غريزة أم تقدير إلاهي ؟ (2) - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

غريزة أم تقدير إلاهي ؟ (2)

مع الطائر المذهل ( أبو زريق ) : blue jay

  نشر في 05 يونيو 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

مَن منّا لا يصدّق أنّ للطبيعة كواليسها أيضا ؟ فأمام مسرح الطبيعة بتنوّع تجلّياتها و تضاريسها و أمام سحر 

مناظرها و تلاوينها .. يحاول علماء البيئة و معهم علماء الأحياء فكّ و تفكيك بعض الظواهر الطبيعية و التي 

ترقى في بعض الأحيان و بامتياز إلى رتبة الألغاز و الطلاسم .

و لعلّ الطائر (أبو زريق) هو في حدّ ذاته يشكّل واحدةً من تلك الألغاز .. فأنتَ أمام طائر حجمه أقل قليلا من 

حجم اليمام و قدْ أوتي نصيبا من الجمال لكن أوتي نصيباً عالياً ليس فقط من الذكاء بل و من الدّهاء أيضاً .. 

باختصار هو طائرٌ : يغرس .. يُشجِّر .. يحرس .. ثلاثة مهّام كبرى هو مجبولٌ بل و مدفوع دفعاً للقيام بها منذ 

آلاف السنين أي أن الحفاظ على البيئة كمفهوم قد سبق أن استوعبه هذا الطائر المدهش منذ فجر التاريخ .. و بعد 

المتابعة و التحري تبيّن للعلماء أنّ (أبو زريق) يعشق الغابات الجبلية في الأعالي حيث شجر (البلّوط) .. و كما هو 

معلوم فهذه الفاكهة لا تنضج إلا في الخريف حيث في هذا الفصل يُشمّر طائرنا عن ساعد الجد و يزيد من حيويته 

فبعد أن يقتات قليلا من الحشرات الأرضيّة و خصوصا الديدان اللّزجة يقفز على أغصان البلوط المثمرة و بمساعدة 

منقاره المدبّب ينزع حبة البلوط و بعد شقّها و تفتيتها يحمل البذرة إلى الأرض حيث يغرسها في أماكن ذات تربة 

نديّة قد أخذت هي الأخرى حقّها من السماد الذي تجود به الخفافيش اللّيلية فهذه الأخيرة تخرج بالآلاف ليلا من 

الكهوف المطلّة على الغابات و أثناء تحليقها ترمي بذراقها أو روثها كسماد خصبٍ مشبّعٍ ب (النيتروجين) و 

(الفوسفور) ممّا يشجّع صاحبنا (أبو زريق) في النهار على غرس أكبر عدد من البذور .. وممّا أثار فضول العلماء هو 

: لماذا هذا الطائر له أولويات في اختيار الأماكن التي سوف يغرس فيها ؟ حيث شوهد وهو يبدأ بغرس البذور أوّلا 

عند جذور الأشجار المقطوعة و كأنه يريد ترميم و إصلاح ما أفسه الآخرون .. و السؤال المحيّر هو : لماذا هذا 

العبقري يغرس بذورا سوف لا يأكل ثمارها لاحقاً ؟ عكس ما كان يعتقد سابقا أن هذا الطائر يقوم بأكل حبات 

البلوط و الباقي يقوم بإخفائه أو طمره في التراب إذ تبيّن لاحقا للمتتبعين و المهتمّين أنه و لكي يحافظ على نسله و 

سلالته و لكي ينجو من شبح الانقراض فهو يقوم بالغرس و التشجير لأن هذا النوع من الأشجار تنشأ تحتها كنوز 

وافرة من البروتينات تتجلّى في الدّيدان و الحشرات الأرضية و بالتالي فهي تشكّل طاقة حيوية لاستمرار هذا النوع 

من الطيور و لاغرابة أنه عندما يريد التزاوج فإنه يبادر بتقديم واحدة من أفضل تلك الديدان كهدية أو عربون 

محبّة إلى الأنثى التي تقبل الهدية على الفور للدخول معا في معترك الطبيعة للحفاظ على البيئة من خلال الغرس 

و التشجير .. وقبل الانتقال إلى المهمة الثالثة وهي مهمة الحراسة يجدر التذكير أنّ هذا الطائر المذهل يقوم بغرس 

البذرة بكيفية احترافية كبيرة حيث عندما ينفش التراب بمنقاره المدبّب فهو يضع البذرة منتصبة القامة أي الجذور 

إلى الأسفل بينما تاج البرعم إلى الأعلى .. ترى في أيّ تعاونية فلاحية تعلم (أبو زريق) هذه الاحترافية الكبيرة و 

التقنية العالية في الغرس ؟؟؟؟



ابو زريق و حبة البلوط


أما مهمّة الحراسة التي جُبل عليها ( أبو زريق) فهي مهمة أذهلتْ كلّ من تعايش معه عن قرب .. و لكي يقوم 

بدوره على أكمل وجه فلا بدّ من الإبداع .. نعم الإبداع المنقطع النظير و ذلك بسلوك بعض الحيل و المقالب تجعل 

غابته و أشجاره التي يحبّها في منأى عن أي تهديد يطالها .. ومن بين هذه الحيل قدرته الفائقة على تقليد 

الأصوات و لذلك و ضعه العلماء في المرتبة الثانية من بين أربعة طيور هي الأقوى و الأقدر في مجال تقليد الأصوات 

عالميّاً .. و عمليّاً يقوم هذا الطائر بمعيّة بني ريشه ليتحوّلوا إلى فريق للإستعلامات يتوزّع بين جنبات الغابة و أي 

تهديد محدق يتمّ أولا تحديد المعتدي و نوعه ومن ثم يبدأ النفير و ذلك باستعمال أصوات هي لكائن آخر يخاف و 

يرتعب منه هذا المعتدي الوافد و مثال ذلك هناك صنف من القردة يعشق أكل حبات البلوط إلا أنه يقوم بكسر 

الأغصان و هذا الشيء يغضب صاحبنا (أبو رزيق) إذن ما هي الحيلة كي يصدّ هذه القردة المشاغبة عن فعل ذلك ؟ 

تبيّن أن (أبوزريق) يعلم سلفاٌ صوت النسور الآكلة للقرود ، فيقوم بترديد أصواتها بشكل تلقائي و بمجرّد أن 

تسمع القردة صوت عدوّها اللدود تقوم بالهروب و كأن لسان حالها ههههه الفرار أو الردّى ..ترى أين تعلّم هذه 

الأصوات بل و كيف استطاع تصنيف الأصوات بين كائن و عدوّه ؟؟ أمام شحّ الدراسات السابقة لا يزال بعض 

الباحثين منكبّين على فكّ و تحليل جوانب أخرى لا تزال مجهولة .. لكنّ الأكيد هو أنّ هذا الطائر لم يجد بعد 

حيلة يدفع و يردع بها الإنسان الذي يشكّل عائقا كبيرا أمام حلمه الكبير في الحفاظ على البيئة .


بقلم تاج نور الدين .


  • 1

  • تاج .. نورالدين .
    محام سابق- دراسات في الفلسفة والأدب - متفرغ الآن في التأليف والكتابة .- محنك في التحليل النفسي- متمرس في التحليل السياسي- عصامي حتى النخاع- من مؤلفاته :( ترى من هذا الحكيم ؟ )- ( من وحي القوافي ) في ستة أبواب وهو تحت الطبع .- ( علم ...
   نشر في 05 يونيو 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم






عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا