , "Contre-feux 2, Pour un mauvement social européen", Vols2, (Paris: Raisons d'agir, 2001), pp 122

(18) زيغلر ، "سادة العالم الجدد" ، ص 52 (مع بعض التصرف) .

(19) نفسه ، ص 55 .

(20) فرانسيس مور لا ييه و جوزيف كولينز ، "صناعة الجوع- خرافة الندرة" ، ترجمة أحمد حسان ، سلسلة عالم المعرفة ، عدد 64 ، الكويت أبريل 1984 ، ص 13 .

(21) فرانسيس مور لا ييه و جوزيف كولينز ، "صناعة الجوع" ، ص 19 .

(22) زيغلر ، ص 73 .

(23) ف.جوزيف كولينز ، "صناعة الجوع" ، ص 8 .

(24) جون بركنز ، "الإغتيال الإقتصادي للأمم -اعترافات قرصان اقتصادي" ، ترجمة مصطفى طناني ، مراجعة عاطف معتمد ، دار مكتبة إنسانيات ، توزيع الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة 2012 ، ص 102-103 .

(25) زيغلر ، "سادة العالم الجدد" ، ص 71 .

(26) هانس - بيترمارتن-هارالد شومان ، "فخ العولمة" ، ترجمةد. عدنان عباس علي، سلسلة عالم المعرفة ، الكويت 1998، ص 221 و ما بعدها .

(27) Léon Bloy , "Le sang des Pauvres" , (Paris: Arléa,1955) , p 22 

(28) زيغلر ، "سادة العالم الجدد" ، ص 75 .

(29)  هانس - بيترمارتن-هارالد شومان ، "فخ العولمة" ، ص 305-315 .

(30) زيغلر ، "سادة العالم الجدد" ، ص 93 .

(31) هانس - بيترمارتن-هارالد شومان ، "فخ العولمة" ، ص 313 .

(32) أزوالد دي ريفرو "انقراض العالم الثالث -أسطورة التنمية و قوى التدمير" ، ترجمة فاطمة نصر ، إصدارات دار سطور الجديدة ، طبعة 1 ، القاهرة 2012 ، ص 24 .

(33) زيغلر ، "سادة العالم الجدد" ، ص 100-101 .

(34) فرانسيس مور لا ييه و جوزيف كولينز ، "صناعة الجوع" ، ص 19 .

(35) نفسه ، ص 133 و ما بعدها .

(36) زيغلر ،  ص 113 .

(37) نفسه ، ص 116 .

(38) زيغلر ، "سادة العالم الجدد" ، ص 129 .

(39) يوضح "سيرج كوادروباني" بشكل ماتع و بسيط العلاقة بين العولمة و ضمان الأمن الإقتصادي و الإستقرار السياسي في الدول اللبرالية ، انظر:

Serge Quadruppani , "La Politique de La Peur" , Edition de SEUIL,Paris, FÉVRIER 2011 , p 80-82-83 .

(40) زيغلر ، "سادة العالم الجدد"، ص 140 . 

(41) نفسه ، ص 153 .

(42) Serge latouche , "La planète des naufragés- Essai sur l'aprés développement" , .la dicouverte pouche , Edition 1 , Paris 1991 

(43) زيغلر ، "سادة العالم الجدد" ، ص 151 .

(44) زيغلر ، ص 158-159 .

(45) Jerry Mander , "Avec la recul: La tragédie de Vitnam et ses leçons" , La procés de la mondialisation , tard. de l'anglais par Thierry Piélat , (Paris; Fayard, 2001), p42 .

(46) هانس - بيترمارتن-هارالد شومان ، "فخ العولمة" ، م.س.د ، ص 257 و ما بعدها .

(47) زيغلر ، "سادة العالم الجدد" ، ص 175 .

(48) نفسه ، ص 177-178 .

(49) جون بركنز ، "الإغتيال الإقتصادي للأمم" ، ص 197- 205- 235 و ما بعدها .

(50) فريد الريني ، "الفكرة الليبرالية و الحداثة السياسية بالمغرب- مقاربات في التجلي و المتاهة" ، منشورات وجهة نظر ، الرباط بدون تاريخ ، ص 102-109 .

(51) انظر أيوب التومي ، "مديونية المغرب تواصل الارتفاع .. وخبير يُحمل المسؤولية للحكومة" ، هسبريس الاثنين 06 فبراير 2017 .. https://www.hespress.com/economie/338215.html

(52) انظر تصريح "نجيب أقصبي" على الرابط : https://www.youtube.com/watch?v=IPXY7T1LyZE&pbjreload=10

(53) Serge latouche , "Pour une société de décroissance" , Le Monde Diplomatique , Novembre2003..Sur le lien suivant

https://www.monde-diplomatique.fr/2003/11/LATOUCHE/10651

(54) Serge latouche , "L'occidentalisation du monde" , la dicouverte pouche , ED.3 , p44

(55) أنتوني غيدنز ، "علم الإجتماع" ، ترجمة و تقديم د.فايز الصياغ ، المنضمة العربية للترجمة ، توزيع مركز دراسات الوحدة العربية ، لبنان بيروت 2005 ، طبعة 4 ، ص 101 .

(56) Serge latouche , "L'occidentalisation du monde" , pp 41 

(57) هانس - بيترمارتن-هارالد شومان ، "فخ العولمة" ، م.س.د ، ص 159 و ما بعدها .

(58) فرانسيس مور لا ييه و جوزيف كولينز ، "صناعة الجوع- خرافة الندرة" ، م.س.د ، ص 297 - 301 و ما بعدها .

(59) أزوالد دي ريفرو "انقراض العالم الثالث" ، م.س.د ، ص 129 و ما بعدها .

(60) زيغلر ، "سادة العالم الجدد" ، ص 221

(61) جون بركنز ، "الإغتيال الإقتصادي للأمم، ص 103 .

(62) نفسه ، ص 230-231 .

(63) أنتوني غيدنز ، "علم الإجتماع" ، م.س.د ، ص 130-131-133 .

(64) Serge latouche , "L'occidentalisation du monde" , ibid , p 121 Et au-delà

(65) Serge Latouche , "Et la décroissance sauvera le Sud" , Le Monde Diplomatique, Novembre 2004 ، (Article) . A

(66) و يدلل أزوالدو ذلك بنموذج بلده الذي سقط في هذه الحالة ، انظر أزوالد دي ريفرو ، "انقراض العالم الثالث" ، م.س.د ، ص 10-12-13-14 .

(67) Serge Latouche , "Et la décroissance sauvera le Sud" , le meme référence

(68) Serge latouche , "Pour une société de décroissance" , Le Monde Diplomatique , Novembre2003.

(69) د.جورج زيناتي ، "الفلسفة في مسارها" ، دار الكتاب الجديدة المتحدة ، الطبعة الثانية 2013 ، ص 127 ، (مع بعض التصرف)

(70) فرانسيس مور لا ييه و جوزيف كولينز ، "صناعة الجوع" ، ص 18 .


لائحة المراجع و المصادر :

- "موسوعة السياسة" ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الثالثة، 1990، الجزء الأول .

- جون زيغلر ، "سادة العالم الجدد" ، ترجمة د.محمد زكريا اسماعيل ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت 2003 ، طبعة الأولى.

- فرانسيس مور لا ييه و جوزيف كولينز ، "صناعة الجوع- خرافة الندرة" ، ترجمة أحمد حسان ، سلسلة عالم المعرفة ، عدد 64 ، الكويت أبريل 1984 .

- جون بركنز ، "الإغتيال الإقتصادي للأمم -اعترافات قرصان اقتصادي" ، ترجمة مصطفى طناني ، مراجعة عاطف معتمد ، دار مكتبة إنسانيات ، توزيع الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة 2012 .

- هانس - بيترمارتن-هارالد شومان ، "فخ العولمة" ، ترجمةد. عدنان عباس علي، سلسلة عالم المعرفة ، الكويت 1998 .

- أزوالد دي ريفرو "انقراض العالم الثالث -أسطورة التنمية و قوى التدمير" ، ترجمة فاطمة نصر ، إصدارات دار سطور الجديدة ، طبعة 1 ، القاهرة 2012 .

- فريد الريني ، "الفكرة الليبرالية و الحداثة السياسية بالمغرب- مقاربات في التجلي و المتاهة" ، منشورات وجهة نظر ، الرباط بدون تاريخ .

- أنتوني غيدنز ، "علم الإجتماع" ، ترجمة و تقديم د.فايز الصياغ ، المنضمة العربية للترجمة ، توزيع مركز دراسات الوحدة العربية ، لبنان بيروت 2005 ، طبعة 4 .

- د.جورج زيناتي ، "الفلسفة في مسارها" ، دار الكتاب الجديدة المتحدة ، الطبعة الثانية 2013 

- تقرير لمنظمة الصحة العالمية حول تعداد الجوع عالميا بعنوان: "الجوع في العالم يرتفع مجدداً بسبب النزاعات والتغير المناخي" .

 Max Weber , "L'Éthique protestante et l'esprit du capitalisme" , Nulifar Obberner ,  Berlin 1905 

André Gunder Frank , "L'accumulation mondiale-l'ordre des choses", (Paris; Calmann-Levy, 1977)

Pierre Bourdieu , "Contre-feux 2, Pour un mauvement social européen", Vols2, (Paris: Raisons d'agir, 2001),

Léon Bloy , "Le sang des Pauvres" , (Paris: Arléa,1955)

Serge Quadruppani , "La Politique de La Peur" , Edition de SEUIL,Paris, FÉVRIER 2011

Serge latouche , "La planète des naufragés- Essai sur l'aprés développement" , .la dicouverte pouche , Edition 1 , Paris 1991

Jerry Mander , "Avec la recul: La tragédie de Vitnam et ses leçons" , La procés de la mondialisation , tard. de l'anglais par Thierry Piélat , (Paris; Fayard, 2001)

Serge latouche , "Pour une société de décroissance" , Le Monde Diplomatique , Novembre2003 (Article) .A

Serge latouche , "L'occidentalisation du monde" , la dicouverte pouche , ED.3

Serge Latouche , "Et la décroissance sauvera le Sud" , Le Monde Diplomatique, Novembre 2004 ، (Article) . A








   نشر في 15 نونبر 2017  وآخر تعديل بتاريخ 24 نونبر 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا